إن تراجع تأثير اللوبي الصهيوني في التأثير على القرار الأمريكي، إذا ما استمر وتعاظم، لا يمكن اعتباره مجرد تحول انتخابي عابر، بل قد يكون مؤشرًا على تغير تاريخي في البيئة السياسية الأمريكية، وعلى اتساع مساحة الحريات في صناعة القرار بعيدًا عن نفوذ اللوبيات التقليدية.
ففوز ناخبين ومرشحين يتبنون مواقف أكثر انتقادًا لهذه اللوبيات يشير إلى أن السردية التي ظلت لعقود تحظى بأفضلية داخل الولايات المتحدة لم تعد وحدها القادرة على التأثير. وإذا استمر هذا المسار، فقد نشهد مرحلة يتعاظم فيها حضور الرواية الفلسطينية، وتتراجع تدريجيًا حالة الدعم غير المشروط لإسرائيل، وتزداد مساحة المساءلة الأمريكية للسياسات الإسرائيلية.
لكن هذا التحول يحمل في داخله مفارقة مهمة؛ فتراجع القدرة الأمريكية على التأثير في إسرائيل قد يدفع الأخيرة إلى البحث عن استقلال أكبر، خصوصًا في المجال العسكري. وهو ما يمكن قراءته في حديث نتنياهو عن توجه إسرائيل نحو الاعتماد على قدراتها الذاتية في صناعة السلاح وتقليل اعتمادها على الاستيراد.
وهذا يعني أن تراجع الدعم أو الضغط الأمريكي لا يعني بالضرورة تراجع قوة إسرائيل، بل قد يدفعها إلى امتلاك قرار عسكري أكثر استقلالًا وأقل خضوعًا للضغوط الخارجية.
وهنا تبرز الخطورة بالنسبة للفلسطينيين؛ فإذا تراجعت قدرة أي طرف دولي على كبح إسرائيل، بينما حافظت الأخيرة على قوتها وطورت استقلالها العسكري، فقد نكون أمام عدو أكثر حرية في استخدام قوته وأقل تأثرًا بالضغوط السياسية.
لذلك، فإن التعامل مع هذه المرحلة لا ينبغي أن يقتصر على انتظار تغير الموقف الأمريكي، بل يستدعي بناء موازين قوة قادرة على مواجهة التغول الإسرائيلي، من خلال تكتلات سياسية واقتصادية وأمنية واستراتيجية تمتلك القدرة على التأثير والردع.
فالتحول في المزاج السياسي الأمريكي قد يشكل فرصة تاريخية للقضية الفلسطينية، لكن تحويل هذه الفرصة إلى واقع يتطلب بناء قوة مقابلة؛ لأن تراجع نفوذ اللوبي الصهيوني لن تكون له قيمة استراتيجية حقيقية إذا لم يقابله صعود قدرة عربية وإسلامية ودولية قادرة على استثمار هذا التغير ومنع إسرائيل من تحويل استقلالها المتزايد إلى مزيد من التغول.
المعادلة المقبلة قد لا تكون تراجع الدعم الأمريكي = ضعف إسرائيل، بل تراجع الضغط الأمريكي = حاجة أكبر إلى بناء قوة مقابلة.