تاريخ النشر: 2015-02-15 | 00:03
تاريخ النشر: 2015-02-15 | 00:03
هناك أعمال أدبية تسبب الغبطة للقارئ والدارس من تألق ما فيها من لغة سردية جميلة وذائقة إبداعية تستحوذ عقل وقلب المتلقي ،خاصة وهي تزدحم بمعارف مذهلة، وصياغة لوقائع ابتكارها بيّن وجميل، ومثل هذه الأعمال ستظل تلفنا بالإعجاب لما تحمله من إبداع ودهشة، وهذا الأمر نادرا ما نصادفه في قراءاتنا اليوم لما تحويه هذه القراءات في كثير منها من تهويمات وتطويل ممل وثرثرة فارغة لا إبداع فيها ولا فن في الكتابة، لكن رواية " قواعد العشق الأربعون " للأديبة التركية إليف شافاق اشتملت على الكثير من نقاط الجماليات والتميز، بحيث تجد قبولا شديدا وتدخل إلى عمق الذاكرة فتسكنها طويلا، ولهذا فعندما يقرأ القارئ رواية إليف شافاق الكاتبة التركية لن يستغرب كثرة اللغات التي ترجمت إليها الرواية، ولا عدد الطبعات، ولا ما حققته من رواج وانتشار ،فبلغت مبيعاتها أرقاما تفوق المليون نسخة، وارتكزت الرواية على تعاليم مولانا جلال الدين الرمي في "قواعد العشق الأربعون" ،وبالطبع المقصود هو حب الله وعشقه.
ومن الجدير بالذكر أن متحف مولانا جلال الدين الرومي موجود في قونية ، في تركيا، وقد تمثلت الكاتبة تعاليم جلال الدين في روايتها الرائعة ،أما عن سيرة جلال الدين فالروايات والحكايات تدخل عليه من كل باب لكن الحكاية الموثوقة أن :.
جلال الدين كان مسلما مؤمناً بتعاليم الإسلام السمحة، واستطاع جذب أشخاص كثيرين من ديانات وملل أخرى وذلك بسبب تفكيره المرن المتسامح ، فطريقته تشجع التساهل اللامتناهي مع كل المعتقدات والأفكار ،ألستم تحبون الله؟ إذن تعالوا إلى حب الله مهما كانت أفكاركم ، إذ كان يدعو إلى التعليل الإيجابي ، ويحث الناس على الخير والإحسان وإدراك الأمور عن طريق المحبة ، وبالنسبة إليه وإلى أتباعه فإن كل الديانات خيرة وحقيقية بمفاهيمها ، لذلك كانوا يعاملون جميع أصحاب الديانات معاملة سواسية..
ومثل جميع الصوفيين آمن الرومي بالتوحيد مع حبه لله عز وجل الخالق البديع مالك الملك، هذا الحب الذي كثيرا ما يبتعد عنه الإنسان دون أن يدري، لذا فالإنسان عليه مهمة إيجاده والعودة إليه ، وبطلب وإلحاح من مريديه وضع الرومي أفكاره ومبادئه في كتاب سماه المثنوي الذي استعمل في كتابته وتأليفه قصصا يومية وإرشادات قرآنية وحكمة من خبرته ليخرج كتابا ثمينا زاخرا بالمعاني العميقة المنتقاة ولكن بحذر وعناية..
الرومي كان يستعمل الموسيقى والشعر والذكر طريقا أكيدا للوصول إلى الله عز وجل ،فالموسيقى الروحية بالنسبة له ، تساعد المريد على التركيز تجاه الله بقوة ،لدرجة أن المريد يفنى ثم يعود إلى الواقع بشكل مختلف ، ومن هذه المنطلق جاءت فكرة الرقص الدائري الذي وصلت إلى درجة الطقوس ،والتي كثيرا ما نشاهدها تبث في المناسبات الدينية ، وقد شجع الرومي على الإصغاء للموسيقى فيما سماه الصوفية فيما بعد السماع حين يقوم الشخص بالدوران حول نفسه ، فعند المولويين التنصت للموسيقى هي رحلة روحية تأخذ الإنسان في رحلة تصاعدية من خلال النفس والمحبة للوصول إلى الكمال ، فالرحلة تبدأ بالدوران حيث تطفو وتسمو المحبة في الإنسان وتخفت أنانيته ليعثر على الحق وتتضح لديه معالم الطريق للوصول إلى الكمال. وحين يعود المريد إلى الواقع ، فإنه يعود إنسانا آخر بنضوج أكبر ممتلئا بالمحبة ويفيض بإنسانيته ليكون خادما لغيره من الناس دون تمييز بينهم أو رغبة في مصلحة ذاتية..
