يمكن القول أن الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية على كافة توجهاتها وهي تخوض مواجهة العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة والذي استمر أكثر من خمسين يوما , قد نجحت إلى ابعد الحدود في تجسيد جملة من الحقائق والوقائع التي لا جدال بخصوصها والتي تؤشر على انتصار المقاومة في عدم تمكينها للعدو من تحقيق أيا من الأهداف التي كانت مسطرة - مع الأخذ بعين الاعتبار حقيقة موازين القوى التي لا تقارن بين قوة العدوان الهائلة وقدرات المقاومة المتواضعة- في هذا السياق نسجل جملة من هذه الحقائق:
• أولا : نجحت فصائل المقاومة مجتمعة في خلق ظاهرة واضحة وجلية في معسكر العدو تمثلت في هجرة ما يقارب ال500 ألف إسرائيلي ومغادرة منازلهم من المناطق التي أطلق عليها مدن ومستوطنات غلاف غزة ..هجرة من الجنوب إلى الشمال مع كل ما ينعكس عن هذه الظاهرة من تداعيات سلبية تؤدي إلى شل وإرباك الحياة الطبيعية للمستوطنين ودفع البعض منهم إلى مغادرة إسرائيل هذا بجانب أن هذه الظاهرة برهنت على فشل كل الإجراءات الأمنية الإسرائيلية لإشاعة الهدوء والأمن والاستقرار لسكان هذه الناطق.
• ثانيا: تعتمد نظرية الأمن الإسرائيلي في الصراع مع أطراف المحيط على الحرب السريعة الخاطفة وإحداث المفاجأة التي تقود إلى إنهاء الحرب خلال ساعات وعلى اكبر تقدير خلال أيام والذي حدث في المواجهة الأخيرة نجاح المقاومة في فرض حرب استنزاف طويلة استمرت على مدار الخمسين يوما وهذا يتناقض تماما وفلسفة الحرب التي اعتاد الجيش الإسرائيلي على خوضها مع أطراف المحيط ....ترتب على إطالة أمد الحرب إلحاق خسائر كبيرة في صفوف الجيش الإسرائيلي بين قتلى وجرحى وأسرى وقعوا في يد المقاومة الفلسطينية .
• ثالثا: الفشل والإرباك وعدم الانضباط حدث هذا في المستوى العسكري للجيش الإسرائيلي وتجلى ذلك من خلال التغيير الذي كان يحدث بين الحين والأخر في استراتيجية أهداف الحملة العسكرية الإسرائيلية (الجرف الصامد) فتارة كان الحديث يدور على الهدف هو تدمير الأنفاق الهجومية وتارة يدور الحديث عن تصفية القيادات الميدانية للمقاومة وأخرى تدمير منصات الصواريخ ووقف إطلاقها على المدن والمستوطنات الإسرائيلية وأخيرا أصبح الهدف هو نزع سلاح المقاومة وتأكد أخيرا أن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق .
• رابعا : بعد أيام من إطلاق الهجوم البري على المناطق الشرقية من قطاع غزة أدرك قادة الجيش الإسرائيلي – تحت تأثير الخسائر الكبيرة التي أدت إلى وقوع قتلى وجرحى في صفوف الجيش بجانب وقوع بعض الأسرى في يد المقاومة- ضرورة الإقلاع عن هذا الأسلوب وسحب الجيش من مناطق الاختراق والاعتماد فقط على سلاح الجو في تنفيذ الهجمات ضد المدنيين العزل الذين كان لهم نصيب الأسد من الإرهاب الهمجي الصهيوني في إطار هذه الحملة , تلك الهمجية بحق المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ والتي فاقت في بشاعتها ما ارتكبه النازيون في الحرب العالمية الثانية.
• خامسا: على مدار ايام العدوان الإسرائيلي حافظت فصائل المقاومة الفلسطينية على وتيرة ومعدل استخدام السلاح وبخاصة الصواريخ على قاعدة استمرارية انطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية حتى نهاية الحرب وبحيث توحي للعدو أن مخزون المقاومة من الصواريخ كافيا للاستمرارية ومن ثم إحباط احد أهم الأهداف الإسرائيلية المتمثل في تدمير هذا المخزون من الصواريخ ولقد كان واضحا أن منسوب إطلاق الصواريخ في اليوم الأخير من الحرب(180 صاروخ) يتقارب مع ما أطلق في اليوم الأول .
• سادسا : اعترف جنرالات الجيش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة من الحرب بمدى صعوبة التعامل مع ظاهرة قذائف الهاون التي كانت تسقط على مدن غلاف غزة (كان مدى سير هذه القذائف من سبعة إلى خمسة عشر كيلو متر) والتي كانت بخلاف الصواريخ لا تشكل صيدا ملائما للقبة الحديدية.....قذائف مدافع الهاون خلقت إشكالية كبيرة لدى الجيش الإسرائيلي وهي الآن قيد الدراسة في الأوساط الأمنية بحثا عن قبة حديدية جديدة ذات مواصفات تختلف عن الأولى ؟!
على أية حال ,لا نريد الاستطراد طويلا في هذا الإطار وبإيجاز نقول أن الأداء العسكري لفصائل المقاومة أبان التصدي للعدوان الإسرائيلي كان اداءا متميزا, ناجحا, مؤثرا وفاعلا في إحباط وإفشال الأهداف الإسرائيلية التي طرأ عليها التغيير من حين إلى أخر وهذا الانجاز الباهر لفصائل المقاومة يمثل باعتقادنا تراكما جديدا للإرث الكفاحي وللتجربة الوطنية الفلسطينية التي تضرب بجذورها بعمق في التاريخ ونلفت الانتباه في هذا الإطار إلى أن الأداء العسكري الرائع الذي صنعته فصائل المقاومة بكل اقتدار في مواجهة العدوان الإسرائيلي يتطلب الآن إجراء عملية حصاد سياسي تثبت وتؤكد على هذا الانتصار وتحوله إلى حقائق سياسية على الأرض وهذا يفترض وحدة الموقف الفلسطيني – كما كان سائدا إبان
ظروف الحرب - وانضباطه بقوة ويفترض أيضا تجميعا للأوراق الفلسطينية المدعومة عربيا وإقليميا سعيا إلى انجاز الهدف الأسمى الذي يطمح له شعبنا ممثلا في تصفية الاحتلال وانجاز الحرية والانعتاق .