تاريخ النشر: 2021-02-08 | 19:23
تاريخ النشر: 2021-02-08 | 19:23
غزة: ألف د. إيهاب جودة أحمد طلبة، استاذ المناهج وطرق تدريس العلوم المشارك كلية التربية في جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل، ونايف بن عضيب بن فالح العصيمي العتيبي، أستاذ المناهج وطرق تدريس التربية الإسلامية المشارك في كلية التربية بجامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل كتاب حول جائحة كورونا COVID -19 ونظرية الدومينو: العالم عند الحافة "التعليم في مواجهة الأزمات".
وفيما يلي " الكتاب كما وصل "أمد للإعلام" :
مقدمة الكتاب:
مع نهاية عام 2019 وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة؛ استيقظ العالم على فيروس كورونا أو ما يعرف بـ COVID -19 تلك الجائحة التي سارت تشكل خطرا يهدد البشرية؛ وفي نفس الوقت تنخر في عظام العالم وتأكل في كل أنظمته الصحية والاقتصادية والتعليمية، تلك الأزمة التي وضعتنا في مواجهة مع الذات كدول وبشر، لتجعلنا ندرك أن مصيرنا واحد ومشترك، وأنه لا فرق بين بلدان ذات نظم صحية قوية وبلدان ذات نظم صحية ضعيفة، فالكل يعاني والكل يحارب مع الأزمة ليس من أجل ضمان وجوده فقط، ولكن من أجل ضمان وجود الآخر. فالفيروس يتجول ويجوب العالم شرقا وغربا يأكل في بنيته الأساسية، ولا يفرق بين لون وجنس أو دين أو طن. إن الأزمة خلقت روحا جديدة في العالم وهي "روح التضامن الإنساني" الذي يمثل شرطا للبقاء، بل إنه مع قليل من التأمل وإدراك فلسفة ما نحن فيه؛ فإننا ندرك أن قوة العالم الآن لا تقاس بقوة أقوى نظام صحي أو اقتصادي أو تعليمي نتواجد فيه، بل تقاس قوته بأضعف نظام صحي أو اقتصادي أو تعليمي، وهذا يجعلنا ندرك أننا كبشر أو كدول لم نخلق من أجل الصراع أو التباهي بما تملكه أية دولة من مصادر القوة والتفوق بل خلقنا من أجل أن نعيش معا ونحلم معا ونحقق معا ونبقى معا.
إن جائحة كوفيد -19 (COVID-19) جاءت ليس من جل أن تلتهم أجسادنا وأجهزتنا التنفسية ونسيجنا الرئوي وتقوض أجهزتنا المناعية بل من أجل أن تلتهم شوائب النفس وغياب ضميرنا الإنساني؛ إنها جاءت لتطهرنا إنسانيا وتزيل عنا غياهب الظلام التي سكنت العقول وأمرضت النفوس. إن جائحة كوفيد -19 (COVID -19) جاءت لتصنع منا الإرادة الحقيقية التي قبل أن نقاوم تأثيراتها الصحية، يجب أن نقاوم ما خلفته عقولنا ونفوسنا من إرث حول فكرة الذاتية والتمحور حول الذات والإحساس بالتفوق والعظمة والتباهي. إن جائحة COVID-19 يجب أن تجعلنا ندرك أن وقوع دولة أو سقوط دولة في أقصى الشرق هو بالفعل سقوط نظيرتها في أقصى الغرب، ولذلك جاء الجزء الأول من هذا الكتاب؛ والذي يحمل عنوان كوفيد -19 (COVID- 19): في عصر الأزمة؛ العالم عند الحافة COVID- 19: In an era of Crisis; the World is at the Edge، ليتناول نظرية الدومينو الذي تعرض أن تغييرا بسيطا في جانب معين من العالم يسبب تغييرا مماثلا بجواره، ويزداد ويمتد مع الانتقال في كل ما يجاوره، كتفاعل متسلسل ممتد، بل إن سلوك فيروس COVID -19 يماثل سلوك قطع الدومينو المصطفة تمامًا واحدة تلو الأخرى على الأرض، وعند سقوط إحداها يتساقط الباقي تباعًا، وهنا سيبدأ فيروس كورونا في تدمير الحواجز المختلفة التي تقف أمامه واحدًا تلو الآخر. لقد دفع الفيروس