تخرج علينا البيانات وتتعالى التصريحات المتبجحة بـ "الجاهزية التامة" لخوض الاستحقاقات الانتخابية، وكأن الشارع ذاكرة مفرغة لا تحمل مرارة السنين، أو كأن الجماهير مجرد أرقام تُساق إلى الصناديق فور صدور التعليمات. لكن الحقيقة الساطعة التي يحاول البعض التغاضي عنها هي أن الجاهزية لا تُبنى بقرارات الفنادق، ولا بخطابات المهرجانات، بل تترسخ أولاً وأخيراً حين تُعاد الحقوق المسلوبة إلى أصحابها، وحين يشعر المواطن والكادر أن كرامته ليست موضوعاً للمساومة ولا كرتًا محروقًا في لعبة السياسة.
كيف يستقيم الحديث عن الديمقراطية والبناء التنظيمي بينما يُترك آلاف الشبان من أبناء تفريغات 2005 معلقين في مهب الريح منذ قرابة عشرين عاماً؟ أي منطق هذا الذي يحرم جيلاً كاملاً من أمنه الوظيفي والمالي؟ وكيف يُطلب من الموظف أن يندفع بكل إيمانه خلف الشعار التنظيمي وهو يكتوي يومياً بنار التقاعد المالي القسري، ذلك المفهوم المشوه الذي جُرّد من خلاله أبناء قطاع غزة من أبسط حقوقهم المعيشية، ليتحول الصمود إلى تهمة، والتضحية إلى سبب للإقصاء والتهميش؟
إن المساس بلقمة العيش عبر سيف القطع الكيدي للرواتب لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان ضربة في صلب الانتماء. والأقسى والأمرّ من ذلك كله هو الاقتراب من خطوط شعبنا الحمراء: مستحقات أسر الشهداء، والجرحى، والأسرى. هؤلاء الذين صانوا بدمائهم وأعمارهم الهوية الوطنية، كيف يُعقل أن تظل ملفاتهم خاضعة للتسويف والمساومات، أو أن يُترك ذووهم في مواجهة غلاء الحياة وعسف القرارات المالية؟
إن الحركة بتاريخها وشهدائها وأسراها ليست مجرد هيكل تُطلب منه التجييش في المواسم؛ هي الجماهير الحيّة التي قاومت وضحت. وحين تُفصل قيادة القرار عن وجع القواعد، وحين تُرحّل ملفات قطاع غزة المعلقة من اجتماع إلى آخر دون حل جذري، فإن الجاهزية المعلنة تظل وهمًا لا يصمد أمام أول اختبار حقيقي. إن الاستهانة بأوجاع الناس وغض البصر عن المظالم المتراكمة لن ينشئ إلا حالة من الاغتراب والغضب الساطع.
كفّوا عن بيع الوهم، وأغلقوا كتاب الوعود المؤجلة. إن كانت هناك إرادة صادقة للانتصار ولإعادة الاعتبار للمشروع الوطني، فالطريق واضح لا يحتمل التأويل: إقرار حقوق تفريغات 2005 كاملة غير منقوصة، إلغاء التقاعد المالي القسري فوراً، إعادة الرواتب المقطوعة لكل مظلوم، وصون كرامة عائلات الشهداء والأسرى والجرحى بقرارات نافذة لا ريب فيها. بغير هذا الإنصاف الكامل، ستظل كل أحاديث الجاهزية مجرد صدى في وادٍ عميق، فلن يدفع أحدٌ فاتورة الانتخابات من كرامته وقوته وقوت أطفاله بعد اليوم.
كيف لحركة فتح جاهزة الي الانتخابات وهناك قضية علقة منذ سنوات
يمثل القول بـ "جاهزية حركة فتح للانتخابات" في ظل بقاء ملفات غزة المعلقة دون حل جذري تناقضاً هيكلياً بين الجاهزية الإدارية المعلنة من القيادة والجاهزية الواقعية على الأرض.
تتأرجح هذه القناعة لدى الكوادر والقواعد الشعبية في قطاع غزة بناءً على عدة عوامل رئيسية:
1. الانفصال بين الإعداد التنظيمي والواقع الاجتماعي
تعتمد تصريحات الجاهزية الرسمية عادةً على استكمال تشكيل اللجان التنظيمية، وحصر أعداد الناخبين، وتحديد القوائم المرشحة. لكن على أرض الواقع، تُقاس الجاهزية الحقيقية بمدى رضا القواعد الشعبية؛ فاستمرار ملفات مثل تفريغات 2005، والتقاعد المالي القسري، والقطع الكيدي للرواتب يخلق حالة من الجفاء والتذمر تجعل التعبئة التنظيمية المحرك الأساسي لأي انتخابات أمر حربياً شديد الصعوبة.
2. فقدان الورقة الرابحة أمام المنافسين
يُشكل بقاء هذه الملفات مفتوحة دون إغلاق نقاط ضعف جوهرية في أي حملة انتخابية:
استغلال الخصوم السياسيين: يسهل على الأطراف المنافسة استخدام ملف حقوق موظفي غزة ومستحقات أسر الشهداء والجرحى والأسرى كدليل على وجود تمييز جغرافي أو إهمال إداري.
غياب الإنجاز الملموس: يُصعب على ابن الحركة في الشارع الدفاع عن البرنامج الانتخابي وهو يكتوي بآثار القرارات المالية السابقة.
3. أزمة الثقة في الوعود المؤجلة
تراكمت الوعود بحل هذه الملفات قبيل كل استحقاق سياسي أو تنظيمي على مدار سنوات طويلة دون تنفيذ كامل، مما خلق حالة من الشك لدى الكوادر بأن الحديث عن تسوية الحقوق بالتزامن مع الانتخابات هو مجرد "تكتيك انتخابي مؤقت" يزول بزوال الاستحقاق.
4. اشتراطات الجاهزية الحقيقية
تأكيد الجاهزية الفعلية يخوض المعركة الانتخابية يتطلب خطوات إجرائية نافذة تسبق الاقتراع، وأبرزها:-
التثبيت المالي والأكاديمي لكافة أبناء تفريغات 2005 وإلغاء هذا المسمى نهائياً.
إلغاء قانون التقاعد المالي وإعادة صرف الرواتب كاملة لمستحقيها.
إعادة الرواتب المقطوعة بناءً على تقارير كيدية وتشكيل لجان مظالم مستقلة.
حماية وتأمين مستحقات أسر الشهداء والجرحى والأسرى بشكل مستدام وغير قابل للتغيير.
من دون معالجة هذه الملفات بقرارات رئاسية وحكومية نافذة، تظل الجاهزية المعلنة مجرد هيكل تنظيمي يفتقر إلى القاعدة الجماهيرية الصلبة الكفيلة بتحقيق الفوز في صندوق الاقتراع.
هل تريد صياغة ورقة موقف أو مذكرة مطالبات موجهة للقيادة التنظيمية بشأن هذه الملفات؟