تاريخ النشر: 2020-06-17 | 12:30
تاريخ النشر: 2020-06-17 | 12:30
واشنطن – وكالات: أكد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في تصريح صحفي، فرض عقوبات على 39 جهة حكومية سورية بموجب قانون قيصر، بينهم الرئيس السوري بشار الأسد وزوجته.
ودخل قانون "قيصر" حيز التنفيذ الأربعاء، وهو مجموعة من العقوبات فرضتها واشنطن بهدف "وقف انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها حكومة بشار الأسد"، حسب وصفها. وتنص هذه العقوبات على تجميد مساعدات إعادة الإعمار وفرض عقوبات على النظام السوري والشركات المتعاونة معه، كما تستهدف كيانات إيرانية وروسية. وتثير هذه العقوبات قلق الأمم المتحدة خاصة بعد تهاوي سعر العملة السورية إلى مستويات غير مسبوقة الأسبوع الماضي. و"قيصر" هو اسم مستعار لمصور سابق في الشرطة العسكرية السورية انشق عن النظام عام 2013 حاملا معه 55 ألف صورة تظهر التعذيب والانتهاكات في السجون السورية.
يدخل الأربعاء ما يعرف بقانون قيصر حيز التنفيذ وهو شكل من أشكال العقوبات الأمريكية على النظام السوري المتهم بارتكاب انتهاكات واسعة خلال تسع سنوات من الحرب ويأمل اليوم في انطلاق ورشة إعادة الإعمار. فهل يحقق قانون قيصر أهدافه؟ وما هو تأثيره على الشعب وتداعياته على الدول الحليفة والمجاورة؟
ما هي أهداف القانون وتأثيراته على النظام؟
ليست العقوبات جديدة على سوريا، إذ عرقلت الإجراءات الأمريكية والأوروبية على حد سواء منذ سنوات قدراتها الاقتصادية، بعدما طالت شركات ورجال أعمال وقطاعات مختلفة.
لكن القانون الجديد يوسّع دائرة الاستهداف لتطال أذرعته أيضا، عدا عن مسؤولين سوريين، كل شخص أجنبي يتعامل مع الحكومة السورية وحتى الكيانات الروسية والإيرانية في سوريا. ويشمل مجالات عدة من البناء إلى النفط والغاز.
وينص القانون على اتخاذ إجراءات خاصة بحق المصرف المركزي السوري إذا ثبت أنه "مؤسسة مالية أساسية في عمليات تبييض الأموال".
ويقول إدوارد ديهنيرت من وحدة "ذي إكونوميست" للبحوث والمعلومات "لا يزال على الولايات المتحدة أن توضح أين وإلى أي حد سيتم تطبيق العقوبات، لكن من الممكن القول إن قطاعات العقارات والإعمار والطاقة والبنى التحتية ستتأثر بشكل خاص".
وتشترط واشنطن لرفع العقوبات، وفق القانون، إجراءات عدة بينها محاسبة مرتكبي "جرائم الحرب" ووقف قصف المدنيين والإفراج عن المعتقلين السياسيين وعودة اللاجئين.
ويرى ديهنيرت أن القانون "يُعد ظاهريا آخر محاولة في جهود الولايات المتحدة لفرض تسوية سياسية (...) والإطاحة بـ(الرئيس) بشار الأسد". إلا أنه يشرح في الوقت ذاته أن ذلك "لن يحدث في أي وقت قريب، كون موقع الأسد حاليا مضمونا". فهو يحظى بدعم إيران وروسيا ويسيطر بفضلهما على أكثر من 70 في المئة من مساحة البلاد.
وبالنتيجة، سيكتفي القانون بـ"عرقلة قدرة النظام وأزلامه على الاستفادة من الفرص الاقتصادية التي ستوفرها عملية إعادة الإعمار" المكلفة.
ويرجح ديهينرت أن واشنطن "ستنجح إلى حد ما في مساعيها، فقد صُممت العقوبات لإبقاء نظام الأسد منبوذا، وسيكون تهديدها باتخاذ خطوات عقابية كافيا لإخافة غالبية تدفقات الاستثمارات الخارجية".
ومن دون استثمارات ودعم خارجي، ستعاني دمشق لإطلاق إعادة الإعمار.
ما تداعيات العقوبات اقتصاديا وفي الشارع؟
نددت دمشق بالقانون وقالت إنه سيفاقم معاناة المدنيين في ظل اقتصاد مستنزف.
