تاريخ النشر: 2023-04-24 | 17:59
تاريخ النشر: 2023-04-24 | 17:59
بيد تمسك أطراف آسيا وبالأخرى بدايات أوربا، لها من آسيا تاريخ حضاري يضرب عميقا يجعلها بدايات الشرق، ولها من أوربا حيوية وجدية تفتح الباب واسعا على المدنية، تغرب أحيانا فنظنها ركبت سفينة الصليبيين، وتشرق حينا فنظنها تحرك مفاتيح القدس.. تتكئ على تاريخ إمبراطوري ظلت فيه إسطمبول دوما تناطح السحاب، ولطالما كان إشعاعها يشد إليها بلادا من آسيا وأوربا فتكون هي العاصمة الكبرى.. مسافة لا تقاس فقط بفارق الزمن بين السلطان عبدالحميد وطيب رجب أردوغان الذي يراه البعض أداة للحلف الأطلسي لتخريب الأمة وتدمير كياناتها ويراه البعض بداية استعادة الخلافة والهوية ونهضة الإسلام ووحدة المسلمين.. في المساحة بين الرؤيتين صراع ودم.. نريد أن نقرأ المشهد من خارج رؤية المستقطبين.
في تركيا حرب هوية:
فهل يتكرر مصير عدنان مندرايس ويكون مصير اردوغان المشنقة التي يلوح بها الاقصائيون؟ هذا ما يكرره غلاة العلمانية في حين يعلن انصار اردوغان انهم لن يتخلوا عنه كما تخلوا عن السلطان عبدالحميد.. مما يعطي الصراع الثقافي بعدا تاريخيا وحضاريا وسياسيا وهنا تبدو صعوبة المعركة وقوة تأثير نتائجها على اتجاه تركيا والمنطقة.
في حمى التحضير للانتخابات الرئاسية تخرج تركيا ما في احشائها ورؤوس ابنائها من اعتقادات واراء وما تسرب الى الاذهان من اختراقات وترسبات.. وما استقر فيها من انتماء حضاري وهوية ثقافية لتكون معركة حقيقية ولكنها حتى الان سلمية وديمقراطية في ظاهرها حتى الان على الاقل.
معركة حامية الوطيس لم تشهد تركيا مثيلا لها منذ قرن من الزمان والعالم يراقب ويضع السناريوهات والخطط للتعامل مع تركيا الجديدة.. تركيا الان في البرزخ فهي اما تولد من جديد وتطوي واقع قرن بكامله واما ان ترتكس في ما هو اسوا من أي مرحلة سبقت.
لقد تغولت العلمانية وتوحشت في بلد ينتمي الى هوية حضارية اسلامية .. فلم تكتف العلمانية بعدم تدخل الدين في السياسة بل اقتحمت على الدين مسلماته ومعاقله تريد تثبيت القران بالتركية ومنع الاذان بالعربية ومنع دخول المتحجبات الجامعات والمدارس وتكريس النظام الراسمالي الربوي وشطب التاريخ العثماني ورفض الصلة بالعرب وسواهم ممن يشتركون معهم في تاريخ حضاري.. علمانية متوحشة مستفزة ضد شعائر الدين والمتدينين يطال رموز الاسلام وعناوينه
على الطرف الاخر تتحالف مجموعة احزاب مع حزب اردوغان وتصعد من مطالبها بالتصدي للعلمانية وثقافتها والمطالبة بتكريس شعائر الانتماء الحضاري الخاص بالشعب التركي
واضح جدا ان نتائج الانتخابات ستاتي بتحولات كبيرة في تركيا..
كما ان الصراع الحاد في الشارع التركي يكشف الى اي مدى تبدو تعقيدات الوضع السياسي والثقافي في تركيا وسيكون مهما ومثيرا وخطيرا في تشكيل توجهات المنطقة وسياساتها.