الدومينو الأول بالفعل، وتحرك الزخم في اتجاه جديد، وبدأت تحدث تغييرات متسلسلة في أنماط الحياة تزداد حدتها مع الوقت في كل نواحي الحياة، ليس على مستوى الدولة الواحدة بل علي مستوى الدول. وهذا يفسر سلوك العدوى في جائحة COVID -19 وانتقالها لدرجة تغطيتها للعالم بأكمله، مما يقوده إلى الحافة. ولذلك يتناول هذا الفصل تأثيرات أزمة COVID -19 على التعليم من حيث المدارس والعائلات والتقييمات والخريجين، وأهم التحديات العامة التي تواجهها الدول المصابة بفيروس كورونا التاجي في التعليم فيما يتعلق بالبنية التحتية وجودة التدريس، والوصول العادل للطلاب المحرومين، والتأثيرات الاجتماعية والضغوط المالية الواقعة على الأسر الفقيرة. فيطرح الفصل الأول قضية هامة تتعلق بقدرة التعليم على مقاومة السقوط للعالم بفعل التأثيرات سريعة الانتشار للفيروس وفقا لنظرية الدومينو، وذلك عبر تناول نوعين من المفاهيم يرتبطان بالتعليم وهما تعليم التبصرForesight Education الذي يعزز من مبدأ أن المستقبل مفتوح يمكن التجول فيه بحرية وبناء عوالم أكثر رخاء؛ وهو نوع من التعليم يحمينا من لحظات الضعف الإنساني في ظل جائحة COVID -19، ويرسخ من العزيمة والإصرار وروح التحدي لأن نواجه ونبقى من أجل الوصول إلى مستقبل إنساني واحد مشترك، والتعليم الملهم Inspiring Education الذي يطلق الفضاء العقلي الإنساني لأن يبني الخبرات والأفكار والمهارات، وأن يكتشف ويستقصي ويجرب ويعيد صياغة الواقع والمستقبل وذلك عبر موضوعات تعلم متعددة التخصصات، فالتعليم الملهم سيظل هو المحرك لإنسانيتنا والمعزز لبذور الفكر والخبرات والتفسيرات والفهم لكي تنضج لتواجه كل الأزمات الإنسانية.
بينما جاء الجزء الثاني من الكتاب ليتناول نظريات السلوك الإنساني في الأزمة Theories of Human Behavior in the Crisis، ومنها نظرية نموذج السلوك المخطط في مواجهة سلوك القطيع وتفسير سلوك التخزين الغذائي أثناء جائحة (COVID-19)، والنظرية الموسعة للسلوك المخطط في تفسير سلوك التخزين الغذائي أثناء جائحة (COVID -19)، وبناء نموذج شامل لنظرية السلوك المخطط لتفسير سلوك الفرد أثناء جائحة (COVID-19) وهذه النماذج الثلاثة ركزت على السلوك البشري المتعلق بالشراء والتخزين للمواد الغذائية أثناء الأزمة، وأن السلوك البشري يتوقف على عدد من المتغيرات كالاتجاهات، والمعايير الذاتية، والتحكم السلوكي المدرك والخبرات السابقة والتنظيم الذاتي واليقظة العقلية والفضول والاستقلالية، وإعادة تشكيل المجتمع؛ والتي تتيح لنا فهم نوايا الشراء لدى الأفراد بداخل الدول التي تواجه اقتصادا غير مستقر بفعل الأزمة، وفي الحقيقة تؤكد هذه النظريات على أنه لا يمكن الفصل بين السلوك وما يدركه أو يحسه الفرد، أو بين ما يجرى في عقله وبين الدوافع الداخلية والنتائج المترتبة على السلوك. كما يتناول الجزء الثاني النظريات التي تناولت تفسير السلوك الإنساني في قبول التكنولوجيا واستخدامها في عصر الأزمة (COVID-19)، مثل نموذج قبول التكنولوجيا وتفسير سلوك الاستخدام، ونموذج قبول التكنولوجيا المضاف إليه الخصوصية السياقية، وهما يتناولان كيف أن عملية التحول في الأنظمة التعليمية في ظل جائحة COVID -19 إلى استخدام الأدوات التكنولوجيا ومنصات التعلم الإلكترونية والتعليم