تاريخ النشر: 2026-08-30 | 23:31
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-08-30 | 23:31
عواصم: منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، دخل الشرق الأوسط مرحلة من الاضطراب المتكرر، مع موجات من ضربات الصواريخ والمسيّرات طالت قواعد عسكرية ومنشآت للطاقة ومحطات لتحلية المياه، وتسببت في تعطيل مطارات وموانئ ومصافي نفط وتهديد الملاحة في مضيق هرمز. وفي تحليل نشرته مجلة Foreign Affairs الأمريكية في 27 أغسطس 2026، ترى دينا إسفندياري وبيكا واسر وزياد داود أن الخطر الأعمق للحرب لا يكمن في حجم الدمار المادي وحده، بل في ما تتركه من تصدعات داخل النظام الإقليمي نفسه، وفي علاقة دول المنطقة بالولايات المتحدة، بما يجعل الخيارات المتاحة أمام الشرق الأوسط صعبة ومكلفة ولا يحمل أي منها حلاً مثالياً.
حرب تتجاوز حدود المواجهة مع إيران
لم تعد الحرب محصورة في المواجهة المباشرة مع إيران. فقد اتسعت رقعتها مع دخول مزيد من الفصائل الموالية لطهران، بما فيها الحوثيون في اليمن والفصائل العراقية، في دائرة التصعيد. كما تعرض ميناء مصري لهجوم بمسيّرات لم تتبنّه أي جهة، فيما حمّلت واشنطن إيران المسؤولية. ويعني هذا الاتساع أن دولاً لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب باتت تواجه آثارها الأمنية والاقتصادية، من تهديد الموانئ وخطوط الملاحة إلى اضطراب منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية.
الخليج أمام تصدعات داخلية جديدة
تُظهر الحرب تبايناً متزايداً بين دول الخليج في تقدير الخطر وفي طريقة التعامل معه. ووفق التحليل، أبدت الإمارات استياءها من فتور إدانة عُمان وقطر والسعودية للهجمات الإيرانية على بنيتها التحتية. ولا يقتصر الخلاف على الموقف من طهران، بل يمتد إلى كيفية التعامل مع إدارة أمريكية يصعب التنبؤ بخياراتها. ومع استمرار الحرب، قد تتحول هذه الاختلافات من تباينات تكتيكية إلى صدوع سياسية أوسع داخل المنظومة الخليجية.
الثقة بواشنطن تتراجع من دون بديل جاهز
أحد أبرز التحولات التي يرصدها التقرير هو تراجع الثقة الخليجية بالولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني التقليدي. فقد شنّت إدارة ترامب حربين ضد إيران رغم محاولات خليجية واسعة للحفاظ على علاقة وثيقة مع واشنطن، شملت تعهدات استثمارية ضخمة وزيادة إنتاج النفط وصفقات اقتصادية متعددة. ويخلص التحليل إلى أن دول الخليج باتت أكثر اقتناعاً بأن العلاقة مع الولايات المتحدة، على أهميتها، لا توفر ضماناً كاملاً ضد القرارات الأمريكية التي قد تعرض مصالحها المباشرة للخطر.
تنويع الشراكات: ضرورة لا تعني الاستغناء عن أمريكا
دفع هذا القلق دول المنطقة إلى تسريع تنويع علاقاتها الأمنية والسياسية.
وتشير Foreign Affairs إلى اتفاق دفاع مشترك أبرمته السعودية مع باكستان وتركيا، وإلى تزايد مشتريات السلاح من أوروبا وكوريا الجنوبية وتركيا وأوكرانيا، بالتوازي مع توسيع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الصين وروسيا. لكن هذه الحركة لا تعني ظهور بديل متكامل عن الولايات المتحدة؛ فالصين لا تبدو راغبة في تحويل ثقلها الاقتصادي إلى التزام عسكري واسع، وروسيا منشغلة بحربها، فيما تفتقر أوروبا إلى التنسيق الدفاعي الكافي.
