تاريخ النشر: 2015-07-10 | 21:01
تاريخ النشر: 2015-07-10 | 21:01
امد/ قلنديا ( القدس المحتلة) – أب – محمد ضراغمة: كان كل شيء اعتياديا صباح الجمعة الثالث من شهر رمضان: مصلون يتدفقون من مختلف انحاء البلاد الى الحاجز العسكري "قلنديا"، للوصول الى المسجد الأقصى، وفتية المخيم، الذي يحمل ذات الاسم ينشطون في تنظيم حركة السير التي تشهد اكتظاظا كبيرا في ايام الجمعة بفعل الاعداد الكبيرة من المصلين الذين سمح لهم هذا العام، وللمرة الاولى منذ 15 عاما، بدخول "مدينة الصلاة" دون تصاريح رسمية.
وفي دقائق قليلة تغير كل شيء، وتحول المشهد المشحون بالمشاعر الانسانية والدينية الى مشهد دامي، اذ ظهرت سيارة عسكرية اسرائيلية في المكان، وما ان اقتربت من الفتية حتى القى عليها احدهم حجرا كبيرا اخترق زجاجها الامامي، فترجل منها ضابط كبير، وفتح سلاحه الرشاش على محمد الكسبة (17 عاما) وأصابه بعيارات نارية قاتلة في الرأس والظهر.
وأثار قيام الضابط الكبير، الذي تبين فيما بعد انه قائد الجيش الاسرائيلي في الضفة الغربية العقيد اسرائيل شومير ، بإطلاق النار فورا على الجزء العلوي من جسد الفتى الصغير جدلا واسعا في اسرائيل، اذ اعتبرته بعض مؤسسات حقوق الانسان "قتلا بلا مبرر"، فيما تنطح عدد من اعضاء الحكومة اليمينية للدفاع عنه مثل وزير التربية والتعليم زعيم حزب "البيت اليهودي" نفتالي بينيت، والوزير "الليكودي" المتطرف داني دنون وزعيم المعارضة هيرتسغ وغيرهم.
وأعلن الجيش الاسرائيلي، عقب تحقيق سريع، عن دعمه للضابط اسرائيل شومير. وقال الجيش في بيان له ان شومير "استنفذ" جميع الوسائل قبل ان يطلق النار على محمد.
لكن مركز المعلومات الاسرائيلية لحقوق الانسان "بتسيلم" الذي اجرى تحقيقا في الحادث رفض نتائج تحقيق الجيش. وقالت سريت ميخائيلي الناطقة باسم المركز لوكالة أب: "هذه الحالة حساسة للغاية لان قيام الضابط الكبير بإطلاق النار دون تعرضه للخطر يرسل رسالة لجنوده مفادها انه يمكنهم اطلاق النار على راشقي الحجارة بهدف القتل حتى لو لم تتعرض حياتهم للخطر".
وقال شهود عيان تواجدوا في الموقع ان لحظة اطلاق النار خلت من اي عنف او خطر. وقال هارون الحزين (17 عاما)، صديق محمد الذي رافقه منذ الفجر، حيث أديا ،معا، الصلاة في مسجد المخيم قبل ان يتوجها الى الحاجز العسكري عند الخامسة صباحا للمساعدة في تنظيم حركة السير: "توقفت السيارة، وهي جيب من نوع متسوبيشي، وخرج منها ضابط متوسط الطول، سمين واشقر، وصرخ علينا بالعبرية قائلا: تعالا الى هنا، عندها فر محمد من المكان، ففتح الضابط النار عليه من سلاحه الرشاش المتوسط". واضاف: "سقط محمد على الأرض، اما انا فتجمدت مكاني ولم اتمكن من الحركة، تقدم الضابط، وركله برجله وهو يموت قائلا: انت واحد كلب، وغادر".
وتتكرر حوادث اطلاق النار التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي بصورة واسعة في الضفة الغربية التي تشهد أحيانا تظاهرات احتجاجية في مناطق الاحتكاك بين الفلسطينيين والاسرائيليين من جنود ومستوطنين مثل الحواجز العسكرية والطرق المخصصة للمستوطنين، بمحاذاة القرى المحرومة من استخدام تلك الطرق.
وشن فلسطينيون في السنة الأخيرة سلسلة هجمات وصفت بانها يائسة على اهداف اسرائيلية مثل عمليات دهس جماعي في القدس ومهاجمة مصلين في "كنيس" وخطف وقتل ثلاثة فتية من المستوطنين.
ومخيم قلنديا، 20 الف نسمة، واحدة من نقاط الاحتكاك التي تشهد مواجهات دائمة، شبه يومية، بين الفتية والجنود. وسقط منذ العام 2000 اكثر من ثلاثين فتى وشابا في مواجهات مماثلة في المخيم، واصيب العشرات، واعتقل المئات. وتعتقل السلطات الاسرائيلية حاليا 83 شابا وفتى من المخيم، غالبيتهم على خلفيه رشق الحجارة.
وقال فتية في المخيم ان سقوط احدهم لا يردعهم عن التوجه الى الحاجز العسكري ورشق الجنود بالحجارة. وقال احدهم، عرف نفسه باسمه الأول فقط عمر (17 عاما) خشية تعرضه للاعتقال: "استشهاد محمد لا يوقفنا، على العكس انه يدفعنا للانتقام". وقال رفيق ثان اسمه محمد انه اصيب ثلاثين مرة في مواجهات في المخيم، ثلاثة منها بالرصاص الحي. واضاف: "لا نخاف، سنعود دائما الى رشقهم بالحجارة، اخذوا (الاسرائيليون) ارضنا، وطرودنا منها، والقونا في مخيمات لاجئين، ولحقونا الى هنا، الى هذه المخيمات الفقيرة، فكيف سنرد عليهم".
وما زال هذا الفتى يتعافي من اصابه بعيار ناري حي تعرض له قبل ثلاثة شهور في رجله اليمنى.
وقال فارس مطير احد قادة حركة "فتح" في المخيم: "هذه معادلة صعبة، فطالما ان هناك جنود وحواجز سيكون هناك مواجهات ورشق حجارة". واضاف: "نحن ننصح الفتية والشبان الذين يهاجمون نقطة الجيش بالحجارة ان يأخذوا الحيطة والحذر، لكن لا نستطيع ان نمنعهم".
وتبدو المخيمات والقرى الفلسطينية، خاصة القريبة من نقاط الاحتكاك مع الاسرائيليين، بيئة ملائمة لمواجهات لا تتوقف بين الفتية والجنود. فغالبية السكان من الفتية والشبان العاطلين عن العمل. وتشير احصاءات اخيرة الى ان نسبة البطالة في الاراضي الفلسطينية تبلغ 27 في المئة.
وشهدت الاراضي الفلسطينية تراجعا كبيرا في حدة المواجهات مع الاسرائيليين عقب الانتفاضة الثانية، لكنها عادت مؤخرا الى الظهور، مجددا، في عدد من المواقع، بعد انهيار العملية السياسية وفقدان الأمل في الحل السياسي وتسارع الاستيطان.
وقال عمر: "صحيح لا يوجد انتفاضة في الوقت الحاضر، لكننا سنظل نهاجمهم بالحجارة الى ان تقوم الانتفاضة من جديد، احنا ما بنخاف من الموت، اللي بموت بكون شهيد".
وما ان نطلق عمر بكلمة شهيد، حتى ردد وراءه جمع من فتية تحلقوا حوله "ايوا، كلنا بدنا نصير شهدا"...