والتعلم عن بعد ليست عملية ميكانيكية؛ بل هي عملية إنسانية بالدرجة الأولي، وبعدها الإنساني قد يفرز بعض السلوكيات والمقاومة والممانعة والقبول وعدم القبول سواء من جانب المعلم أو المتعلم، ولذلك جاءت هذه النماذج لتكشف سلوك كل أطراف العملية التدريسية المتعلقة باستخدام الأدوات التكنولوجية، وعن العوامل التي تكمن خلف هذا السلوك، وفهم مبررات إصدار السلوك على نحو محدد، وهذه هي النقطة الأهم في العملية التدريسية والتي في ضوئها يتم اتخاذ القرار بشأن التحول إلى النظام التقني في التدريس أو اتخاذ قرار بشأن تذليل كل الصعاب التي تحول دون حدوث هذا التحول، ومعرفة العوامل المؤثرة فيه مثل الفائدة المدركة، وسهولة الاستخدام المدركة، والاتجاه، والنية السلوكية، وعمليات التأثير الاجتماعي، والخبرة السابقة، وجودة النظام، والدعم التنظيمي، وقلق الكمبيوتر، وبنية المهمة، وغيرها. وأخيرا يتناول هذا الجزء النظريات التي تناولت تفسير السلوك الصحي للإنسان في عصر الأزمة (COVID-19) وذلك من حيث العوامل أو المتغيرات التي تؤثر في السلوك الصحي للإنسان مثل الاتجاهات الشخصية، والمعايير الذاتية، والتحكم، والعادة، والوعي، والمهارة والتي تعزز من النية السلوكية في ممارسة السلوك الصحي السليم، وتأتي نظرية الأداء المنطقي أو المبرر وتفسير السلوك الصحي أثناء جائحة (COVID -19)، ونظرية السلوك المتكامل وتفسير السلوك الصحي أثناء جائحة (COVID -19)، ونموذج المعتقدات الصحية وتفسير السلوك الصحي أثناء جائحة (COVID -19) التي تمكننا من فهم السلوك الصحي السليم في وقت الأزمات وكيف نبني بوعي برامج التربية الصحية لتحفيز ودفع الفرد إلى تحمل المسؤولية المتعلقة بالصحة الشخصية وتحقيق السلوك الصحي الملتزم، وتطويق الأضرار والأخطار والسلوكيات المهددة للسلامة الصحية للمجتمع وبقائه.
بينما يتناول الجزء الثالث من الكتاب؛ التعليم في عصر الأزمات Education in an Era of Crises، مجموعة من الأفكار الرئيسة والتي ترى أن التعليم هو الحياة نفسها، وهو القادر على تغيير مسار الحياة في ظل الأزمات، ويعمل كصيانه للروح الإنسانية وإبراز تماسكها ووحدتها في الأزمات السياسية والاقتصادية والبيئية، والصحية، إنه يفرض حقيقة واحدة وهي أن الدول التي تعاني من الاضطراب وفقد الاتزان ليس لديها ملجأ سوي اللجوء إلى التعليم كطوق نجاة (إنه يعمل كسفينة نوح). فالتعليم يعزز من رؤية الأزمة من الجانب النمائي باعتباره فرصة لتحقيق النمو والاستثمار الاجتماعي والاستقرار وبناء الدولة، كما ينظر إلي الأزمة من الجانب الإنساني باعتباره محققا للأمن الإنساني وصيانة النفس والوقاية من الإصابة بالأمراض، وخلق الثقافة الصحية السليمة لتصبح سلوكا ممارسا لدى الأفراد. كما يعزز من رؤية الأزمة من منظور حقوقي؛ فهو حق من حقوق الأنسان؛ إنه جوهر الحياة. فالتعليم- حتى في أوقات الأزمات- يعزز من مبدأ تعلم العيش معًا، وأنه يجب متاحا للجميع، فلا يمكن أن تستقيم الحياة في مجتمع لا يتساوى أفراده في تلقي الخدمة التعليمية، وفي درجة الاستمتاع بها، أيضا على المستوى الإنساني العالمي لا يمكن أن تستقيم الحياة في العالم لو حدثت الفجوة الهائلة من التعليم بين الدول، لأنه سرعان ما تنتقل الأفكار والمفاهيم الخاطئة والانحرافات السلوكية التي تغرس