البعد الجيواستراتيجي:
الموقع الإستراتيجي لتركيا أخذ تميزه خلال خمسة قرون الأخيرة على الأقل حيث كانت إسطمبول أهم العواصم العالمية والتي حجز السير في فلكها كثير من الأقطار في آسيا وإفريقيا وأوربا ضمن الامتداد العثماني رضا أو غصبا، وكانت طيلة قرون تعتبر لدى الغربيين إمبراطورية المسلمين وموحدتهم والمدافعة عنهم.. ولهذا جاءت الحرب العالمية الأولى لتكسيرها وتوزيع ممالكها على الغرب فكانت أسوأ النتائج: تنفيذ مخطط “سايكس بيكو”، وتنفيذ وعد “بلفور”، وعلمنة تركيا وتغيير دستورها ووجهتها بالقوة الخارجية الغاشمة.. يتميز هذا الموقع كممر بحري يخترق البحر الأسود وبحر القوقاز والبحر المتوسط.. ومن هنا يأتي النظر إلى دورها المحوري في الحزام الممتد من وسط أوروبا حتى تخوم الهند و روسيا وهي باعتبارها ممرا احتياطيا لإمدادات النفط والغاز من دول آسيا الوسطي لأوروبا بخط (جيهان – باكو) تعتبر بديلا عن الخط الروسي الممتد عبر أوكرانيا.. كما أنها كانت يمكن ان تكون ممرا للغاز القطري نحو أوربا الأمر الذي قد يلحق خسارة عظمى بالاقتصاد الروسي ولعل هذا أحد أسباب الأزمة السورية الرئيسية.. هذا البعد الجيواستراتيجي لتركيا أعطاها ميزة تنافسية عالية في علاقاتها الإقليمية والدولية.
التطور الاقتصادي:
قفزت حكومة العدالة والتنمية برئاسة أردوغان بترتيب البلاد من المرتبة 111 إلى المرتبة 13 اقتصاديا على مستوى العالم بالنظر إلى الناتج المَحلّي الإجماليّ حيث بلغت قيمته نحو 2,186 تريليون دولار في عام 2017م.. وقد تخطى حجم الاستثمارات الأجنبية في تركيا 201 مليار دولار خلال السنوات الـ16 الماضية، وبلغت الصادرات 168.1 مليار دولار حسب إحصائيات 2019..وتطمح تركيا الدخول إلى نادي العشرة الكبار وفقا لرؤية 2023 التي توافق احتفالات الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية، حيث ستتخلص تركيا من جملة قيود تمس سيادتها في عناصر أساسية كتحالفاتها ودستورها واستخراج ثرواتها فرضت عليها من قبل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، تتحرك تركيا مستهدفه رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من تريليوني دولار، وأن يتمكن التركي من الذهاب إلى 197 دولة بدون تأشيرة، وأن يرتفع معدل دخل الفرد إلى 30 ألف دولار سنوياً.. ، هذا وقد حققت البلاد نجاحاً مهماً من خلال تخفيض عجز التجارة الخارجية إلى 55 مليار دولار”.
ومن أبرز العوامل الرئيسية التي تساهم في تحقيق حلم تركيا 2023، تدشين مجموعة من المشاريع الكبرى، بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، أبرزها (مطار إسطنبول الثالث، قناة إسطنبول، الجزر الصناعية، محطة أق قويو النووية، المدن الذكية).. هذا بالإضافة إلى شبكة السياحة واسعة الانتشار في التراب التركي.
العلاقة مع الأمريكان:
بالنظر إلى منعطف العلاقة الأمريكية التركية نرى أنه هو المجال الذي سمح لتركيا ان تتحرر قليلا من القيود المفروضة عليها، ولكن هذه العلاقة لم تتم بدون ثمن بل لعل الثمن كان باهضا.. بدأت العلاقة بعد الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة بارتباط تركيا بالولايات المتحدة عام 1947 للتصدي لتهديدات الاتحاد السوفيتي خلال العقود الأربعة التالية.وانضمت تركيا إلى الناتو عام 1952، وبموجب تلك العلاقة تعززت علاقة تركيا بالكيان الصهيوني واستضافت تركيا قاعدة “إنجرليك” الجوية للقوات الجوية الأمريكية، التي كان لها دور فاعل أثناء الحرب الباردة وكذلك حرب الخليج ومؤخرا الحرب على العراق.
وبعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، زادت أهمية تركيا فيما عُرف بـ”الحرب علي الإرهاب” حيث وضعت تركيا فورا أراضيها ومجالها الجوي تحت تصرف القوات الأمريكية.. في مقابل ذلك كانت الإدارات الأمريكية تؤيد الموقف التركي ضد الانفصاليين الأكراد وتعتبرهم إرهابا.. ويعتبر هذا محددا استراتيجيا في التفاهمات الأمريكية التركية.. كما إن أمريكا كانت دوما تدعم السعي التركي للانضمام إلى الاتحاد الأوربي.
