تاريخ النشر: 2018-04-03 | 08:48
تاريخ النشر: 2018-04-03 | 08:48
من يصدق أن أربعون عاماً مرت على أبديتك الخالدة يا بشير ؟! هكذا ،و بهذه السرعة ، فهي بالنسبة لي تأتي و كأنها بالأمس،فما زال حضورك طاغياً، و ذكراك متجددة ندية نضرة ، بل و حية في قلوب كل من عرفوك . ما زلت أذكر كابوس تلك الليلة ، و الذي ملأ صدري بالضيق ، بأن حادثاً جللاً قد ألم بك ، و فقط في اليوم التالي اتضحت لي مدى خطورة هذا الكابوس دون تحديد واضح لطبيعة هذا الخطب الخطير ، حيث وصلني تلكس يطلب مني الحضور فوراً إلى "بيروت بسب =====اخوك بشير "، مشطوباً منها كلمة و كأن الذي سجلها في مكتب بريد القاهرة لم يطاوعه قلبه بنقل مثل هذا الخبر الصادم ،فظل قلبي منقبضاً إلى ان اتضحت الكلمة المشطوبة من البرقية بعد وصولي إلى دمشق و منها لبيروت . نعم ، من يصدق ؟ فهي ذكرى موجعة و ما زالت تنز دماً و ألماً من وسط جرح الذاكرة ، و لكنها مجللة بالغار ...ندية عطرة تفوح منها رائحة الشهداء في خلودهم بين "مقبرة الشهداء في بيروت " و مقابر شهداء فلسطين في كل مدينة و قرية و مخيم و آخرهم شهداء يوم الأرض في مسيرة العودة الكبرى! أربعون عاماً كانت حبلى بأحداث كبرى في مسيرة الثورة و أحلام الشعب الذي قضيت من أجل تحقيق أهدافه بالحرية و العودة و تقرير المصير ، فصمودكم في مواجهة الاجتياح الاسرائيلي في الليطاني في الخامس عشر من آذار 1978، مهَّد لملحمة الصمود الكبرى في بيروت عام 1982، و كلاهما أثمر انتفاضة كبرى مهدت لها تضحيات و معاناة و عمل و مثابرة أجيال حملت في وجدانها برنامج الدولة و العودة ، فانتقل الشعار الذي حيرني و ظل يتنقل مع ذاكرتي بأن "لا صوت يعلو على صوت تحرير الجنوب " الذي حمله الشباب و المقاتلين في تشييعك إلى خلود الأبدية ،ليصدح مجلجلاً بهتافات شعب ، و حيث يجب أن يكون ملعلعاً في كل ساحات الوطن و ميادينه و أزقته "بأن لا صوت يعلو على صوت الانتفاضة" التي حملت أحلام شعب ،و تضحيات آلاف الشهداء و عشرات آلاف الجرحى و مئات آلاف المعتقلين و المشردين و المنفيين ، لتزهو بهم في نشيد شعب يعاهد الشهداء بقسم الحرية و السير علي خطاهم نحو الخلاص من الاحتلال و الانعتاق من ظلمه، و تزهر وردة لكل أم و عاشق للحرية و الحياة...أحداث كانت دوماً حبلى بأمل الانتصار ونشيد العودة. اسمح لي يارفيقي أن أكتم في قلبي ما يمكن أن يوجع روحك و أرواح كل الشهداء ، فلن أخبرك عن التيه و تمزيق الأمل و التفريط بالألم و الدموع الذي انسكب من عيون الأمهات الثكلى و الآباء و الأبناء على رحيل أغلى البشر ...عشاق الحرية و الحياة ، و سأرجو الذين التحقوا و استحلفهم واحداً واحداً أن لا يخبروكم عما حل بنا ، لعلنا نكون قادرين على استجماع قوة الضمير و إرادة الوفاء التي نستمدها من صفاء أرواحكم على محو هذا الفصل المعتم من مسيرة شعب استحق ان يكون شعب الشهداء، لنعود قادرين و نجرؤ على لقائكم متحدين خلف نهوض وطني عارم اجترحه الإبداع الشعبي على تخوم غزة مقدماً عناصر استراتيجية فاعلة للكفاح الوطني ترتكز على المقاومة السلمية و الوحدة الشعبية التي لا يمكن أن تقهر ، كي نستمر موحدين نتوارث حكايات التغريبة الفلسطينية و دروسها التي تجعلنا نستحق الوفاء لأرواحكم ، و نستعيد رفاة جثامينكم لتراب وطن سيظل فخوراً بتضحياتكم وفياً لدموع الأمهات الثكالى ،و لوعد الفرح على شفاه أطفال و صبايا يرقصون كفراشات في يوم النصر القادم .قم يا أخي ورفيق درب المناضلين القابضين على جمر الحياة و أخبرهم أن هذه السنين لم تكن سوى كابوس ثقيل يغادر ليلنا لنظل ممسكين بوعد الوفاء واقفين نتحدي الريح .
نعم ، من اعتقد أن تضحياتكم تذهب هدراً و أن تدجين الشعب و جعل قضيته لقمة صائغة بات في متناول اليد ، فهو لا يعرف الفلسطيني الذي ما يلبث أن يهدأ إلا لينطلق مجدداً كطائر الفينيق . قم و عُد لنا، فنحن بحاجة لمن يُطفئ نارنا و يمسح غبار المرحلة ، عُد يا بشير و صحبك الشهداء لتبشر الأجيال و تروي لهم عن مستقبل لن يحيد عن قسم الوفاء و وعد من يستحقون الفرح ، و عن تاريخ لن ينجح العابرون في تزييفه، و لا سرقة ابتسامات أطفاله .
عد فلم نعد نحتمل العبث. و ها هم شبان و صبايا غزة ينهضون كماردٍ لا يمكن تدجينه أو إطفاء روح تمرده .
عد فقد وعدتني بأن الشهداء يعودون هذا الربيع .
و ها قد انتظرناك أربعين ربيعاً يا بشير !
عد يا أخي كي نسقي الدالية و الزيتونة و نوقد شمعة تكسر ظلمتنا و علّها تدلنا على الطريق !
* في الرابع من نيسان تحل الذكرى الأربعين لاستشهاد المناضل بشير عوض زقوت



