الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

حكايات أمي .. ١٨ ( الأخيرة )

حكايات أمي .. ١٨ ( الأخيرة )

تاريخ النشر: 2017-07-15 | 12:46

رُفعَ حظر التجوال عن المعسكر و كان المشهد مأساوياً و بدأنا نتوجه إلى المحامين و الصليب الأحمر لنتلقظ بعضا من الأخبارعن والدك ، و بعد أكثر من شهرين قد سُمِحَ لنا بزيارته ، و صُدمنا عند مشاهدته ، فكان شبه هيكلاً عظمياً وعلامات التعذيب الوحشي باديه عليه بعد أن فقد اكثر من نصف وزنه ، بسبب التعذيب المضاعف بسبب صموده و عدم إدلائه بأيّ معلومات في المحكمة ، و بعد عدة جلسات و لعدم إعترافه أو ثبوت أيّ معلومة عنه ، رغم شهادة ذاك العميل عليه فقام بضربه أثناء التحقيق معه ، و أنكر بانه يعرفه ، فقد تم الحكم عليه بالمدة التي أمضاها في السجن و هي ستة أشهر نافذة مع ثلاث سنوات غير نافذة يشملها الإقامة الجبرية ٠

خرج والدك من السجن ولم ينقطع رجال الشين بت (المخابرات الإسرائيلية) عن ملاحقته و إستدعائه المتكرر ، و قد جندوا بعضا من عملائهم لمراقبته و متابعته ، فكنا نشاهد بعضهم يجلسون أمام البيت طوال النهار و جزءاً كبيراً من الليل يراقبون البيت و كل من يحضر إليه أو يخرج منه .

خرج والدك من السجن و نحن لازلنا نسكن المعسكر فتوافد أعداد هائلة من السكان لتهنئته بالسلامة ، و كان وضعه الصحي غاية في السوء و التدهور، هذا و قد تم فصله من عمله في المستخدمين العامة ( ديوان الموظفين العام ) و مصادرة كل استحقاقاتها و ادخاراته المالية و أصبحنا في وضعٍ شديد الصعوبة ، إضطر معها والدك بعد أن تحسنت صحته ، اللجوء إلى ما كان يدخره من فلوس و بعضٍ من الجنيهات الذهبية و الحلى الخاصة بي ، حتى نتمكن من إكمال مسيرة الحياة وبناء الأسرة ، أتت أثناء ذلك لمصيبة الأخرى عندما أتى ضابط المخابرات الإسرائيلية و بعضاً من العملاء و هم يمرون عبر الشارع الذي يوجد أمام بيتنا فشاهدوا والدك أمام باب البيت فقال له مستهزءاً : قريبا يا حسين حنهدم بيتك ، خلي المنظمة تنفعك ، بصق عليه والدك و انسحب إلى داخل البيت ، و ضابط المخابرات يؤكد لوالدك بأن منزلك سيكون أول البيوت المهدومة ٠

فكان القرار الذي لا يعلمه أحداً من السكان ، و هو هدم مئات بل الآلاف من البيوت بذريعة فتح شوارع جديدة ، و توسيع البعض الآخر و كان منزلنا يقع فى احد تلك الشوارع .

غادرنا معسكر الشاطئ و انتقلنا إلى أرضٍ لوالدك كان قد تسلمها في عام 1954 أثناء قيام الإدارة المصرية بتوزيع قطع ارض للموظفين الحكوميين مقابل مئة جنيه مصري تدفع على ثلاثة اقساط للطابو الحكومي ، لم يكن في المكان كثيرا من السكان و قمنا ببناء بيتا بسيطا فأوينا إليه ٠

أثناء فترة هدم المنازل توافد العديد من الجيران التي هدمت منازلهم الى والدك طالبيين عمل عقود إيجارات لهم لحمايتهم من الترحيل القسري الى العريش وكان ذلك بطلب من الإدارة المدنية للمهدومة بيوتهم ، وبالفعل تم منح العقود لكل مَن طَلبَها ، تلك العقود التي مكنتهم من الحصول على أُجره ثلاثة أشهر من الإدارة المدنية فى غزة٠وحمتهم من الترحيل إلى العريش ٠

كما أن والدك قام باسكان أسرةً محتاجةً جداً من الذين هدمت بيوتهم و قام ببناء بيتاً لهم وأسكنهم فيه عدة سنوات دون أيّ مقابل ٠

غادرنا مجتمعنا الذي عشنا فيه طوال فترة الهجرة ، و هو مجتمع معسكر الشاطئ ولم نشعر يوماً بالاغتراب حيث أن معظم الجيران كانوا من أهالي قريتنا التي هُجرنا منها و غيرهم من القرى و المدن الأخرى و الذين نمت معهم علاقات جوار و أُلفة طيبة ، إلا أن نكبة هدم البيوت في المخيم كانت بمثابة تهجير ثانٍ لمن هُدمت بيوتهم ليستقروا في أماكن و إن كانت داخل مدينة غزة الا اننا كنا نشعر بالغربة في أوساط سكان الاحياء التي سكناها و استنفذنا سنوات طويلة للتكيف مع المجتمع الجديد ٠