هل يصبح الانفتاح على طهران جزءاً من الحل؟
في ظل غياب بديل أمني واضح وفشل سياسات الاحتواء في منع التصعيد، يتوقع الكتّاب أن تتجه بعض دول المنطقة، ومنها قطر والسعودية وحتى الإمارات، إلى توسيع قنوات التواصل المباشر مع إيران. وقد يقوم هذا المسار على منح طهران حصة في ترتيبات أمنية إقليمية مقابل تخفيف سلوكها التهديدي. غير أن هذا الخيار يظل سياسياً بالغ الصعوبة، ولا سيما بالنسبة إلى دول تعرضت بنيتها التحتية لهجمات إيرانية مباشرة.
الخطر الاقتصادي يهدد العقد الاجتماعي
لا تتوقف التداعيات عند الأمن. فاستمرار تهديد مضيق هرمز وهجمات الحوثيين على البحر الأحمر قد يحول تعطل صادرات النفط والغاز من أزمة مؤقتة إلى مشكلة هيكلية. وهذا السيناريو سيكون شديد الخطورة على العراق الذي يعتمد على إيرادات النفط لتمويل فاتورة أجور كبيرة، وعلى البحرين ذات عبء الدين المرتفع، كما يمكن أن يضغط حتى على دول الخليج الغنية.
فالكويت والسعودية والإمارات تمتلك صناديق ثروة سيادية تقترب أصول كل منها من تريليون دولار، لكن استمرار اضطراب صادرات الطاقة قد يضع النموذج القائم على الوظائف والخدمات العامة مقابل الاستقرار السياسي تحت ضغط متزايد.
مخزونات النفط الخارجية كأداة للتحوط
يطرح التحليل خياراً جزئياً لتقليل أثر إغلاق الممرات البحرية، يتمثل في بناء مخزونات نفطية خارج المنطقة. وتخطط الكويت، بحسب التقرير، لتخزين النفط في كوريا الجنوبية واليابان، فيما تتجه الإمارات إلى ترتيبات مماثلة في الهند. والفكرة هي ملء الخزانات عندما يكون مضيق هرمز مفتوحاً ثم السحب منها عند تعطله. إلا أن هذا الحل محدود، وقد يفتح بدوره خلافات بشأن حصص الإنتاج داخل تحالف أوبك+.
المنطقة بين القدرة على التكيف والحاجة إلى نظام جديد
يستعيد التقرير تجارب تاريخية أظهرت قدرة دول الشرق الأوسط على التكيف مع أزمات كبرى، من حرب إيران والعراق إلى غزو الكويت والحرب الأمريكية على العراق عام 2003. ويشير إلى تجربة مصر في شطب نصف ديونها العامة عام 1990، وإلى نجاح قطر في تحويل الغاز الطبيعي إلى مصدر ضخم للثروة من خلال الاستثمار الممول بالديون في تسييله وتصديره بحراً. لكن الدرس الأهم هذه المرة هو أن المرونة المالية وحدها قد لا تكفي.
الخلاصة
تكشف الحرب أن الشرق الأوسط يواجه معضلة استراتيجية مركبة: الولايات المتحدة لم تعد شريكاً يمكن الاعتماد على توقع قراراته بالكامل، لكن لا توجد قوة أخرى قادرة على الحلول محلها أمنياً؛ وتنويع الشراكات يخفف الاعتماد ولا ينهيه؛ والتقارب مع إيران قد يحد من التصعيد لكنه يفرض أثماناً سياسية وأمنية؛ أما الثروة النفطية الضخمة فتوفر هامشاً للمناورة من دون أن تضمن الحماية من اضطراب طويل الأمد. لذلك، يخلص التحليل إلى أن قدرة المنطقة على تجاوز المرحلة ستعتمد على بناء آليات جديدة لحماية الثروة، وتعزيز قدر أكبر من الاكتفاء الأمني الذاتي، وتسوية الخلافات الإقليمية التي تجعلها أكثر هشاشة أمام الحروب المقبلة.