منها بدأ أول هتاف " الشعب يريد إسقاط النظام " وفيها اجتمعت كافة القوى الوطنية والاسلامية على دستور وطني بعد ثلاث سنوات من المخاض السياسي الذى أفرز بالنهاية حكومة كفاءات مستقلة ستعيد تونس إلى قطار الدول المستقرة .
تونس الدولة العربية التى تأثرت إلى حد بعيد بالثقافة الفرانكفونية أكثر من غيرها من دول شمال أفريقيا استطاعت إقامة مجتمع مدنى حقيقى بعيداً عن الجهوية ؛ أرغم الطيف السياسي التونسى من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار على الاجماع على دستور بصيغة توفيقية ؛ آخذ في الاعتبار خصوصية الأطياف السياسية ودمجها فيه ، وتمكن من مجابهة الأخطار والمعوقات التى أحدقت بثورة الياسمين .
تونس التى عَبّد لها الحبيب بو رقيبة طريق الاستقلال بدون دماء ، وكانت الدولة العربية التى خرجت من عباءة محتلها بالمفاوضات بحنكة بورقيبة السياسية .. اليوم ها هو دستورها يخرجها مرة أخرى من عباءة الفوضى باعتمادها مبدأ الدولة المدنية وذلك بإقرار مئتى عضو من المجلس التأسيسى غالبيتهم من حركة النهضة الاسلامية .
تونس التى كانت رائدة في ثورتها كانت رائدة في استيعاب الدرس ؛ وحافظت على عدم الانجرار وراء سلسلة الاغتيالات والتظاهرات الشعبية ؛ وحافظت على الانتقال الديمقراطى بالبلاد برغم كل العراقيل التى مرت بها ، وحينما وصلت الأمور إلى زيادة الارهاب وتدنى مستوى التنمية مما أدى الى إمكانية نشوب حرب أهليه تم اعتماد التوافق السياسى بين السلطة والمعارضة لانتقال السلطة إلى حكومة مستقلة ، وربما ذلك يعود بالأساس الى اختلاف الحركة الاسلامية بتونس عن غيرها من الحركات الاسلامية في الدول العربية الأخرى ، فحركة النهضة شعرت بافتقارها للخبرة السياسية التى تمكنها من النهوض بتونس والأصوات المعتدلة في حزب النهضة ساعدت على التخلى عن الحكم والتفاوض مع المعارضة للخروج من المأزق لإنقاذ تونس .
أن تجربة تونس يجب أن تكون نموذجاً لكل الحركات الغير قادرة على إدارة دفة حكم شعوبها وتقديم مصلحة الشعب على مصلحة الحزب .. فالتصلب فى وجهات النظر والتمسك بسلطة منتهية صلاحيتها لا فائدة لها وإدخال الشعب نفق من الصعب العودة منه .. ستكون نتائج وخيمة عليها .
الفرقاء التونسيين وضعوا مصلحة تونس فوق مصالحهم وتوصلوا ضمن حوار وطنى إلى خارطة طريق تنهض بتونس وترفع رايتها .. وتعيد لتونس شبابها ونهضتها .
وفى الختام .. هل ستحذو النخب السياسية فى دول الربيع العربى حذو تونس وتزهر الديمقراطية فى أزقتها ؟