ويرى محللون أن الخشية من القانون، حتى قبل أسبوعين من تنفيذه، ساهمت إلى حد كبير في الانهيار التاريخي لليرة التي تخطى سعر صرفها خلال أيام قليلة عتبة الثلاثة آلاف مقابل الدولار في السوق الموازية.
وستفاقم العقوبات، وفق ديهنيرت، "علل" الاقتصاد و"للأسف سيكون الشعب أكثر من سيعاني" وسيرتفع معدل السوريين تحت خط الفقر.
ويعيش أكثر من 80 في المئة من السوريين تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بمعدل 133 في المئة منذ أيار/مايو 2019، بحسب برنامج الأغذية العالمي.
ويتوقع الباحث الاقتصادي أن تشهد البلاد "نقصا في المواد الضرورية، وبالتالي سترتفع الأسعار وسيعاني السوريون من تآكل أكبر في قدراتهم الشرائية مع تراجع في فرص العمل" خصوصا أن القدرة على استيراد السلع، وبينها المواد الغذائية والوقود، ستصبح أكثر تعقيدا.
وتشهد مناطق سيطرة الحكومة أساسا منذ نحو عامين أزمة وقود حادة وساعات تقنين طويلة في التيار الكهربائي.
ما تداعيات العقوبات على الدول الحليفة والمجاورة؟
تستهدف العقوبات نفوذ إيران وروسيا في سوريا، في وقت تسعى الدولتان لتعزيز حضورهما في الاقتصاد وإعادة الإعمار. إلا أن النتائج قد لا تأتي على قدر آمال واشنطن نظرا لخبرة موسكو وطهران في الالتفاف على عقوبات اعتادتا عليها.
ولا يستبعد ديهينرت أن يكون "للإجراءات تأثير عكسي، إذ عبر إبعاد حركة الاستثمارات التقليدية، تُقلل الولايات المتحدة من التنافس على فرص الاستثمار في سباق تتفوق فيه روسيا وإيران أساسا".
ومن المتوقع أن تحد أيضا من اندفاعة الإمارات المرتقبة للاستثمار في إعادة إعمار سوريا بعد انفتاح دبلوماسي مؤخرا.
أما لبنان، البلد الذي لطالما شكل رئة سوريا خلال الحرب وممرا للبضائع ومخزنا لرؤوس أموال رجال أعمالها، فقد يشهد تدهورا أكبر في اقتصاده المنهار أساساً إذا لم تستثنه العقوبات.
وتدرس لجنة وزارية تداعيات العقوبات على اقتصاد البلاد المنهك.
ويُرجح أن تنعكس العقوبات، وفق ديهينرت، على عمل شركات البناء اللبنانية في السوق السوري وشركات النقل، عدا عن أن قدرة لبنان على تصدير المنتجات الزراعية عبر سوريا إلى الدول العربية ستصبح محدودة.
ويستنتج الباحث في مجموعة الأزمات الدولية هيكو ويمان أن القيام بأعمال تجارية مع سوريا "سيصبح أكثر صعوبة وخطورة، وبالتالي فإن احتمال أن يُدخل أي شخص أموالا للاستثمار أو لأعمال تجارية سيتراجع وقد لا يكون ممكنا".
