تاريخ النشر: 2016-03-01 | 10:47
تاريخ النشر: 2016-03-01 | 10:47
أمد / غزة -اسلام الاسطل : قتلت والدتها ثم أدعت انتحارها ، وأخرى استدرجت زوجها الى منطقة نائية وطعنته حتى الموت ، ثم تباكت على اختفائه بضعة أيام قبل العثور على جثته واكتشاف الجريمة ، وآخر وجد قتيلا في منزله الريفي وسط قطاع غزة بعد إصابته بعدة رصاصات مجهولة المصدر ، ثلاث جرائم قتل فجع بها المجتمع الغزي خلال أقل من شهر ،مع تزايد ملحوظ في محاولات وحالات الانتحار التي تزامنت وجرائم القتل هذه .
اذ عثر على الشاب حمادة كوارع 18 عاما مشنوقا في أحد الدفيئات الزراعية في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة ، وكتب بجانبه " حمادة مات ، فيما أكد مقربون منه انه لم تبدو عليه أي مؤشرات تدل على أن موته جاء على خلفية الانتحار.
موت حمادة بهذه الطريقة جاء بعد أقل من 24 ساعة على حادثة مطابقة تماما وسط قطاع غزة ، حيث وجد مواطن مشنوقا داخل دفيئة زراعية يعمل بها ، ورغم ان القضايا من هذا النوع يتم طي ملفاتها على انها حادثة انتحار الا ان الشكوك بإمكانية وجود شبهة جنائية في الحادثة تبقى موجودة .
وكان المرصد “الأورومتوسطي” لحقوق الإنسان، كشف مؤخراً أن نحو 55% من سكان قطاع غزة البالغ 1.95 مليون نسمة، يعانون من الاكتئاب وأمراض نفسية أخرى، فيما يحتاج أكثر من نصف أطفال القطاع لدعم نفسي.
وقد شهد العام 2016 منذ بدايته تزايد في محاولات الانتحار في اوساط الشباب من كلا الجنسين باستخدام المبيدات الزراعية السامة ، او الشنق ، قطع شرايين اليد ، والحرق والسقوط من علو ،
الشاب عزمي البريم 32 عاما توفي بعد أيام من إقدامه على حرق نفسه وسط الشارع بعد ان تملكته الرغبة بإنهاء حياته ، وكان قد كتب على صفحته الخاصة "الفيسبوك " عشت حياتي كلها وأنا نِفسي أنهي حياتي والآن أنا سأنهي حياتي آخر أمنياتي"
البريم الذي قرر وضع حد لمعاناته وفقره ، كان يعاني من كسور في عموده الفقري يتطلب علاجا مكثفاً الا انه لا يملك المال للعلاج على نفقته الخاصة ولا الواسطة التي تمكنه من السفر للعلاج في مستشفيات اسرائيل او الضفة الغربية "
ورغم غياب الاحصاءات الرسمية حول نسبة جرائم القتل و الانتحار في قطاع غزة بسبب محاولات التكتم عليها من قبل الجهات الرسمية الا ان الوقائع بدأت تفرض نفسها وتدفع بالمسؤولين عن حكم القطاع على تبرير هذه الحوادث واعتبارها حوادث فردية لا علاقة لها بالوضع السياسي والاقتصادي في قطاع غزة بفعل الحصار والانقسام وفق ما صرح ايمن البطنيجي المتحدث باسم شرطة حماس في قطاع غزة .
قطاع غزة بات أقرب الى الانفجار وفق ما يراه مراقبون محليون بفعل انعدام الافق ، وفقدان الثقة بالفصائل والتنظيمات، مع معاناة المواطن الغزي من مختلف الأزمات السياسية والحياتية .
يحذر المحلل السياسي د. ناجي شراب من انفجار غزة في وجه حاكميها اذا استمرت تداعيات الانقسام والحصار، وقال للمصري اليوم " غزة مقبلة على الانفجار اذا لم تتخذ الجهات المعنية إجراءات تخفف من حدة الوضع الاقتصادي والأمني وتخفف الضرائب والرسوم ، لافتا الى انسداد افق الحياة في نظر الشباب الذين يشكلون قوة الدفع الرئيسة في المجتمع الامر الذي يدفع بهم الى الانتحار وتفشي الجريمة
وتابع شراب " بالرغم من ان هذه الحالات هي فردية الا انها تعكس بيئة الاحباط وانسداد الافق وتعطي مؤشر لبيئة مضطربة تسود قطاع غزة فيما يعتبر الشباب هم الشريحة الاكثر تأثرا بها .
