رغبت في تسمية المقالة \"بلا عنوان\" تعبيرا عن الحقوق التي لا تحصى والتى سلبت من الشعب الفلسطيني.
حقوق مهمشة..
ازززز (طيارة، بومب بومب) (قصف) صوت اسعاف وي وي.. اخبار الساعة نقدمها لكم.. استشهد مساء اليوم 15شهيدا في شمال قطاع غزة تحديدا في حي التفاح واصيب العديد من المدنيين جراء القصف.. كمان شوية بنحضر اخبار الساعة 4.
الساعة الرابعة صباحا بتوقيت مكة المكرمة، وقوع مجزرة جديدة غربي القطاع تحديدا في حي الشجاعية والذي أسفر عن استشهاد العشرات واصابة المئات من أهالي الحي وتدميرت العديد من المنازل بقصف مدفعي..
ليست ببداية لقصتي ولا بنهاية هي نقطة في ما لا نهاية. قبل أعوام عندما بدأت تعلم القراءة كانت أولى الجمل هي (حقي في الحرية، العلاج، التعلم، اللعب، السفر...) سلسلة من الحقوق التي أعجبت بها أنا والكثير من الأطفال ممن هم في مثل سني ثم أخذنا نرددها في البهو حتى أصبحت كعبارة - صباح الخير يا ماما - فازداد شغفنا بها وتعلمنا الكتابة بسرعة لتدوينها ورسمها على الورق ومن ثم تعليقها على جميع الجدران حرصا عليها وتخليدا لها، بعدها شرعنا بالبحث عن هذه الحقوق فطلبت أنا مثلا من أحد الأصدقاء اللعب ولكننا تنبهنا لعدم صلاحية ملعبنا القديم الذي كانت قد قصفته أثناء الحرب طائرة اسرائيلية، فلم يعدنا لنا سوى أحد الأزقة للعب فيها، وها نحن نركض اليوم فوق حطام الأمس، فخبرت نفسي بعدم وجود حق اللعب ولا الحرية والتي تعني لطفلة في سني أنني استطيع اللعب حيثما أشاء- ولكني لم أنسى أنني ما زلت أملك حقوقا أخرى كالعلاج .. استيظت في الصباح بصحة متعبة مما أثار قلق أمي التي اصطحبتني الى المشفى لتطمئن على صحتي فقام الطبيب بتشخيص حالتي وأشار عليها بورقة دون فيها اسم الدواء المطلوب بعد ذلك بدأت رحلة البحث عن العلاج وانتهت بوصفة من الأعشاب يتم تحضيرها بغليها ومن ثم شربها على جرعتين يوميا بدلا من العلاج - لعدم توفره بعد حصار كان قد فرض على مدينتي - فأدركت حقيقة قبيحة بقبح الخيانة وهي انتهاك حق آخر لي في الحياة. فتوقفت عن البحث عن حقوق أخرى خوفا من عدم امتلاكها.. إذ سرعان ما أوضح لي الزمان بأنه قد فرض على شعبي عيشة قاسية عليه أن يناضل فيها أجل أبسط حقوقه.
لم أنته بعد ولم يتركني الزمان طفلة بل كبرت وأصبحت في المرحلة الاعدادية وجاءت حصة الكيمياء ووجب التنفيذ العملي الذي هو بمثابة فرصة كبيرة لنا - نادرا ما ندخل المختبر ونجري تجاربنا بشكل عملي نظرا لعدم وجود امكانيات تسمح للطلبة بالتطبيق العملي - فبدأنا بالبحث عن الأدوات والعناصر المطلوبة دون جدوى. كانت معلمتي تعتقد بأن هنالك القليل من العناصر التي تكفي لتقديم حصة تطبيقات عملية لكن لم تسعفنا اعتقاداتنا حيث استخدم طلبة الثانوية العامة هذه القلة المتوفرة من العناصر لأنهم بحاجة ماسة لتأدية بعض تجاربهم التي طالما كانت نظريات في السابق ولم يتم تأدية أغلبها حتى في الثانوية العامة التي تعتبر مرحلة مهمة للطلبة. أما البعض الآخر من العناصر والمواد فكانت غير صالحة للاستخدام لقدمها، فقدر لي مفاجأة أخرى هي فقدان حق التعليم.
لقد مشى الفلسطيني طويلا على درب الألغام لبلوغ السلام ..
أدركت بعد حين أننا نتعرض للانتهاك والقمع والتشريد لأننا أحفاد هذه الأرض، الأرض التي تم تسميتها بـ 48 وبـ67، أرض الأمس واليوم وغدا.. أرض لم يستطع التاريخ سوى أن يسجل الجرائم التي ارتكبت بحقها وحق أبنائها فرسمها بحجيرات البيوت المدمرة، بدماء أحفادها الطاهرة، بورق الزيتون اليانع، بعنب الجليل اللامع، برائحة البرتقال.. يااااه.. كيف للتاريخ أن ينسى حيفا وعكا ويافا؟!
قدمت جدتنا الأرض لتسرد حكايتها للأحفاد، كحال كثيرين بعد فراق عزة، فوصفت حكاية ذاك الفلاح مع معشوقته المغتصبة وذاك الأسير المناضل من أجل تحرير حبيبته، وذاك المقاوم الذي يتسلح بقلم الحرية وآخر تخفيه أشجار الزيتون..
الهروب من القنابل أهون من المشي على الحطام..
أصبح الوطن بقايا حلم تلملمه الذاكرة بعد طول منام، فأرض النخيل والكروم أجمل من وقع تلك الفرشاة على ذاك اللوح الخشبي، وأعمق من تلك الصورة الفوتغرافية التي ربما التقطتها احدى الكاميرات اليابانية التي لم تشهد ميلاد هذه الأرض بعد - خطر في هاجسي لثوان مقولة لشاعر المقاومة محمود درويش مفادها أن الوطن ليس مشهدا طبيعيا للزيارة العابرة - فكيف للثورة الصناعية أن تعي جمال هذه الأرض بعد أن صنعت آلات حربية قتلت أحفادها وأبادت أشجارها وسرقت حلمها، حلمها في أن تبقى حرة جميلة ناعمة بنعومة جسد الطفولة.. ربما خانتني ذاكرتي ولو للحظة بأنه يمكن لي أن أسرد حكاية هذه الأرض في بعض سطور، فسخرت مني الحروف لعجزها عن الكتابة، غير أنني أعي وبقوة أنها سوف تبقى أجمل شعر يتغنى به وأجمل قصة حب يروى عنها.
ساعة الغروب..
خلفي تماما أرى مذبحة دير ياسين وكفر قاسم.. والعديد من المذابح، وأمامي تماما أرى مجزرة حي الشجاعية وخزاعة.. وغيرها الكثير من المجازر.
كنت أعي أن الانسان هو الذي يصم ويبكم ويعدم ولكن كيف لهذا أن يحدث لقانون دولي..؟!
أسفي على قانون دولي كنت أقدسه فأصبحت أدنسه.. نحن شعب نركض ونركض ونستمر في الركض بحثا عن حقوقنا.
* الكاتبة تقيم في مدينة غزة.