في نفوس أفراد دولة ما تعاني اضطرابا إلى دول أخرى تعاني من حالة الاستقرار مما يحولها إلى دول غير مستقرة. فالنظم التعليمية إما أن تكون قوة مؤثرة في بناء الضمير الإنساني وصنع السلام ودرء النزعات، وأما أن تكون وسيلة لتغذية العنف والانحراف السلوكي؛ لأن فشل النظام التعليم عن أداء دوره ينشئ مجتمعات جاهلة تحول خلافاتها إلى حروب. فالنظم التعليمية إما أن تكون قوة مؤثرة في بناء الضمير الإنساني وصنع السلام ودرء النزعات، وأما أن تكون وسيلة لتغذية العنف والانحراف السلوكي وتحويل العالم إلى منطقة صراعات حروب وبؤر للعنف والعنصرية. ويتناول هذا الجزء التعليم وإدارة أزمة فيروس كورونا COVID -19، والتعليم في عصر الأزمة ، وفي الحقيقة فإن فيروس "كورونا" الذي تطور وارتقى بنفسه وتحول من شبح يلوح في الأفق إلى واقع يفرض نفسه على الكوكب وضع أنظمة التعليم في العالم كله في خط المواجهة معه، إن فيروس كورونا (COVID_19) يختبر التعليم في العالم؛ إنه تقييم حقيقي لقوة وقدرة النظام على المواجهة واختزال التأثيرات المحتملة للفيروس، ودعم وتعزيز مهارات التأقلم، وغرس الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية، أم أنه قد كشف لنا أن التعليم نفسه يمتلك أزمة حقيقية، وأخيرا يتناول الجزء الثالث عدة قضايا حرجة وهي أن أزمة التعليم هي أزمة تعلم، وأن أزمة التعليم هي أزمة منهج، وأن أزمة التعليم هي أزمة تدريس.
وفي النهاية يتناول الجزء الرابع من الكتاب نموذج التعلم عبر الإنترنت Computer Mediated Communication (CMC) Model وتشكيل التعلم الفعال ومجتمع الاستقصاء (الوجود المعرفي والوجود الاجتماعي والوجود التدريسي)، والانتقال نحو عالم ما بعد COVID -19. لقد كان لفيروس كورونا Covid-19 تأثيرا على التعليم العالي والتحول المفاجئ إلى التعلم عن بعد، والذي فرض تحديات في البنية التحتية التقنية، وفي أدوات الدعم التي يجب استخدامها في التعلم عن بعد، وفي أدوات إدارة التعلم الرقمي لأجهزة الكمبيوتر واستيعاب تربويات التدريس عبر الإنترنت Assimilating Online Teaching Pedagogies، وكيفية تنظيم وإدارة الاختبارات وتقييمات الطلاب من بعد، ومن ثم فإنه من الأهمية أن تتبنى الآن الجامعات وفي ظل أزمة COVID -19 على وجه الخصوص نموذج التعلم عبر الإنترنت. ويسعي هذا الفصل إلى توضيح الأسس النظرية والتجريبية لنموذج التعلم عبر الإنترنت، ونموذج التعلم عبر الإنترنت والتعلم الفعال، ونموذج التعلم عبر الإنترنت ومجتمع الاستقصاء، ونموذج التعلم عبر الإنترنت وأنماط التفاعلات الحادثة داخل مجتمع الاستقصاء، ونموذج التعلم عبر الإنترنت وتنمية وإدارة العواطف.
عامة يتضمن هذا الكتاب جملة من الموضوعات والأفكار والأبحاث المقترحة التي تولدت حول جائحة (COVID -19) حول عالمنا ومستقبلنا الإنساني، وإنسانيتنا، وحول التعليم الذي يجب أن يحقق التطور الواعي لطبيعتنا البشرية، ويفتح عقولنا ويجعلنا نعيد النظر في داخلنا لنتحرر من الخوف المرتبط ببقائنا أثناء الأزمات لنواجه مصيرنا بقوة وإصرار، وأن يمنحنا القوة لإجراء تغييرات مذهلة في حياتنا ولنمنع عالمنا من الوصول إلى الحافة. وفي النهاية يجب أن ندرك أنه في ظل الأزمة لكي نبقى يجب أن يكون لدينا نظاما تعليميا قويا ينشد محو فردية الكائن البشري.