وقال شراب المطلوب من الجهات المعنية اتخاذ اجراءات واليات أهمها خلق فرص عمل ، لافتا ان حكم حماس غير قادر على توفير هذه الفرص في ظل استمرار الانقسام الامر الذي يتطلب كنس الانقسام ، لانه لا يمكن تحقيق أي تقدم على الصعيد الاقتصادي او الاجتماعي في ظل وجود الواقع المأزوم وقال " غزة يمكن ان تتحول الى ثكنة من التشدد والتطرف ، نتيجة للفقر الشديد والحصار الخانق والتكدس السكاني ، باستمرار حالة الشرذمة و غياب رؤية واضحة .
فيما يحمّل الكاتب والباحث مصطفى ابراهيم حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة جانباً من المسؤولية في تزايد حالات الانتحار مؤكدا ان أي قوة تسيطر على مجتمع ما تكون مسؤولة عن توفير الحد الادنى من مقومات الحياة لمواطنيها ، من عمل وحياة كريمة وعدالة اجتماعية ، وهو ما لم يتحقق لمواطني قطاع غزة ، وأكد ابراهيم ان حال التيه السياسي بلغ أشده ، والسلطات الحاكمة في قطاع غزة تعيش حالة من الإنكار في قراءة المشهد، معتبرا ان حالات الانتحار وأزمات قطاع غزة المستعصية والكارثية مؤشر أخطر في التعبير عن سوء الحال. اذا لم تدرك السلطة القائمة خطورة الامر ويرى ابراهيم ان توجيه البوصلة يبدأ بالاعتراف بالفشل الذاتي والعمل الفوري لعودة الروح والعمل الجماعي للحد من كل هذه الأزمات بعقول وقلوب مفتوحة وليس بمزيد من قمع الناس والبقاء غير ذا صلة.
وقال ابراهيم ل"لمصري اليوم "ان هذه الحوادث وان كانت فردية فإنها تعبر عن بؤس الحال والاوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعيشها الناس في قطاع غزة
مؤكدا على ان من واجب الجهات الرسمية البحث في الأسباب وليس في النتيجة وانكار الاوضاع المعيشية الصعبة فالبحث عن الحلول مهم لوضع حد لحالات الانتحار وغيرها من الحوادث التي تؤشر لسوء الحال الكارثي والازمات التي تعاني منها غزة
من جهته المحلل السياسي أكرم عطالله يرى ان حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة تحاول رسم صورة وردية بعد تسع سنوات على العزلة والحصار الذي قد يستمر ، وتابع " تتحدث حركة حماس في غزة عن الأمن والأمان متناسية أن الأمن حاصل جمع الأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي والأمن النفسي والأمن الغذائي، وهذا كله منعدم ، وشدد عطاالله ان على حماس التي تحكم غزة أن تبحث عن حلول وأن تجد مخرجاً لهذا الواقع ،وقال " حماس تعرف أكثر مما نعرف عن خفايا الأمراض الاجتماعية التي استولدها الحصار .
ويرى عطاالله ان جيل كامل يتم تدميره بفعل الحصار والانقسام ، محملا حماس التي تربعت على حكم غزة المسؤولية عن توفير حياة كريمة بعيدا عن الشعارات وقال " المطلوب تأمين لقمة العيش وفك الحصار ".
قطاع غزة بما يحتوي ويعج ، يبقى على رصيف الانتظار يرقب انفراجات كثيرة لأزمات تدمي حياة سكانه ، نتيجة تردي الخدمات الاساس فيه من علاج وكهرباء وحركة تنقل ، وتكدس العاطلين عن العمل ، وتكلس الأفق السياسي ، وغياب رؤى حلول لكثير من معاناته التي يتعايش معها المواطن مضطراً ، ويأمل أن تنزل عن ظهره وترحم صدره من بعد ضيقه ، فمساواة الحياة بالموت يكون دوماً لصالح الموت في ظل الأزمات المستدامة.