تاريخ النشر: 2023-07-27 | 18:18
تاريخ النشر: 2023-07-27 | 18:18
لا أريد الخوض في مقدمات الكل يعلمها من سنوات الإنقسام الفلسطيني التي عاشها شعبنا على مدار أكثر من عقد ونصف واستمراريته و الآثار التي ترتبت عليها ، من تفشي البطالة والجوع والفقر وتدني الأجور ، و الحصار الإسرائيلي على قطاعنا الحبيب و الحروب و القتل والدمار والتخريب و هجرة الشباب و خلاف ذلك من جملة المشاكل الإقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية وغيرها التي يعيشها أبناء شعبنا .
من عمق هذه المشاكل ، و ما تحمله من معاناة الألم و القهر ، ساسرد لكم قصتي التي هي من مجموعة قصص عديدة عانيتوا منها ، مثلي ومثل كل أبناء شعبي .
ولكن هذه القصة تختلف عن غيرها من القصص ، لأنها متعلقه بغلاء المعيشة و ما نتج عنه من استغلال بعض أرباب العمل ، للعب في الأسعار والموازين وخلافه .
ومن هنا جاءت فكرة تشكيل حماية المستهلك التابعة لوزارة الإقتصاد لمحاربة الاستغلال و احتكار بعض المنتجات ورفع الأسعار و الغش في الموازين و خلافه .
ومن هنا بدأت تجربتي ..
يوجد في منطقتي سوبر ماركت ، صاحبه يريد عامل يدير له محله فترة الصباح بدلا عن أخاه الذي يريد أن يبدأ حياته الجامعية مثله مثل إخوته .
فصاحب هذا المحل تواصل مع أحد إخوتي لكي يقنعني أن أعمل لديه ، بعد أن سأل أهل المنطقة عن أخلاقي و أمانتي و خلاف ذلك .
وكانت النتيجة أن اتفقنا على مباشرة العمل بعد أسبوعين لمدة ساعتين في اليوم على بال ما آخذ لمحة عن السيستم إلا شغالين عليه في السوبر ماركت ، و يعرفني على بعض الأسعار والتجار و الزبون وخلافه .
و في خضم هذه المعرفة و خاصة بأسعار بعض المنتجات ، لفت انتباهي كيلوات السكر لديه ، قلت له لماذا كيلو السكر امبين عليه قليل ، قال لي اوزنه 900 جرام ، فصطدمت حينها ، و قلت له يا أخي حرام شرعاً ، ولا عمرها صارت بأن تبيع كيلو السكر 900 جرام ، قال لي مع هو السكر سعره مرتفع ، قلت له حتى ولو سعره مرتفع ، لا يحق لك أن تقلل من كميته ، هذا يعتبر غش ولعب في الميزان .
المهم ما صار في نصيب بأن أشتغل عنده ، حينها بأيام قليلة سمعت أحد الأشخاص يشتكي لمذيع برنامج كل الناس الذي يأتي كل صباح على إذاعة الأقصى عن غلاء سعر السكر وأين وزارة الاقتصاد عن ذلك .
حينها جاوبه المذيع ، بأن وزارة الاقتصاد شكلت لجنة لحماية المستهلك و يجب على المواطن هو من يبادر للشكوى على كل تاجر يلعب بالأسعار أو يحتكر منتج ما أو يغش المواطنين وخلافه ، من منطلق بأن وزارة الاقتصاد لا تستطيع أن تواجه هذه الظواهر لوحدها بدون مساعدة المواطنين و الإبلاغ عنها .
حينها تذكرت صاحب المحل الذي كنت سأشتغل عنده و قصة السكر التي يقوم فيها بغش المواطنيين و بيعهم 900 جرام سكر على أنه كيلو صافي .
فبادرت بتقديم شكوى للجنة حماية المستهلك من خلال رقمهم المجاني على صاحب المحل ، وبالفعل ، تفاجأت بسرعة استجابتهم للشكوى و تحركهم و الذهاب فورا لمحله والقيام بما هو مطلوب منهم .
ولكن تضايقات قليلا من لجنة حماية المستهلك وهنا المقصد من وراء سرد هذه التجربة وكتابة هذا المقال ، لأنهم افصحوا عن إسمي أمام صاحب المحل ، مع العلم بأني أخبرتهم بأن يتحفظوا على إسمي عندما قدمت الشكوى ووعدوني بذلك ، ولكن للأسف لم يفعلوا ذلك ، بل زاد الطين بله ، بأنهم كلموني أمامه .
و هذا يعتبر خطأ كبير ترتكبه لجنة حماية المستهلك ، ممكن أن تكون نابعه عن قلة خبره أو عدم دراية أو عدم تقدير فيما سيحدث لمقدم الشكوى بعد أن افصحوا عن إسمه ، وهذا للأسف يعتبر إحدى أسباب تخوف الكثيرين من المواطنين في عدم تقديم شكاوي للجنة حماية المستهلك و الإبلاغ عن حالات الإستغلال والاحتكار وغيرها من هذه الظواهر داخل البلد .
ففعلتهم هذه ، عرضتني للتهديد من قبل صاحب المحل بأنه سيقدم بحقي شكوى كيدية للشرطة ، واتهامي بالكذب والافتراء عليه ، و الأخطر من ذلك بأنه قلب والدي وإخوتي علي .
لدرجة أن والدي قام بتهديدي ، و قال لي بالكلمة الواحده ، إذا تريد أن توطي رأسي أمام الناس ، دقيقة واحدة لا تقعد في المنزل ، و هذا أعتبره أمر طبيعي نابع من ثقافة العقلية النرجسية لدى كبارنا و ختياريينا في أغلبية عوائلنا الفلسطينية ، المعروف عنه بأنه مجتمع محافظ ، يفضل السمعة و الشرف على كل شيء ، و يعتبر أن مواجهة ومحاربة الإستغلال والاحتكار و خلافه من هذه الظواهر هي تدخل مباشر في خصوصيات الآخرين ، تعرضنا للمشاكل و السمعة العاطلة و العداوة وخلافه من هذه الأمور على حسب اعتقاداتهم .
و هذا ما كان يجب على وزارة الاقتصاد عندما شكلت لجنة حماية المستهلك أن تضعه في سلم اعتباراتها تماشياً مع ثقافة المجتمع و العقلية النرجسية التي يحملها آبائنا في التعامل مع هيك قضايا والتخوف منها ، خوفا على سمعتهم وجلب المشاكل و الكره والبغض والعداوه لهم من منظورهم الفكري .
وخاصة بأننا في مجتمع محافظ يحكمنا فيه الكبار ، و لا نستطيع الخروج عن طاعتهم حتى ولو وصلنا المريخ كما يقال .
وعليه ، يجب على وزارة الاقتصاد أن تتحفظ تحفظا تاما على أسماء مقدمين الشكاوي لكي تربط بينهم جسر من الثقة يعتمد عليه ، لكي لا يتعرضوا كما تعرضتوا له أنا شخصياً وممكن غيري يتعرض لأمور أكثر مني بحكم البيئة التي يعيش بها والظروف المحيطة من حوله .