تاريخ النشر: 2015-12-14 | 08:48
تاريخ النشر: 2015-12-14 | 08:48
ولا ترموا بأنفسكم إلى التهلكة – حديث شريف
العدالة هي حق الأقوى --- أفلاطون / ماركس
متابعة لمقالي السابق لنقد الفكر السياسي العربي والفلسطيني " الثوري "، فقد قررت الاستمرار في معارضة رأي عام يمتلك حق الحديث في وسائل الإعلام، في ظل غياب الأغلبية الصامتة التي تعاني جراء الصدام غير المتكافيء مع دولة الاحتلال. أيضاً هذا المقال سيعارضه كثيرون، خاصة من المتحزبين والمؤدلجين بصورة مشوهة، والحقيقة أن فكرة هذا المقال قد وردت إلى ذهني بعد أن تحدثت مع الطلاب خمس دقائق حول المقارنة بين السؤالين ( هل نموت لأجل الوطن أم نحيا لأجله ؟! ) .. أشرت إلى أطفال الشهداء الأيتام الذين يتألمون بصمت عندما يأتي أولياء الأمور للسؤال عن أبنائهم فيما هم محرومون من ممارسة هذا الشعور. سأعود لاحقاً لهذه النقطة بعد طرح بعض الأسئلة المهمة والمسكوت عنها.
ترى، بماذا تحتفل فصائلنا المبجلة التي انطلقت في شهر ديسمبر من كل عام ؟؟! ألم يكن هدف انطلاقهم تحرير فلسطين ؟؟! فهل قضي الأمر وانتصرنا على الاحتلال لكي نقيم الأفراح والليالي الملاح ؟؟! منذ سنوات أتساءل ويتساءل معي الكثيرون، بماذا يحتفلون ؟؟! بالخيبات أم بالانكسارات والهزائم التي رسخت حالة من العجز واليأس لدى شباب الانتفاضة الثالثة ؟؟! في الحقيقة نحن لا نواجه دولة استعمار اعتيادية، بل نواجه الولايات المتحدة معها 38 دولة في حلف الناتو. بيننا وبين دولة الاحتلال 300 رأس نووي و 4500 دبابة و 380 طائرة إف – 16 مطورة هذا خلاف المليارات الأمريكية والدعم اللوجستي غير المحدود. هل نواجه قوة إقليمية عظمى بالسكين والحجر والمقلاع ؟؟! أين ذهبت عقولنا ؟؟!
إذا كان المقصود بتعريف دولة الاحتلال فهي كذلك، احتلال واغتصاب بالقوة المسلحة، وفي وجهة نظري أن المجدل مدينتي محتلة كما حيفا ويافا وعكا وأسدود وصفد .. هم سطوا على أرض كنعان بالقوة المدعومة بخرافة " أرض الميعاد " !
لكن لتحرير فلسطين يلزم قوة عظمى أخرى تخوض النزال العسكري مع إسرائيل، فهل هذه القوة وجدت في يوم من الأيام ؟؟! وهل من المحتمل أن توجد في المستقبل ؟! ولماذا لا تحل السلطة ونفرض دولة ثنائية القومية رغم أنف إسرائيل، ففلسطين ليست لليهود وحدهم وهذا واقع ديمغرافي لا يمكن تغييره !
----------------------------------------------------
تتباهى التنظيمات بأنها قدمت آلاف الشهداء من أجل القضية، فهل يموت الشهداء في هذا الصراع المختل من أجل الوطن حقاً ؟! منذ 1948 تم إقحام الشعب الفلسطيني في منطق العنف المسلح لمناهضة عنف العصابات الصهيونية، فهل هذا من العدل والعقلانية في شيء ؟!
شاعر العروبة أحمد مطر أدرك مبكراً ( في الانتفاضة الأولى ) أننا نموت بلا مقابل عندما أنشد حزيناً مهموماً:
هرم الناس وكانوا يرضعون
عندما قال المغني عائدون
يا فلسطين وملايين اللحون
في فضاء الجرح تفنى
واليتامى من يتامى يولدون
يا فلسطين وأرباب النضال المدمنون
ساءهم ما يشهدون
فمضوا يخوضون النضالات
على هز القناني وعلى هز البطون
عائدون
ولقد عاد الأسى للمرة الألف
فلا عدنا ولا هم يحزنون !