بعد وفاة جلال الدين الرومي حوّل ابنه سلطان تعاليم الرومي إلى سلوك للمريد، والذي عُرف بالطريقة المولوية ،وقد انتشرت هذه الطريقة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي كما لاقت صدى واسعا واستحسانا في العالم الغربي في العصر الحديث لأنها لا تفرق بين الناس...
علاقته جلال الرومي مع شمس الدين التبريزي:
الشمس التبريزي (582 - 645 هـ) هو عارف بالله ومتصوف وشاعر، ينتسب إلى مدينة تبريز. هو شمس الدين، وقيل شمس الحق والدين محمد بن ملك داد التبريزي، المشهور بالشمس التبريزي، وقيل في اسمه: محمد بن علي بن ملك داد. ولد سنة 582 هـ وقام برحلات إلى مدن عدة منها حلب وبغداد وقونية ودمشق. أخذ التصوف عن ركن الدين السجاسي، وتتلمذ عليه الملا الرومي البلخي. قُتل في قونية على يد جماعة من المناوئين له سنة 645 هـ، وقيل سنة 644 هـ. كان أحد الدراويش (رجال الدين)، وقيل إن الشمس التبريزي راودته رؤى منذ سن العاشرة تقريبا، حيث قال لأبيه ذلك ولكنه لم يصدقه، وبعد مدة ترك منزله وبدأ بالتجوال، بحيث قيل عنه أنه لم ينم بمكان أكثر من ليلة واحدة لكثرة تجواله وترحاله. كان الشمس التبريزي يكسب النقود للطعام من تفسير الأحلام وقراءة الكفوف ، ولكن لم يكن أحد يصدق كلامه حول الرؤى التي قال أنها تراوده وكانوا يصفونه بالمجنون وادعى التبريزي بأنه كلم الله والملائكة في هذه الرؤى لكنه بلا شك على خطأ، فالكل من جميع الديانات يعرف أن الشخص الوحيد الذي كلم الله تعالى هو كليم الله موسى عليه السلام. وقد التقى التبريزي بالشاعر العظيم الملقب ب "مولانا" وهو جلال الدين الرومي في تجواله عام 1244م، وجمعت بينهما بعد ذلك اللقاء صداقة متينة غيرت مجرى حياة كليهما، فتحول الرومي من رجل دين عادي إلى شاعر يجيش بالعاطفة، وصوفي ملتزم، وداعية إلى الحب، ولكن رابط الصداقة الجميل الذي ربط هذين الإثنين مع بعضهما البعض بدأ بالتآكل حتى انفصلا بعد ثلاث سنوات تقريبا على نحو مأساوي.
علاقته المأساوية مع شمس الدين الشيرازي:
عندما التقى جلال الدين الرومي بشمس الدين التبريزي، الدرويش الجوال، الذي وصل قونية سنة 1244 م وأقام في أحد خاناتها منقطعًا إلى نفسه. ففي ذات يوم، تعرَّض شمس لموكب الرومي ومريديه، وجرت بينهما محاورة قصيرة أغمي بعدها على "مولانا"! وعندما استعاد وعيه، اصطحب شمسًا إلى المدرسة، وهنالك اعتزلا الناس في خلوة مدة أربعين يومًا، صار بعدها شمس الأستاذ الروحي للرومي، والذي ظل يحتفظ لأستاذه طوال حياته بحبٍّ وعرفان للجميل لا حدود لهما. وبلغ من تأثير "شمس تبريز" أنه استحوذ على روح الرومي ومشاعره فلم يعد يصبر عنه، مما أوغر صدور مريديه ودفعهم كما أُشيع، إلى اغتياله سنة 1247 م..
وبعد اختفاء شمس، أنشأ الرومي الحفل الموسيقي الروحي المعروف بـ"السماع"، ثم نَظَم في ذكرى شيخه وأستاذه الروحي مجموعة من الأناشيد حملت اسمه: ديوان شمس تبريزي، وهي مجموعة من الأناشيد والقصائدا لتي تمثل الحب والأسى، وإنْ كانت في جوهرها تنشد الحب الإلاهي المقدس..