تاريخ النشر: 2019-02-28 | 21:03
تاريخ النشر: 2019-02-28 | 21:03
أمد/ غزة -آمنة غنام: من الصعب على الشعب الفلسطيني أن يستسلم لليأس الذي يفرض نفسه قسراً على حياتهم ، وبالأخص البقعة الأصغر في فلسطين ، ففي قطاع غزة على الرغم من الظروف الصعبة وارتفاع معدلات البطالة والفقر لكن تبدع المرأة الفلسطينية في اقتناص الفرص وتسخير كل ما تطاله يداها لتأمين مستقبل أسرتها .
"أمد للأعلام" تجول بين العديد من صويحبات المشاريع الصغيرة التي بدأن من منازلهن لكي يكسبن قوت يومهن ، آملات في يوم أن تمتد مشاريعهن على امتداد هذا الوطن المحتل .
خوف وتصميم
تقول وفاء وشاح صاحبة مشروع "إنجاز" التعليمي:" بداية استملكني الخوف من خوض هذا المشروع ، وترددت كثيرا، ولكن الظرف الذي نعيشه في غزة جعلني أصمم على تنفيذ الفكرة لتحصيل دخل مادي لعائلتي "، موضحة أنها حصلت على درجة البكالوريوس منذ عدة سنوات بالإضافة إلى أن زوجها خريج من إحدى الجامعات المصرية ، ولكن الحصول على وظيفة في هذه الظروف كان شبه مستحيل.
وتتابع لـ "أمد للإعلام": صممت أن يكون لي مشروعي الخاص الذي أديره ، وهو عبارة عن إنشاء مركز تعليمي بمشاركة إحدى صديقاتي ، قمت استناداً على مالي الخاص بتوفير بعض الإمكانيات الضرورية اللازمة للمشروعة ، كاللوح والطاولات والكراسي على الرغم من أن هذه الإمكانيات كانت قليلة و لكنها ملائمة بالنسبة للمشروع في بدايته.
وتشير وشاح أن مشروعها استهدف فئة الطلاب ضعاف التحصيل، والمراحل الدنيا والمتوسطة ، فقامت بتأسيسهم ، وتدريبهم على المهارات الأساسية المستهدفة في الامتحانات.
وتتابع وشاح :" المركز الآن بحاجة للتطوير والتجديد ولكن للأسف حتى الآن لم تقم أي من المؤسسات الأهلية بتقديم المساعدة أو الدعم الذي يحتاجه المركز، ولكن في الوقت الحالي أصب جل اهتمامي على تسجيل أكبر عدد من الطلاب وعمل دعاية للمركز من خلال زيادة مستوى التعليمي للطلاب وتحصيلهم الدراسي ".
ولفتت وشاح أن الوضع السياسي العام المسيطر على غزة صاحب التأثير الأكبر على تراجع نسبة التسجيل من قبل الطلاب، بسبب انقطاع الرواتب، فالأهالي يفضلون توفير لقمة العيش وأساسيات الحياة على تعليم أبنائهم وزيادة تحصيلهم الدراسي.
من جهة أخرى أشارت وشاح إلى أن وزارتي الأشغال والتعليم، لا تساعد هذه المشاريع أو تدعمها إلا في حال تم ترخيصها ودفع الضرائب المستحقة، موضحة أنه من الصعب سداد أي التزام مالي خاصة وأن المشروع في بدايته ، حيث الدعم فردي ، فالمشروع يحتاج مدة اكبر ليثبت نجاحه ويتطور ، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي العام المسيطر على القطاع .
بين الترخيص والايجار
سها مقداد بدأت كغيرها تعرض ما لديها من منتجات وبضائع تسوقها على صفحات الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ، ولكن تزايد عدد الزبائن وزاد حجم البيع فارتأت أن تفتتح محل تجاري صغير يقبع على إحدى نواصي شارع البحر وسط مدينة رفح .
ازداد الإقبال عليها نظراً لأن أسعار منتجاتها في متناول الجميع على الرغم ما تحققه من ربح زهيد ، ولكن البلدية كانت بالمرصاد لها طلباً في سداد الترخيص .
تقول مقداد:" المحل الذي استأجرته كان لبيع السجائر سابقاً أي مساحته لا تتجاوز 2×3م، وطلب صاحب الإيجار600 دينار أردني سنوياً ولكن لضيق الحال لم أستطع من سداد سوى 300دينار ، لتأتي البلدية التابعة للحكومة في غزة تطالبني بدفع رسوم الترخيص والذي يتجاوز 200دولار ، فمع دفع الإيجار وشراء البضائع من كبار التجار لم يعد يتوافر معي سيولة مما اضطرني لإقفال المحل والعودة مرة أخرى للتسويق عبر الانترنت من منزلي ".