لقد ساقت القيادات الفلسطينية على مر التاريخ شعبنا الفلسطيني من نكبة إلى نكسة، ومن نكسة إلى مذبحة ومن مذبحة إلى مجزرة كان آخرها حرب 2014 التي خسرنا بها 2300 شهيد و 100 ألف منزل و 10 آلاف جريح ومعاق خلاف آلاف الأيتام والثكالى والأرامل، ولكن السؤال مرة أخرى، بماذا تحتفل التنظيمات إذا كان هذا هو الواقع المرير بكل بشاعته ؟! هل يرقصون على جراحنا مثلاً ؟! مع كل شهيد يوجد أيتام، ومع كل شهيد يوجد أمهات ثكالى، ومع كل شهيد توجد أرامل، فهل يأبه دعاة " العنف الثوري " لهذه المآسي والويلات والفواجع ؟! أدعو لمحاربة ثقافة الموت الشوهاء، فموت الأطفال العزل أمام الدبابات هو خسارة كبرى، هل أصبح تحرير فلسطين منوطاً بجماجم الأطفال أو بسكاكين الفتيات في جيل المراهقة ؟!
وعودة إلى البداية، وهي نتيجة أفلاطون وماركس حول تعريف العدالة بأنها حق الأقوى، وللتوضيح، فإن القوي يفعل ما يشاء أما الضعيف فعليه احترام ضعفه وإلا اعتبر منتحراً بلا مبرر. الولايات المتحدة " القوية " ضربت الشعب الياباني بالقنابل الذرية لكي تحسم الحرب، بل وترفض حتى يومنا هذا تقديم أي اعتذار للشعب الياباني. ليس في منطق الحرب أخلاق ولا قيم ولا مباديء. توجد مصالح وموازين قوى على الأرض. توجد دول عظمى وأساطيل وصواريخ ذكية موجهة بالكمبيوتر وبالليزر. أين الشعب الفلسطيني المسكين من التكنولوجيا العسكرية لدولة الاحتلال ؟؟! هذا من ناحية. من ناحية أخرى، الظلم يولد الانفجار، وكان على فصائلنا المحترمة أن تعيد حساباتها بعد كل مجزرة، لا أن تخرج مكابرة وتبجحاً بأعلام النصر الكاذب.
في غزة " المنتصرة " ينهبون كهرباء الناس حتى ضمن جدول الثماني ساعات لكي يسرقوا سولار المحطة المعفي من ضريبة البلو. ينهبون الضرائب الباهظة على اللحوم والفواكه والسجائر والمعسل والمجمدات حتى أصبحت الحياة ممكنة فقط لمن استطاع إليها سبيلا .. بماذا يحتفلون ؟! نسبة بطالة مخيفة تجاوزت ال 75 % وفقر تجاوز ال 90 % من السكان، ومعبر مغلق وغزة تحولت إلى أكبر سجن في العالم .. بماذا يحتفل هؤلاء ؟؟! هل مجرد وجود أعلامهم خفاقة فوق دماء الناس وجوعهم وآلامهم وأوجاعهم يعتبر نصراً ؟؟؟ المؤكد أنه انتصار، ولكن ليس على دولة الاحتلال، بل على الشعب الفلسطيني نفسه !
ألا يستحي هؤلاء من أنفسهم وما أوصولنا إليه من وضع بائس مخيب لآمال الجميع ؟! دولة الاحتلال كانت توفر حق العمل لجميع الناس بلا استثناء، أما هم فقد جعلوا من الرواتب منحة ربانية لفصائلهم ورشوة لشراء الذمم في ظل الفقر المدقع. دولة الاحتلال طورت تكنولوجيا الدفيئات الزراعية لتصبح غزة واحدة من أكثر مناطق العالم تطوراُ في إنتاج الخضار والورود والفواكه التي كانت تصدر للسوق الأوروبية. غزة زمن الاحتلال كانت تصدر صناعة الخيرزان الوطنية إلى السوق الإسرائيلية. غزة زمن الاحتلال احتوت مئات المصانع للموبيليا والحياكة وحتى صناعة ثلاجات العرض ! أين ذهبت العجلة الاقتصادية ؟؟! لقد تراجعنا بفضل العنف من التصدير للسوق الأوروبية إلى صومال جديدة !