كيف تواجه سوريا
ومن جهة أخرى، "إندبندنت عربية" توجهت ببعض الأسئلة لموالين ومعارضين للنظام السوري، للاطلاع على تأثير القانون في لعبة السلطة الداخلية للنظام، وكيف تتحضر سوريا لمواجهة تداعياته، ومن يستطيع أن يساند البلاد في هذا الوقت؟ وهل من الممكن أن ينتج من الضغط الدولي، تنازلات أو "تغيير سلوك" من قبل النظام، وما هي مقوّمات صمود دمشق، إذا ما بقي هناك من مقومات أصلاً، بعد عشر سنوات تقريباً على بدء الحرب؟
يتحفظ شادي أحمد المحلل الاقتصادي، على مصطلحات السؤال الأول، ويقول، "إنهم لا يستخدمون كلمة (نظام) في سوريا للدلالة على القيادة السياسية للبلد، والسلطة الداخلية لا تنطلق من مبدأ (اللعبة)، لأن هذه اللعبة الديمقراطية أو لعبة السلطات الداخلية قد تكون موجودة في بلدان أخرى، لكن في سوريا نستعمل تعبير (مسار)". ويرى أن "قانون قيصر" جاء على معطيات غير مثبتة وغير مؤكدة، ذلك أن "الصور الفوتوغرافية التي اعتمد عليها وقيل إنها من المعتقلات السورية، اعتبرها الكثير من الخبراء محرفة، أي أن بعضها غير موجود على الإطلاق، أو مشغول عليها بطريق الفوتوشوب". ويعتبر "أنه من الواضح أن هذا القانون يستهدف الدولة والحكومة السوريتين لا سيما من الناحية الاقتصادية، وهذ القانون الذي حمل اسم حماية المدنيين في سوريا، لا يهدف إلى حماية المدنيين، لأنه كان هناك تصريح واضح لجيمس جيفري من يسمى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، والذي جاء بعرض للعاصمة دمشق، ويقول العرض "إذا ما تخلت سوريا عن العلاقة مع إيران وحزب الله، فهذا يعني أنهم جاهزون لرفع هذه العقوبات وإلى دعم الليرة والاقتصاد السوريين"، وبرأي أحمد " الأمر ليس مرتبطاً بحماية المدنيين بل بالشروط السياسية التي تتعلق بالتحالف مع إيران والمقاومة في لبنان، بالتالي فإن تأثير "قانون قيصر" قد أكد للعديد من أفراد الشعب السوري حقيقة القراءة السياسية، التي قدمتها القيادة السورية، والتي قالت إننا في سوريا نتعرض إلى استهداف ومؤامرة من قبل الولايات المتحدة، وإذا لم يكن هناك سوريون مقتنعون بهذا الكلام، اقتنعوا الآن، وكأن واشنطن تقدم خدمة للسلطة السورية".
تحضيرات "سرية وعلنية"
وعن تحضيرات الدولة السورية لمواجهة التداعيات، يقول "إن هناك تحضيرات ذات أبعاد سرية وعلنية. بالنسبة للتحضيرات المعلنة، التوجه إلى مزيد من إعادة دورة الإنتاج في سوريا على الصعيد الزراعي والصناعي، وتحويل منطقة الغاب (سهل خصب يقع في محافظة حماة في المنطقة الوسطى من سوريا) إلى خزان ومعمل غذائي، كون هذه المنطقة تمتد على مساحة كبيرة بطول 80 كلم وعرض 15 كلم، أي ثلث أو نصف مساحة هولندا، قد تكون البديل الاحتياطي أو الاستراتيجي. أيضاً دعم منطقة الشيخ نجار الصناعية في حلب والمعامل التي تعرضت للتخريب، ويعتبرها خطة طموحة قد تؤتى نتائجها قريباً".
وعمن يستطيع دعم سوريا في هذه الظروف، يقول، "جميع الأصدقاء قادرون على ذلك، ومن يظن أن الاستهداف وفق "قانون قيصر" يستهدف الموردين، فإن أكثر الدول المؤثرة بالتعامل الاقتصادي مع سوريا هي بالأصل معرضة للعقوبات، بالأمس وجدنا أن إيران قد أرسلت خمس ناقلات نفط إلى فنزويلا، من دون أن تتمكن أميركا من عمل أي شيء، وهذا يعني أننا نستطيع أن نستمر بعلاقتنا الاقتصاية مع إيران وروسيا، لا سيما أن الشركات الروسية بدأت بتنفيذ المشاريع التي جرى التعاقد عليها، إضافة إلى أن الحرب الاقتصادية الكبيرة بين الصين الولايات المتحدة، انعكست على الصالح السوري".
تقديم تنازلات؟
وعن التنازلات التي من الممكن أن يقدمها النظام تحت تأثير الضغط الدولي، يتحفظ الأحمد أيضاً على مصطلح "الضغط الدولي"، ويقول إن هذا سوف يزيد من إصرار السلطة السورية على التمسك بمواقفها، ربما كان التفاوض والحوار سيؤديان إلى تفاهمات، أما الضغط فلن يؤدي إلى نتيجة، باعتبار أن سوريا لم تقدم تنازلات عندما لم تكن تسيطر إلا على 19 في المئة من الأراضي السورية بعد عقوبات عام 2012.