بيتي الصغير
التقت "أمد للإعلام" الشابة غادة إبراهيم خريجة من كلية التربية الفنية ، التي ترجمت موهبتها وشغفها بالأشغال اليدوية لمصنوعات وتحف ولوحات فنية وديكورات منزلية لتصبح مصدر رزقها نظراً للأوضاع الصعبة التي تعشيها غزة .
فتقول غادة:" مزجت حبي لعملي مع حاجتي لدخل مادي فسخرت كل المواد التي تطالها يداي لأنتج أعمال فنية وتحف منزلية ، جعلت الكثير من السيدات يقتنين التحف التي تكلف في المحلات التجارية مبلغ كبير "، مشيرة إلى ضرورة أن تستغل المرأة كل الإمكانيات في منزلها لتوفير أجواء جميلة حيث أن صفحات الانترنت مليئة بالأفكار الملهمة .
وتتابع:" ككل البدايات لم يكن الأمر سهلاً فلم أملك رأس المال إلى جانب أن بيتي صغير ، ولكن لم أجعل لليأس مكان فبدأت بتشكيلات بسيطة وأعرضها عبر صفحتي الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي ".
فيما يتعلق بجانب الدعم الذي قدم لها فأشارت غادة إلى أن المؤسسات غالباً ما تكون محبطة لهذه المشاريع ، فالمتطلبات الكثيرة لهذه المؤسسات تجعل أصحاب الأعمال البسيطة أن يكتفوا بما تطالهم أيديهم من اجتهادات شخصية .
وتوضح غادة أنها مازالت في بدايات مشروعها نظراً لتخرجها منذ فترة قريبة ، مشيرة إلى أنها ستشارك في المعرض المزمع عقده في جامعة الأقصى حيث ستشارك بلوحاتها ومشغولاتها من السيليكون والجبس وغيره ، كما تأمل أن تقيم في نهاية هذا العام معرضها الخاص وهو عبارة عن زوايا تقدم فيه ما تنتج بطريقة مبتكرة وأفكار لم تطرح بعد .
وتأمل من خلال تطوير عملها الاستغناء عن التحف الفنية التي تجلب من الصين حيث تصنع في غزة بأيدي فلسطينية وبأسعار معقولة .
مديونين للبنك
أم أحمد أبو شاويش باتت هي وعائلتها دون مصدر رزق ثابت بعد أن أحيل زوجها للتقاعد المبكر وأصبح راتبه مرهون للبنك والقروض بل أصبحوا "مديونين" للبنك ، لم تجد سوى أن تستغل أواني الطهي المنزلية و "نفسها" الجميل لتبدأ مشروعها بدعم ومساندة زوجها .
فتقول لـ "أمد للأعلام":" بدأت أعرض ما أطهوه على صفحات الانترنت وساعدتني شقيقتي في تصميم إعلان وتوزيعه على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والانستغرام ، وأدعو معارفي وأصدقائي لتجربة ما أقدم "، مشيرة إلى أن هذا الأمر جعل هناك إقبال واسع عليها فوصلتها الطلبات من مختلف محافظات قطاع غزة .
وتضيف أم أحمد أنها من خلال مشاركتها في معرض خالدات الذي أقيم في مدينة غزة لصاحبات المشاريع الصغيرة والفنون والأعمال اليدوية لاقت استحسان الكثير من السيدات اللاتي أصبحن زبائنها في وقت لاحق .
وتوضح أم أحمد أن في كثير من الأوقات لا يتجاوز مربحها الخمس شواكل ، ولكن تبقى أفضل من لا شيء ، فالقوت من عرق الجبين يكفيها شرفاً ويزيدها فخراً بما تعمل .
من جهة أخرى تأمل أم أحمد أن تتمكن من افتتاح مكان خاص بها لتسوق منتجاتها ، بشكل أفضل وأوسع حيث أن كل ما تستخدمه حالياً هو أغراض منزلها الشخصية كالغاز وأواني الطهي ومستلزمات الطبخ .
"سكر"
رواء حجازي تتسم منتجاتها بـخفة الظل، فهي تقوم بصناعة دمى الكروشيه المشابهة للشخصيات الحقيقة تحت اسم "سكر" ، فرفضها لفكرة البطالة والتخرج دون عمل كانت أشبه بالموت البطيء فغزة كلها بحاجة لغرس الأمل فيها من جديد ولو أبسط ما يملك أناسها.
