إن التحالف الذي بدأ يتشكل بعد سنوات من المشاورات بين تركيا وباكستان والسعودية لا يبدو مجرد تفاهم عسكري أو أمني عابر، بل يحمل مؤشرات على ولادة تكتل استراتيجي عابر للقارات، يمكن أن يتحول إلى إطار جامع لقوى إسلامية متعددة، مستفيدًا من الثقل السياسي والجغرافي لكل دولة.
شبكة نفوذ تتجاوز حدود الدول الثلاث
فتركيا لا تتحرك ضمن حدودها الجغرافية فقط، بل تمتلك نفوذًا وتأثيرًا في ملفات ودول عدة، من سوريا والعراق ولبنان إلى ليبيا والسودان. أما السعودية فتمثل مركز ثقل سياسي واقتصادي وأمني في الخليج، ما يجعل دولًا خليجية أخرى مرشحة للانخراط في أي منظومة تقودها الرياض.
في المقابل، تمنح باكستان التحالف بُعدًا مختلفًا، فهي دولة نووية ذات قوة عسكرية ووزن دبلوماسي وموقع استراتيجي مؤثر في جنوب آسيا، الأمر الذي يجعل التحالف يمتد فعليًا من الأناضول إلى الخليج وصولًا إلى جنوب آسيا.
لماذا حجم الضغوط على تركيا وباكستان؟
وفق هذه القراءة، يمكن فهم جانب من حجم الضغوط والهجمات السياسية والاستراتيجية التي تعرضت لها تركيا وباكستان، باعتبار أن تشكل مثل هذا التكتل قد يغير قواعد اللعبة الإقليمية، ويمنح دول المنطقة قدرة أكبر على صياغة قراراتها بعيدًا عن حالة الهيمنة والتفرد التي طبعت المشهد خلال العقود الماضية.
فالتحالفات العسكرية لا تُقاس فقط بحجم السلاح، وإنما بامتدادها الجغرافي وشبكة علاقاتها وقدرتها على خلق توازن جديد في موازين القوة.
إعادة حسابات الهيمنة الأمريكية ـ الإسرائيلية
إذا نجح هذا التحالف في توسيع دائرته، فلن يبقى بالضرورة محصورًا في الدول الثلاث، بل قد تنضم إليه دول ترتبط معها بعلاقات استراتيجية، بما يخلق كتلة إقليمية واسعة التأثير.
وهنا تبرز إيران كاحتمال استراتيجي مهم. فإذا نجحت طهران في معالجة بعض خلافاتها مع محيطها الإقليمي، فقد تصبح مستقبلًا جزءًا من هذه المعادلة، الأمر الذي سيمنح التحالف عمقًا جغرافيًا وسياسيًا وعسكريًا أكبر.
نحو نظام إقليمي جديد؟
إن اكتمال هذا المسار قد ينقل المنطقة من مرحلة التحالفات الجزئية إلى مرحلة تعدد مراكز القوة، بحيث لا تستطيع قوة واحدة فرض إرادتها منفردة على دول المنطقة وشعوبها.
وعندها ستكون الولايات المتحدة وإسرائيل أمام واقع جديد يفرض إعادة حساباتهما، ليس لأن المنطقة تتجه بالضرورة نحو حرب شاملة، وإنما لأن ظهور قوة إقليمية واسعة الامتداد سيعيد تعريف مفهوم الردع والتوازن.
وربما يكون ما نشهده اليوم مجرد البداية لمرحلة استراتيجية جديدة؛ مرحلة يمكن أن تتشكل فيها قوة قادرة على إعادة ضبط ميزان القوة في الشرق الأوسط وكبح التغول الإسرائيلي والأمريكي، وفتح الطريق أمام نظام إقليمي أكثر توازنًا وتعددًا في مراكز القرار.
ويبقى السؤال: هل نحن أمام تحالف فرضته الظروف الراهنة، أم أمام النواة الأولى لنظام إقليمي جديد يمتد من تركيا إلى الخليج وجنوب آسيا ويعيد رسم موازين القوة في المنطقة؟