الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

بين الحياة والموت: أسبوعان في فراش المرض وسقيع الخيمة

بين الحياة والموت: أسبوعان في فراش المرض وسقيع الخيمة

تاريخ النشر: 2026-01-31 | 13:27

لم تكن تلك الوعكة الصحيّة الأولى التي تُداهمني وتُسقِط الجسد فجأة من عليائه، بحيث أفقد القدرة على الاحتمال وأحتاج إلى من يقف إلى جانبي ليلًا ونهارًا. غير أنّها، هذه المرّة، جاءت في سياقٍ بالغ القسوة، حيث تتقاطع الأوجاع الشخصيّة مع وجعٍ جمعيّ اسمه حرب الإبادة والتهجير القسري، وحيث لا يعود المرض حالةً فردية معزولة، بل امتدادًا طبيعيًا لحياة تُستنزف يومًا بعد يوم.
في الشهور الأولى من الحرب على قطاع غزة، لم يكن ثمة متّسع للتفكير في الصحة أو الجسد. كنت منشغلًا، حتى النخاع، بتأمين إيواء عشرات النازحين من الأهل والأقارب الذين تقاطروا علينا من شمال القطاع، بعد أن تركوا بيوتهم وذكرياتهم وكلّ ما يملكون، هربًا بأجسادهم وأطفالهم من الموت. اجتهدنا في توفير الخيام والطعام وما يحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، ولم يكن العبء هيّنًا حين تجد نفسك محطّ أنظار الجميع، ومسؤولًا عن تلبية احتياجاتهم في ليلٍ طويل ونهارٍ أشدّ قسوة.
بالغت في الإجهاد، حتى داهمتني أولى الإشارات الخطيرة. شعرت فجأة وكأن جلطة توشك أن تصيبني؛ تعثّر لساني عن النطق، وخرجت الكلمات متكسّرة. نُقلت على عجل إلى مستشفى ناصر في خان يونس، حيث مكثت لساعتين خضعت خلالهما لفحوص أوليّة، ووضِع المحلول في وريدي، وأُخذت عينات الدم. بعد حين، عاد اللسان إلى النطق، وتسلّل شيء من الطمأنينة، ونُصحت بالراحة وتناول بعض الأدوية.
مرّت الأزمة الأولى بحمد الله، ثم عاودتني ثانية ولكن بصورة أخف، وتغلّبنا عليها بقليل من الراحة. غير أنّ واقع النازحين، وما يرافقه من ضغط نفسي وجسدي متواصل، لا يتيح لك رفاهية الاستشفاء الكامل. أدّينا واجبنا ما استطعنا، إلى أن أعلن الجيش الإسرائيلي إخلاء حي السلطان، وطُلب منّا النزوح قسرًا إلى منطقة المواصي.
هناك، في المواصي، بدأنا من الصفر. أصبحنا نازحين بين آلاف الخيام. لم نحمل معنا سوى حقيبة صغيرة وهمٍّ كبير. اشتريت خيمة متواضعة لي ولزوجتي، على أمل أن يكون الترحيل مؤقتًا لأيام قليلة، ثم نعود إلى بيوتنا التي غادرناها على عجل، بعد أن شعرنا أنّ الاستهداف بات أقرب إلينا من حبل الوريد.
في منتزه النخيل (2)، تقاسمنا قطعة أرض مع عائلات سبقتنا إلى المكان، ونقلنا بعض مستلزمات “تكيّة السلطان” إلى الموقع الجديد، وعدنا للسهر من جديد لتوفير الطعام والشراب للنازحين من حولنا. غير أنّ الجسد، هذه المرّة، قال كلمته الأخيرة. خارت قواي فجأة، فقدت شهيتي للطعام، وغدوت عاجزًا عن الحركة. قصدت مشفى الصليب الأحمر، ثم حُوّلت مجددًا إلى مستشفى ناصر، حيث أُجريت فحوص أوليّة ووُصفت بعض الأدوية، وكانت النصيحة الأهم: الراحة، والابتعاد عمّا يشغل البال.
تكرّرت زياراتي للمشافي الميدانية، ومنها المشفى البريطاني، لكن الإمكانيات كانت محدودة، بلا تشخيصٍ واضح ولا إجابات شافية. ومع اشتداد سقيع الشتاء داخل الخيمة، وتفاقم الأعباء الاجتماعية للنازحين، عادت الأوجاع بصورة أعنف. فقدت شهيتي للطعام والماء، وصار طعمهما كالعلقم، وتراجعت قواي حتى أقعدني الضعف تمامًا. بإشراف طبيب ألماني في مشفى الصليب الأحمر، أُجريت فحوص للكبد والكلى والبروستاتا، وجاءت النتيجة مطمئنة: لا خلل عضويًا، فقط إنهاك شديد، والجسد يطلب الماء والغذاء والدفء.
اعتمدت حينها على السوائل والحليب، وسهرت زوجتي على تلبية احتياجاتي بصبرٍ ومحبة، حتى بدأ الجسد يستعيد بعض عافيته. ومع تحسّن الطقس وتسرب دفء الشمس إلى الخيمة، عاد النفس إلى صدري، وتحرّك الدم في العروق. توافد الإخوة والأقارب للاطمئنان، وكانت أيام المرض الغريب—نحو أسبوعين—أقف فيها حرفيًا بين الحياة والموت، وتعطّلت خلالها دروسي الجامعية.
هكذا، بين فراش المرض وسقيع الخيمة، أدركتُ أن ما يجري في غزة ليس مجرّد مأساة إنسانية عابرة، بل اختبارٌ قاسٍ لمعنى الحياة نفسها. هنا، لا يكون المرض شأنًا فرديًا، ولا الشفاء حدثًا صحيًا فحسب، بل محطةً على تخوم الحياة والموت، يتداخل فيها الجسد المُنهك مع روحٍ تُصرّ على البقاء. لم تكن عودتي التدريجية إلى العافية استعادةً شخصيةً للحياة، بل تذكيرًا بأن الفلسطيني في غزة لا يُشفى ليعيش لنفسه، بل ليواصل الشهادة على هذه الجريمة المفتوحة، بالكلمة والموقف والفعل. غزة اليوم لا تطلب شفقة، بل عدالة؛ ولا تحتاج إلى تعاطف عابر، بل إلى موقفٍ أخلاقيٍّ واضح يُنهي الإبادة، ويعيد للإنسان الفلسطيني حقّه في الحياة والكرامة والأمل.

×
أخبار
ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط