تاريخ النشر: 2017-04-16 | 18:07
تاريخ النشر: 2017-04-16 | 18:07
تركيا اليوم، وهي تشهد استفتاء على الدستور، لازالت رهينة عدم تحديد هويتها، فالجمهورية التركية ومنذ تأسيسها عام 1924، وحتى يومنا هذا حائرة في التوصل إلى جواب صحيح ومقنع، ومسألة الهوية من أخطر القضايا التي يتوقف عليها مستقبل الدولة التركية، بسبب الانقسامات والنزاعات والمقاربات التي يعانيها في السنوات الأخيرة أكثر من الماضي.
وفي الحقيقة ما يدفع إلى نوع من التشاؤم، هو أن تركيا بلغت ما بلغت بعد تجريب جميع المقاربات الممكنة بدءاً بالعلمانية الكمالية ومروراً بالعلمانية اليسارية والعلمانية اليمينية والليبرالية، وصولاً إلى العلمانية الإسلامية أو - على حد قول "حزب العدالة والتنمية الحاكم - إلى الفكر المحافظ، وهو في الحقيقة ليس إلا خليطاً من العلمانية اليمينية والليبرالية مع صبغة مظاهر التدين الشكلي المكتفي بالخطاب والشعارات والطقوس الدينية والشعارات القومية والوطنية في الحقبة الأخيرة، التي يجري استخدامها وتوظيفها في تحقيق مصالح سياسية.
فما تشهده السياسة الإقليمية لتركيا من تبدلات، وربما ما واجهته من نكسات أيضاً، بسبب مجموعة من العوامل والعناصر الداخلية والخارجية، تجعل من الصعوبة تقديم صورة موضوعية عن هذه السياسة المتبدلة دوماً، فهل هي سياسة الدولة التركية أم سياسات الحكومات! ، ذلك بأن السياسة الخارجية التركية عاشت تحولات من "عبد الله غول" إلى" أردوغان" ومن" أردوغان" إلى " داود أوغلو" ومن" داود أوغلو" إلى "بن علي يلديريم"، وتحولت الأهداف والاستراتيجيات والتحالفات والأساليب، وحتى اللغة الدبلوماسية تحولت إلى اللغة السوقية أحياناً، كما يقول "محمد خيري قرباش أوغلو" أستاذ الإلهيات في جامعة أنقرة.
وقد تسلسلت مراحل التحول في السياسة التركية من محاولة الخروج من الدور التقليدي إلى الدور التجديدي، ومن الانغلاق إلى دور الوسيط، ومن السياسة السلبية الانفعالية إلى سياسة الاستباق؛ وامتداداً لهذا التحول بدأ الانتقال من السياسة الواقعية السلمية إلى سياسة توسيع دائرة النفوذ العسكري والسياسي؛ من الطموحات إلى الأحلام وإلى الغطرسة والتعالي والتعاظم، ونشهد في المرحلة الأخيرة والحالية الانتقال من السياسة الاختيارية إلى السياسة الاضطرارية، بمعنى أن الواقع فرض نفسه على السياسات المتخذة، وقد اعترف حزب العدالة والتنمية، بأنه أخطأ في تقدير التطورات الخارجية عموماً، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بالأزمة السورية تحديداً.
فمن شعار صفر مشكلة الذي كان قد روج له "داود أوغلو" إلى واقع صفر جيران!. يتبين أن السياسة الخارجية التركية في مراحلها الأخيرة كانت تعاني العجز عن تقدير التطورات في العالم عموماً وفي دول الجوار الإقليمي تحديداً، ومن تداعيات هذا التحول محاولة تركيا تحديد مكانتها في المعادلات والتوازنات الإقليمية بين معسكر السنة ومعسكر الشيعة، أو بين محور الاعتدال ومحور المقاومة، أو بين حلف الناتو ومنظمة شانغهاي، أو بين منظمة التعاون الإسلامي وبين إسرائيل، وبين التوجه غرباً للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، إلى التوجه شرقاً نحو الجو السلطوي لروسيا والصين، للحصول على دعم دولي لنظام سلطوي جديد؟ مثال آخر لوضع متبدل وقريب في السياسة الخارجية التركية هو التخلي عن ادعاء رفع الحصار عن غزة، مقابل تقديم بعض المساعدات من البوابة الإسرائيلية، ويبقى السؤال اليوم هل ستشهد تركيا مزيداً من التغيير في سياستها بعد خروج نتائج الاستفتاء، والذي يتوقع له الموافقة على التعديلات الدستورية، بما يحول تركيا إلى اتخاذ نمط جديد من السياسة الخارجية ستكون تحت عنوان: ميلاد ديكتاتورية سلطوية جديدة يقودها "أردوغان".