وكانت مرحلة أوباما مرحلة مثالية للعلاقة الإستراتيجية بين الإدارة الأمريكية والحكومة التركية حيث تمت تفاهمات عميقة بخصوص المنطقة العربية و تقديم نماذج حكم في المنطقة تضمن الاستقرار وبعيدا عن “التطرف القومي والإسلامي والوطني” وكانت علاقة الحكومة التركية المتينة بالتيار الإسلامي السني العربي"الاخوان المسلمين" هي مفتاح التطور الكبير في العلاقة الإستراتيجية الأمريكية التركية هذا في الوقت نفسه الذي كان أوباما يجري مفاوضات وتفاهمات عميقة مع الإيرانيين حول الملف النووي وحجم دور إيران في المنطقة.. وذلك لخلق توازن إستراتيجي بين تركيا وإيران في ظل حالة الفراغ التي خلّفها سقوط نظام صدام حسين والفراغ العربي الرهيب.
إلا أن العلاقة بأمريكا لاسيما في مرحلة ترمب شهدت توترات من حين إلى آخر بدأت بممارسة الضغوط في باب الاقتراض التركي من الخزينة الأمريكية وقيمة الفائدة لكبح تركيا عن نشاط تراه من حقها في شرق المتوسط ضد سفن التنقيب ووصلت إلى تهديدات ترمب لتركيا بإسقاط اقتصادها.. وفعلا قد أوعز إلى أصدقائه من الحكومات بسحب الودائع وإغراق الليرة التركية مما تسبب بخسارات كبيرة للاقتصاد التركي قبل أن يتعافى.
إلا أن تركيا ظلت تمتلك القدرة الفائقة علي تقديم نفسها للولايات المتحدة باعتبارها الشريك الأمثل الذي يمكن الاعتماد عليه في منطقة بالغة الأهمية بالنسبة لها، لذا فقد أصبحت أنقرة في شراكة إستراتيجية طويلة المدى الأمر الذي سمح لها باللعب في المربعات الدولية الخطرة انتقالا من واشنطن وطائرات F35 عندما تلكأت أمريكا عن تنفيذ الاتفاق إلى موسكو وشبكة صواريخ S400 والإسهام في صناعتها ودون خسارة كبيرة في علاقتها بالأمريكان، مما يعني أن الأتراك يدركون أهميتهم عند الآخرين فيلعبون بقدر المستطاع في كل المساحة المتاحة لهم.
العلاقة التركية العربية:
بدأ مشروع العدالة والتنمية بخطة صفر مشكلات مع الإقليم إلا انه انتهى بمشكلات مع الإقليم العربي برمته مع مصر والسعودية وسورية والعراق.. وكما خدعت أمريكا إيران فأفشلت الاتفاق النووي وأعادت إيران إلى نقطة الصفر وها هي إيران تكابد الحصار الرهيب و فشل حلفائها في العراق الأمر الذي يهدد مصالحها و نفوذها في أكبر منجزاتها الإستراتيجية، كذلك تخلت أمريكا عن التزاماتها مع تركيا في مشروع الربيع العربي و تركتها في مواجهة تداعيات فشل الربيع العربي وفشل التيار الإسلامي في الوصول إلى الحكم والدخول في الفوضى الخلاقة وهي المقصود الامريكي من الربيع العربي مما عاد على تركيا بعداوات وصراعات حادة في المنطقة..
بعد أن فشلت في تغيير الوضع السياسي وجدت تركيا نفسها في مواجهة عسكرية في شمال العراق وفي شمال سورية لإيقاف تمدد التمرد الكردي، وحاولت التموقع في ليبيا والسودان وقطر ولكن هذه المحاولة التعويضية لن تفيد تركيا استراتيجيا بشيء.
وقد تبدو تحركات خارجيتها نحو ترميم العلاقات مع مصر والسعودية والامارات محاولة للخروج من تداعيات النتائج الوخيمة جراء تدخلاتها السافرة في الشان العربي الداخلي لاسيما في سورية.. ولعل تركيا تجد في الاستقبال العربي لها فرصة حاسمة في مرحلة تضعف فيها قبضة الامريكان على المنطقة.