كان على فصائل العمل الوطني والإسلامي ومن يحتفلون هذا الأسبوع بأعلامهم، أن يفكروا في إبداع ومهارة أهل غزة في نقل واستيعاب التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة. كان عليهم أن يفكروا في 300 ألف عامل أصبحوا بلا عمل. أن يفكروا في 10 مليون دولار دخل وطني كل نهاية أسبوع. كان عليهم أن يثوروا لا من أجل التضحية بالاقتصاد والأرواح والحريات بل من أجل تحسين وتطوير حياة الناس بصورة أفضل مما فعل الاحتلال، لكن أن يصبح الناس يتمنون عودة الاحتلال فهو ما لا يمكن قبوله ! كم متراً حررنا بالعنف " الثوري " ؟! يا ناس أمثلة فيتنام والجزائر لا تنطبق على حالة غزة والضفة، والجزائر التي يتغنى بها المثقف الشعبي الفلسطيني، أصبح مثقفوها نادمون على تحررها من فرنسا، خاصة بعد الهجمة الأصولية المتخلفة عليها والتي تنطلق من مناهج الدراسة حيث يتكون مفاهيم عنصرية فاشية مثل ( مؤمن / كافر ). بالصدفة فتحت كتاب الصف الخامس الوزاري في اللغة العربية ( وليس في الدين ) يقول فيه مؤلف المنهاج: ( لماذا رفضت أم حبيبة أن تجلس أباها على فراش رسول الله ؟! ) والإجابة بكل بساطة لأنه كافر !!! من هنا تبدأ داعش، ومن هنا يبدأ التكفير، ومن هنا تنبع الكراهية، ومن هنا يتم نفي حق الاختلاف الفكري والثقافي، ومن هنا يبدأ تحريض الأبرياء ضد أهاليهم وآبائهم وجيرانهم !
نحتاج إلى مناهج تعلم الناس فن الاختلاف، وحق الحياة دون منغصات طالما كانت لا تعتدي على حريات الآخرين. نريد عقول تفكر لا تجتر الماضي التليد لتواجه به القرن الحادي والعشرين. علينا التفكير ألف مرة في السباق العلمي مع الأمم الأخرى. علينا التوقف عميقاً أمام جوائز نوبل وبراءات الاختراع الإسرائيلية. إنه لأمر مخجل أن تتمكن دولة الاحتلال من إطلاق مركبة فضائية في المستقبل القريب بينما نحن مختلفون على تعليم الفنون الجميلة التي تصقل وجدان الناس وتطور من وسائل التعبير النفسي والحركي.
إن كان الأطفال بحاجة إلى تعبئة، فهي تعليمهم وإقناعهم بأن للجميع دوره في بناء الوطن، وأن الله لم يخلقهم لمجرد الموت بل من أجل الحياة. مناهج تعلم الحضارة الحديثة وتاريخ تطور العلوم. مناهج تصفق للاكتشافات وتهلل للاختراعات الكبرى في الثورة الصناعية. مناهج تعلم الفلسفة والمنطق والتفكير الناقد، وعند أول حصول فلسطيني على جائزة نوبل، أو براءة اختراع، سأحتفل طويلاً ومعي قائمة أصدقائي من المناضلين السابقين وأصحاب التجارب الطويلة والخبرات المريرة.
أخيراً،
* لا للموت في سبيل معركة انتحارية خاسرة مختلة بالكامل لصالح العدو.
* نعم للتعليم النوعي والمناهج الحديثة المطورة التي تمكن طلابنا من المنافسة العالمية.
* نعم لتجديد وسائلنا النضالية بشكل علمي منهج مدروس بعيداً عن الغوغاء والديماغوجيا.