يقف الزمن، تثبت الكرة الأرضية، لا مجال للهروب من هناك، مكانٌ يجمع أناساً آمانوا بالله، وبحب الوطن، وبالسلام، حُكم على من يسكن تلك المدينة او التي هي أشبه بسجنٍ سقفه السماء وبه مخرجين، إما من جهة العدو القاتل أو من جهة الصديق العدو، كلاهما مغلقان، الأول لأسباب أمنية يُمنع المواطنين أن يزوروا باقي مدن وطنهم التي هي من نفس ذرات التراب، والثاني لأسباب هزلية فقد تدخل البعض في شؤؤن الغير فلبس الشعب بأكمله "خازوقاً" لا بأس به ليُغلق في وجهه المنفذ الأخير لحياة أخرى، حياة تراقصها ألحان موسيقية يعزفها بعض المبذرين أو من يقدر قيمة الرقص على أوتار الأحلام.
"لن تتمكن من نسيان هذه المدينة" اذا قرأت هذه العبارة على بوابة مطار او ميناء أي مدينة ذهبت لزيارتها، سيذهب خيالك إلى مدينة الأحلام، مدينة ترى فيها نفسك ملكاً، لا تسمع فيها أنيناً أو صراخاً، تسمع فقط خطوات أحلامك التي يراقصها لحنٌ يتكون من النوتات الموسيقية النابعة من قلبك، بعضٌ منها ينبع من أفكارك، يتناغمون مع تغريد الطيور ليصنعوا لحناً تسير معه بدون وعي،على طريق أحلامك، لكن الأمر ليس هكذا هناك في تلك المدينة، لن تنساها لأن الحرب بين ألحانها لا تنتهي, تجد صراعاً شرساً بين ألحانٍ موسيقية كان من الممكن أن يشكلوا معزوفةً متناسقاً يراقصوا على أنغامها الوطن خلسةً ليخرجوه من بين قضبان الذل و الاحتلال او على الاقل ليعطوا من حولهم بضع حقوقٍ حرموا منها كحق الحياة مثلاً.
اللحن الأول ينبع من عشب المدينة الأخضر، لكن بعد أن ظهرت عليه معالم الرجعية و الكثير من العنصرية، أصبح شاحباً أصفر اللون يشابه اللحن الثاني الذي هو أشد منافسيه شراسة فهو ينبع من سنابل القمح الصفراء، لكن ما أن ذبلت و تم حرقها فأصبحت سوداء تشابه اللحن الثالت الذي ينبع من الفحم الشديد السواد، الذي ما أن تشعله يصبح جمراً أحمراً ليشابه اللحن الرابع الذي ينبع من الدم، جميعهم كالنار، النار التي تلتهم العشب مثلما التهمت السنابل لتصبح رماداً ساكناً ما يفعله فقط هو تلويث الهواء بشوائبه. الكثير، الكثير من الألحان الذين يتنازعون على رئاسة المعزوفة، متجاهلين أنها بالأساس معزوفة وهمية ما عليها سوى بعث الأمل في داخل من يرقص على أوتارها.
لتلك المدينة ألحانٌ خاصة و كثيرة، لكنها مؤلمة عندما تكون على انفراد، أما عند إجتماعها فإنها تشكل معزوفة من وجعٍ و ألم، من غربة في أرض الوطن، من دمٍ أُريقَ بلا جدوى، ومن أرضٍ أُغتصبت أمام رجالها دون أن يستطيعوا مساعدتها بسبب انشغالهم بحرب الألحان التي عملت على زيادة الفجوة بين ألحان وطنٍ ضاقت به السماء والارض واتخذه الكثير من أبناءه شعاراً ورمزاً للكلام وابراز النفس عن طريق وطنية مزفية، بإمكان كل هذا الالم ان يتحول الى معزوفة سلامٍ يرقص عليها الشيوخ، ويتناغم عليها الشباب مع طموحهم، ويغرد معها الأطفال بصوت بكائهم ويقود المعزوفة صوت ذلك البحر الحنون القاسي.
يبحث سكان تلك المدينة على سلام بينهم، لإيمانهم بأنه الحل الوحيد للتخلص من العدو المتربص لهم من جميع الجهات، سلام يشكل لحناً جديداً لحناً واحداً قوياً، يرقصوا على أنغامه صفاً واحداً، يشعروا ببعض الامان و يتنفسوا رونق الحياة، لا يبحثون عن لحنٍ مزيّف ليس له مكان على السلم الموسيقي، ولا يستطيع المرء التناغم قلباً و قالباً معه، يطالب السكان بلحنٍ واحد، آمن، صادق نابع من القلب العاقل، لا من العقل الباطل او القلب "الشايِّل", يريدون لحناً خالياً من الخدع، والتلاعب، والازعاج، ولا توجد بين نغماته أثر لرائحة دم اخوة ولدتهم نفس الأرض.