تقول حجازي :" للتخلص من حالة الروتين القاتل والبطالة التي ألجمت كل الخريجين قررت أن أجمع بين المتعة والعمل بصناعة دمى الكروشيه على اختلاف تشكيلاتها وعرضها للبيع بأسعار معقولة ، وصفحات الانترنت قدمت لي مساعدة كبيرة من خلال التسويق عبرها ".
وتتابع لـ"أمد للأعلام" : "تحصلت على منحة مقدمة من جمعية المستقبل للثقافة والتنمية لتمويل المشاريع ، وبالفعل قمت بتوفير العديد من المواد التي أحتاجها لعملي "، مؤكدة أن أكثر الصعوبات التي تواجهها هي جودة المواد الخام المتوافرة بغزة ليست بمواصفات عالية إلى جانب أن هناك مواد قد لا تتوافر في الأسواق الغزية مما يتطلب توصيات من خارج القطاع .
خدمة المواطنين
وحول دور المؤسسات الأهلية في دعم المشاريع الصغيرة ، أوضح مدير شبكة تمكين للمؤسسات الأهلية د. إيهاب أبو زيد لـ "أمد للأعلام" أن المؤسسات الأهلية تهدف في مجموعها لتوفير خدمات للمواطنين كلا بحسب تخصصه القطاعي، والنطاق الجغرافي التي يتركز فيه عمل المؤسسة، مبيناً أن بعض المؤسسات مساهمتها تكون من خلال برامجها المتنوعة بتوفير عدد من المشاريع الصغيرة لبعض السيدات ، لتكون لها عوناً في توفير مصدر دخل يعينها على مواجهة ضغوط الحياة.
وتابع أبو زيد:" تختلف من مؤسسة لأخرى الآليات وفقاً لمعايير المشروع وأهدافه والفئة التي يستهدفها هناك مشاريع مقدمة لخريجات وأخرى لسيدات من ذوي الإعاقة أو من الفئات الهشة أو سيدات المجتمع الريفي".
وأكد أبو زيد أن كيفية تقديم المساعدات تختلف من شريحة لأخرى فبعض المشاريع لها علاقة بالمناطق الريفية كالتربية الحيوانية بأنواعها المختلفة والحدائق المنزلية تقدم للسيدات ذات الأوضاع الاقتصادية الصعبة على أن يتوفر لديها أماكن مناسبة لتنفيذ المشروع ويتم توفير كل ما يلزم لفرص نجاح المشروع حتى التدريب على إدارة المشروع التسويق لمنتجاته ، كما يتم توفير مشاريع للسيدات في المناطق الحضرية منها ماكينات الخياطة والكوافير وغيرها.
من جهة أخرى لفت أبو زيد أن الظروف الصعبة التي يمر فيها قطاع غزة ضاعفت من نسبة العوز والاحتياج لدى الفئات الهشة خصوصاً من السيدات، بالإضافة لتراجع العديد من المؤسسات الدولية التمويلية عن تقديم خدماتها أو تقليص برامجها مما أدى لتراجع فرص تأمين مشاريع صغيرة للسيدات.
وأضاف :" قطاع المؤسسات الأهلية كغيره من قطاعات الحياة المختلفة في قطاع غزة ، يعاني من انعكاسات الحصار والانقسام والتي ألقت بظلالها على حرية العمل ومساحته وفرض إجراءات تعيق عمل المؤسسات وإيقاف عدد من الجمعيات عن العمل ، ناهيك عن إنهاء بعض المؤسسات التمويلية لخدماتها في قطاع غزة بسبب مواقف سياسية من دولها المانحة أو تضييقات إدارية من الحكومة".
فيما يتعلق بالخطط المستقبلية لدعم المشاريع الصغيرة خلال الفترة القادمة ، قال أبو زيد :" نسعى دائماً للبحث عن توفير فرص تمويلية لمشاريع صغيرة مدرة للدخل للأسر المحتاجة جانب التدخل الإغاثي الذي تقوم به المؤسسة للفئات الهشة في المجتمع ولدينا حالياً تعاون جاري العمل على إنشائها لتربية الأغنام لمجموعة من السيدات في محافظة رفح، ولدينا رياض أطفال تقوم بإدارتها سيدات من الخريجات ونسعى دائماً لتوفير هذا النوع من المشاريع".