الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

بين الدولة "المؤمنة" و "الكافرة"

بين الدولة "المؤمنة" و "الكافرة"

تاريخ النشر: 2025-10-02 | 07:50


منذ قرون، وقف ابن خلدون على أطلال حضاراتٍ سقطت، فكتب في مقدمته أن الدول كالكائن الحي: تولد، تنمو، تشيخ ثم تنهار. لم يقل يوماً إنها تسقط لأنها كافرة أو مؤمنة، بل لأنها تفشل في خدمة الناس، في عمران الأرض، في حفظ الأمن وتوزيع العدل. هو نفسه الذي اعتبر أن الدولة لا تُقاس بعقيدة حاكمها، بل بقدرتها على إدارة شؤون الدنيا.

هذا الدرس الفلسفي تكرره نصوص القدماء. عند أفلاطون، المدينة الفاضلة هي التي يحكمها العقل، لا المعبد. وعند أرسطو، الدولة ليست ديناً بل “شراكة في العيش”. أما مكيافيللي فقد انتزع السياسة من ثوب الفضيلة، قائلاً في “الأمير”: لا يهم أن تكون طيباً أو ورعاً، المهم أن تُمسك بزمام الحكم وتحافظ على استقرار دولتِك. في هذا السياق، نستطيع القول: الدولة ليست مؤمنة ولا كافرة، هي إما ناجحة أو فاشلة.

من بغداد إلى دمشق: مسار الحضارات والدولة

شام الأمويين، بغداد العباسيين، القاهرة الفاطميين، والقسطنطينية العثمانية، كلها نماذج تاريخية لدول ازدهرت ثم سقطت. ازدهرت حين كان الحكم قادراً على توفير العدل وبناء العمران، وسقطت حين تحوّل الصراع إلى طائفية وفساد ورفاهية زائدة. ابن خلدون وصف هذا بدقة: العصبية التي تبني الدولة تنقلب مع الزمن إلى ترف وكسل، فيدخل الوهن في جسدها فتنهار.

واليوم، على أنقاض تلك الحضارات، نجد شعوب الشام تدفع الثمن. سوريا الممزقة، لبنان الغارق في الانهيار، فلسطين المقطّعة بين احتلال وحصار، والعراق الذي ما زال يتعافى من دمار الحروب.

لبنان: دولة في طور “الشيخوخة”

في لبنان، الدولة تُحاكم الناس على الإيمان والكفر، لكنها عاجزة عن تأمين كهرباء 24/24 أو ليرة مستقرة. انهيار القطاع المصرفي منذ 2019 أطاح بأكثر من 70% من قيمة العملة، وأفقر نحو 80% من السكان. هذه أرقام تعكس ببساطة دولة فاشلة، لا مؤمنة ولا كافرة. ابن خلدون كان سيقول إننا في مرحلة “الهرم” حيث الحاكم يعيش على ما تبقى من ريع العصبية، فيما الشعب يُترك للغرق.

الخليج: محاولة إعادة تعريف الدولة

في المقابل، تسعى السعودية ودول الخليج إلى إعادة تعريف الدولة. لم تعد تكتفي بصورة “دولة العقيدة”، بل تقدّم نفسها كمشاريع اقتصادية–تكنولوجية: “رؤية 2030” نموذج لذلك. إنها ترجمة حديثة لفكرة ابن خلدون: عمران يحفظ الدولة. قد لا يكون مثالياً، لكنه على الأقل محاولة لكسر حلقة الفشل التي غرق فيها المشرق.

فلسطين: لعنة سايكس-بيكو وخطة ترامب

منذ اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، تفتتت المنطقة إلى كيانات هشة. فلسطين دفعت الثمن الأكبر: أولاً بالانتداب، ثم بالاحتلال، وأخيراً بمشاريع “الحكم الذاتي” المعلّبة. خطة ترامب الأخيرة لإدارة غزة ليست سوى نسخة جديدة من سايكس-بيكو: قطاع يُدار كمقاولة دولية، بلا سيادة ولا هوية، بينما يُترك الفلسطيني محاصراً بين حدود وحواجز.

هذه ليست دولة ناجحة ولا حتى دولة فاشلة، إنها مجرد ترتيب مؤقت للبقاء. أرسطو ومكيافيللي لو عاشوا بيننا، لقالوا إن ما يجري ليس سياسة بل مقاولة.

الهجرة: الهروب الكبير

حين تفشل الدولة في أن تكون دولة، يتحوّل المواطن إلى لاجئ. منذ 2011 وحتى اليوم، خرج من سوريا وحدها أكثر من 6.8 مليون لاجئ وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. لبنان يستضيف نحو 1.5 مليون سوري رغم انهياره الداخلي. الفلسطينيون، منذ 1948، يشكّلون أقدم وأكبر قضية لجوء في العالم: نحو 5.9 مليون لاجئ مسجّل في الأونروا.

أما الهجرة عبر البحر، فهي الكابوس الأكبر. في عام 2023 وحده، سجّلت المنظمة الدولية للهجرة أكثر من 3,700 وفاة في البحر الأبيض المتوسط، أغلبهم من سوريا ولبنان وفلسطين والسودان. أجيال كاملة تترك أوطان الحضارات الأموية والعباسية والفاطمية والعثمانية لتبحث عن حياة في ألمانيا أو كندا أو أستراليا.

الغرب يوفر ما عجزت عنه حضاراتنا

المفارقة المؤلمة أن الغرب الذي يستقبل اللاجئين، والذي يُتهم دوماً بأنه “دار الكفر”، هو نفسه الذي يوفّر لهم ما عجزت دولهم “المؤمنة” عن تقديمه: بيت، تعليم، طبابة، ضمان اجتماعي. ابن خلدون لو عاش بيننا لقال: هذه هي الدولة الناجحة، حتى لو كانت بلا إيمان. ومكيافيللي لضحك قائلاً: لقد فهم الغرب أن الدولة وظيفتها في الدنيا، لا في الآخرة.

الدولة ليست مؤمنة ولا كافرة. الدولة إمّا ناجحة أو فاشلة. نجاحها يُقاس بقدرتها على منع الانهيار، تأمين الخبز والكهرباء، حماية مواطنيها من الغرق في المتوسط. أما الفشل فهو أن تتحوّل الدولة إلى شعار أو خطاب ديني، بينما الناس يهاجرون بحثاً عن كرامة.

الشام اليوم – مهد الحضارات الإسلامية – يصدّر أبناءه في قوارب الموت. كأن التاريخ يعيد درسه القاسي: من لم يبنِ دولة ناجحة، سيُدفن مع دولته في البحر.

الدولة ليست مؤمنة أو كافرة ، الدولة إما ناجحة أو فاشلة فقط ..هي مسؤولة عن خدمتك في الدنيا وليس في الآخرة .

×
أخبار
سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط