ثمة أمر غريب عشته بين زيارتين لضريح الشاعر الكبير محمود درويش ، ففي عام 2013 كانت الزيارة الأولى ، وقفت أمامه لدقائق غير مفسر لمعنى أن أكون أمامه ، غير صورة قديمة رسخت في وجداني عندما التقيته وأنا صبيّ في ملعب تشرين بدمشق ، كان اللقاء عن بعد ، والسمع أقرب من الرؤية.
وفشلت يومها بمصافحته ، كما فشلت أنفاً بلقائه في غزة ، للفيتو الجهوي المحسوب على المشهد الثقافي وقتها ، فمن يكون هذا الشاعر الزاحف على بطنه في بلاط اللغة لكي يلتقي شاعراً كبيراً بقيمة محمود درويش!!!.
الوقفة الأولى أمام ضريحه كانت تحدثه نفسي عن تلك الغصة المركزة لعدم قدرتي على لقائه حياً وبوضوح ، فوقفت مستأنساً بحضرته ميتاً، أطلب له الرحمة من الله ، وأسمعه همس خاطري بتفرد مطلق ، لم انتبه البتة لمحيط الضريح من هندسة أو أزهار أو مرصوصات ابداعية ، كان الحديث الخفي والسري قد ابتلع الجغرافيا تماماً ، وتركيزي انصب نحو صاحب الضريح والاماني القديمة ، والمرارة المغروسة في الجوف المكنون ، وقلت له وأنا افشي الأن سراً ، كم تمنيت اللقاء والحديث معك على انفراد ، واطلاعك على بعض ما كتبته ، لأخذ منك إجازة أو تصويباً ولتعريفي أو تصحيح التعريف الذي يناسبني ابداعياً ، هذه الأمنية التي لم أحققها ، تمنيت تحقيقها بعد رحيلك ، ولو مجازاً بين واقف حيّ ومسجى أمامه.
في الزيارة الثانية كان الموقف مختلفاً تماماً ، بعد قراءة الفاتحة ، والدعاء له ، كان الضباب يغطي الضريح ، ويلم الصبح بعض الضوء لكي نحاكي رهاماً يتساقط بخفة فوقنا ، وأخذتني سياحة النظر الى المكان المحيط ،حيث الأزهار الجميلة ونوافير الماء الهادئة ، والسلال الحجرية الكبيرة ، والدرج الرخامي المبدع ، التقطت كل ما يحيط به ، حتى وصلت إليه وغادرته ولم تحدثه نفسي غير بشيء واحد ، وهو أنه لازال في القمة ، يركبّ الوطن على اللغة ، ويبني بدون حروب ولا ضجيج الأمل المنتظر .
ولتمّكن اللقاء الثاني من إسكات مشاعر الحرمان والفقدان والغياب، ابديت الارتياح الكامل من المكان الذي يقيم فيه الضريح ، استطعت أن أخطّ عبارةً في سجل الزيارات ، وأطوف بين صوره وأعماله ، وأرثه الشعري والخشبي البسيط ، ولفت انتباهي القرآن الكريم بحجمه الكبير الذي كان يقرأ منه درويش ، وسلسلة من ممتلكاته الخاصة ، المعروضة أمامي ، كأنني أتعرف على أخر لم أعرفه ، ولم يكبر في داخلي الوجداني مع كل نص كان ينشره أو أسمعه له ، كأنه الغريب الذي لم اتعرف عليه بعد ، فمحمود درويش الإنسان الغير مكتشف من قبلي ، موجودة متعلقاته الأن أمامي ، و مخطوطاته تكاد تقول عنه ، ابداعاته واخفاقاته ، والمشطوب فيها يكاد يكون حزيناً على عدم رضاه عليها ، كما صوته الذي يعلو و ينغضّ في المتحف ، في تكرار يشبه تجديد مشاعرنا نحو الغائب .
محمود درويش لم يعد الجسد المطّل على المكان ولا الروح المتنقلة على جغرافيا الأرض ، بل شبع بغيابه من الرتابة تلك ، وأصبح اللامرئي المسموع والمتبع برنين قصائده ، وإبرة غزله لوطن لا زال في مرسم الأماني ، طريقه المتشعبة تنجو بين فينة وأخرى من المتاهة بفعل الدليل المتمترس خلف وصايا الغائبين المؤثرين فينا.
ولو كنت سواي ما تركت الضريح وحيداً وعدت الى حصاري المرّ!!!.