وعن مقومات الصمود يقول، "لا يزال بعضها قائماً بجدارة، مثل الإنتاج الزراعي، صحيح أن وضع الليرة السورية يتعرض لضغوطات داخلية كثيرة، نتيجة المضاربات ونظام سلطة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي سرق بحسب التوصيف القانوني العديد من الليرات السورية، وجمعها في مستودعات في مدينة غازي عينتاب ومدينة كيليكس، ولدى قسد (قوات سوريا الديمقراطية)، بتوجيه أميركي يقوم أيضاً بالتأثير في سعر صرف الليرة السورية". ويقول إن الانتاج الصناعي بحاجة إلى فترة قليلة من الزمن من أجل أن نستطيع تلبية حاجاتنا، فقد استعدنا إنتاج أكثر من 70 في المئة من حاجتنا من الأدوية. ويؤكد أنه لا يجب أن تكون هناك فجوات بين الوضع الاقتصادي والوضع المعيشي، خصوصاً أن هذه الفجوات موجودة، والوضع المعيشي للمواطن السوري ليس بالجيد، ولكن أيضاً من كان يستهدف سوريا كان يأمل بأن يكون الوضع أسوأ بكثير مما هو عليه الآن.
النظام يجلب العقوبات على نفسه
في المقابل، يرى أيمن عبد النور رئيس منظمة "سوريون مسيحيون من أجل السلام"، أن "القانون يهدف أولاً إلى حماية المدنيين السوريين، وإقناع النظام أن لا حل إلا الحل السياسي، لا العسكري. بالتالي فإن النظام هو من يجلب العقوبات على نفسه، كونه يرفض تنفيذ شروط "قانون قيصر" ويرفض قرار مجلس الأمن الدولي 2254". ويشرح أن "العقوبات ستفرض على مناطق النظام والأفراد المتعاونين والذين يخدمون آلته العسكرية من مختلف الجنسيات. من جهة أخرى، سوف يتأثر الكثير من رجال الأعمال العاملين مع النظام، والذي يوجد الكثير منهم حالياً على قائمة العقوبات، كما ستُضاف مجموعة أخرى سواء كانوا من السوريين أو من العرب أو أجانب وربما من جنسيات إيرانية أو روسية، لا يوجد فارق بين الجنسيات وبين المتعامل أو من يقوم بتبييض الأموال أو توريد المواد أو تقديم الخدمات إلى النظام خلافاً لـ"قانون قيصر"، حيث أنه ستتم ملاحقته ووضعه على قائمة العقوبات مهما كانت جنسيته. سيشكل هذا عامل ضغط كبيراً، وستصبح هناك صعوبة في تأمين المواد إلى مناطق النظام، وانخفاض في قيمة الليرة السورية وغلاء في أسعار المواد الاستهلاكية، وقد يؤدي هذا إلى انفكاك وهروب بعض رجال الأعمال المرتبطين بالنظام، بالتالي تصبح هناك شقوق وشروخ، خصوصاً المجموعة المرتبطة برامي مخلوف، والتي بدأت تعيد الكثير من حساباتها، من ناحية تغيير اصطفافها وانسحابها مما كانت تقوم به لصالح النظام".
فك الارتباط
وعما إذا كان من الممكن أن يقدم النظام على فك ارتباطه بإيران، يقول عبد النور، "هناك إجماع دولي أميركي – روسي – تركي - وأوروبي على أن طهران يجب أن تغادر المنطقة، ويأتي السماح للطائرات الإسرائيلية بضرب المواقع الإيرانية الموجودة في سوريا في هذا السياق. وقد يؤدي الانسحاب مع ميليشياتها الطائفية إلى إضعاف كبير لدور حزب الله في لبنان، وسيتم تشديد العقوبات الاقتصادية والحصار الاقتصادي عليها، وإنهاء دورها في مناطق الإقليم سواء في العراق أو اليمن، وأن تعود إلى حدودها وتأخذ دورها كدولة طبيعية وليس كدولة متمددة تعمل على تصدير مشروعها، وتركب موجة تحرير القدس، هذه الشعارات التي لا تمارس منها أي شيء وتصرف مئات المليارات خارجياً، بينما شعبها منهار اقتصادياً، وعملتها منهارة والفقر يزداد انتشاراً في إيران، كل ذلك أدى إلى اضطرابات، حتى في الداخل، وهي مرشحة إلى أن تحدث فيها ثورات خلال فترة قريبة".