تواجه الحكومة التركية التحديات الداخلية فيما يحسب لها ترسيخ الديمقراطية وإبعاد شبح الانقلابات وإطلاق التنمية بوتيرة تصاعدية أفشلت المخططات الأمريكية لضرب الاقتصاد التركي ولو مرحليا. و تقدم الحكومة التركية نفسها زعيمة للعالم الإسلامي السني في مواجهة ما تحاوله إيران من تكتيل للمسلمين الشيعة، ورغم أنهما تتصادمان بقوة في أكثر من ساحة لاسيما سورية والعراق إلا أنهما حرصتا على استمرار علاقات تجارية واسعة بينهما..
لقد كان دعم تركيا للمعارضة المسلحة في سورية تورطا في خطأ كبير تسبب في هجرة 7 ملايين سوري سني، كما أنها فقدت المبادرة في أن تكون عامل وسيط ينقذ الإسلاميين من مأساتهم وغبائهم السياسي ويحافظ على علاقات مع مصر يحتاجها البلدان الكبيران فلقد ذهبت الخصومة بعيدا بينهما.. كما أن التصعيد مع السعودية أفقد تركيا مجالات من الحركة في المنطقة العربية.. و المحصلة: أن الحكومة التركية تجد نفسها في عداوات وتوجس من الدول العربية مشرقا ومغربا.. هنا ليس مجال للحديث عن المبادئ إنما عن السياسة البراغماتية للدولة والتي تعتمدها تركيا.
وفي الشأن الفلسطيني صحيح أن هناك حميمية في التعامل مع الفلسطينيين وهو أمر غير مسبوق من أي حكومة تركية سابقة وهو جسر عبور لمحبة العرب ولكن المطلوب أكثر بكثير من أجل فلسطين والقدس ووحدة الفعل الفلسطيني وهو لا يتأتى إلا بعلاقات تركية عربية تكون الأساس لموقف إسلامي فاعل.. ولعل وضع تركيا المثقلة بارث الماضي يحول بينها واتخاذ موقف جذري من القضية الفلسطينية ولكن هذا لا يبرر الاستمرار في التمكين لاواصر قوية مع الكيان الصهيوني.
كلمة استنتاجية:
صحيح إن الدولة التركية ذات علاقة متعددة الأشكال مع الكيان الصهيوني و علاقة إستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن هذا ليس بضامن استمرار استقرار تركيا، ففي لحظة ما يمكن ان تصنع أمريكا تعقيدات لتركيا كما جربت أحيانا، ويجب الانتباه إلى أن الاقتصاد التركي قد تطور في ظل رضا أمريكي، فهو لهذا يظل تحت طائلة التهديد الأمريكي، ومن هنا فإن تركيا والعرب بحاجة لعلاقات متينة و عميقة تكافؤية تتجاوز المصلحة الآنية والجزئية ليس فقط بدافع أخلاقي وتاريخي وهو أمر مهم وإنما أيضا بدافع الأمن القومي العربي والتركي والمصلحة الحقيقية للعرب والترك ولمستقبل الأمة.. فكما أن العرب يحتاجون قوة تركيا في تبادل تجاري ومواقف سياسية فإن تركيا تحتاج بلا شك العرب لثرواتهم وموقعهم و ليس من الحكمة أن يغريها غيابهم الراهن عن مسرح الأحداث لأنها كما إيران ستخسر التعاطف العربي، ولن يقبل العرب بأن تصبح بلدانهم مجال تنافس للنفوذ الإيراني التركي.. هذه حسابات دقيقة، يجب الانتباه إليها من أجل مستقبل أمتنا.
لهذا كله فان الصراع المحتدم حول الهوية والانتماء الثقافي ينطلق من هذا جميعه، وسيجد اردوغان في الامتداد العربي والاسلامي قوة حقيقية لتركيا التي تختار انتماءه االتاريخي وهذا اهم ضمانات المستقبل التركي في حين يقع العلمانيون الاقصائيون في خلل استراتيجي ومنهجي عندما يحاولون قطع تواصل تركيا مع الوطن العربي والعالم الاسلامي.. ومن هنا يبقى على اردوغان وهو سياسي برغماتي ان يدفع ثمن كبير من اجل علاقة مفيدة مع العرب في قضايا تمس وجدانهم على راسها قضية فلسطين و ايقاف التنسيق والتعاون الاستراتيجي مع العدو الصهيوني.