قام العديد من أصدقاء والدك بمحاولة إقناعه بالعمل مع بعض المؤسسات الموجودة في غزة التي تربطهم مع مالكيها علاقات طيبة ، و على مضض وافق على ذلك لأعتبارات أهمها الإبتعاد عن أعين المخابرات ، فعمل مع مؤسسة سُكر للنقل البحري و تخليص البضائع من البواخر القادمة من الخارج للإستيراد والتصدير من وإلى. قطاع غزة ، و ربطته بهذه العائلة علاقة طيبة رغم أنهم كانوا يتوجسون من وجوده كونه اتٍ من خلفية ثوريةٍ فدائية ، لم تكن ترُق لهم كثيراً رغم تأييده في الخفاء ويؤكدوا له بأنهم معه و مع العمل الفدائي ، و أخيراً ترك العمل بسبب أن حرب 1973 أوقفت العمل في ميناء غزة و انسحبت جميع السفن المتواجدة قُبلالة شواطئ غزة و كان عددها آن ذاك يزيد عن الثلاثون سفينةً ، انسحبت السفن بالبضائع التي تحملها وذهبت الى ميناء اسدود داخل فلسطين المحتلة لتفرغ حمولتها هناك .

بعد انتهاء الحرب توقف العمل في الميناء و توقفت معه كل مظاهر الاستيراد و التصدير عبرها وانتقل كل ذلك عبر ميناء اسدود .

في هذه الأثناء تمكن بعض أصدقائه ممن كانوا معه في السجن من إيجاد عملاً له في إحدى مصانع تشميع الحمضيات و تعبئتها في صناديق لتصديرها عبر ميناء اسدود ، و كان لهذا العمل أن إنعكس على حياتنا بشكل إيجابي ، و توسعت دائرة علاقات والدك و امتدت إلى كل العاملين في المصنع و مجتمع بلدة جباليا و عائلاتها استمرت الحياة هادئة و نشِطة في كل الاتجاهات الى أن جاء يوم الخامس عشر من عام 1975 ، عندما قام الجيش الاسرائيلي بمحاصرة المربع السكني الذي نسكن فيه و قاموا باقتحام منزلنا البسيط و قاموا باعتقال والدك ، لتبدأ رحلة معاناة جديدة للمحافظة على الأسرة و الأبناء ، فكنا يداً تعمل و تزرع ويدأ تبني و يدأ تتعلم و كلنا في كنفِ الرأى والرأي الآخر و المشاورات مع والدكم الذى حُكم عليه بخمسة سنوات نافذة و ثلاثة عشر سنة أخرى مع وقف التنفيذ ، و طوال تلك الفترة و حتى موعد الإفراج عن والدك بعد انقضاء فترة محكوميته لم تتركنا المخابرات الإسرائيلية و كانت تستدعيك انت و اخوتك للتحقيق و الترهيب و نشط العملاء فى مراقبة كل من يحضر أو يخرج من البيت .

و الله يا والدتي معاناة كبيرة كلنا عشناها وعانينا منها ، و لكن إصرارنا على الصمود و الاستمرار ووجودك أنت على رأس الجميع ، كل ذلك ، ساعدنا في تجاوز أصعب مرحلة في حياتنا ٠

لكن شو كانت التهم الي كانت موجه لوالدي و التي بموجبها تم الحكم عليه ؟ .

تهم كثيرة لا أريد الحديث عنها لأنها أصبحت من الماضي .

لكن يا والدتي ضروري أن نوثق ذلك ٠

ماشي يا بنيّ ، ولكن باختصار ، كانت التهم الموجهة لوالدك هي الانتماء التنظيمي لتنظيم الجبهة الشعبية بعد أن انتهى التكوين السياسي الشامل لحركة القوميين العرب و التي كان يشغل فيها والدك موقعا سريا هاما ، اتهم بتأطير و تنظيم الشباب و تنسيبهم إلى تنظيم الجبهة الشعبية ، إضافةً إلى مسؤليات أخرى ارتبطت بباقي رفاقه من الاذرع السياسية العسكرية في الجبهة و التخطيط لعمليات فدائية عسكرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة : هذا بإختصار وأترك بعض الأُمور السرية فلا داعي للحديث عنها لإرتباطها بخصوصيات تنظيمية للعديد من رفاق والدك ٠

إسمح لى يا ولدي لا أريد الإفصاح عن اكثر من ذلك لأن الموضوع يتعلق بأمن كثير من الأشخاص و الاسر فى قطاع غزة .

شكراً جزيلاً يا والدتي على هذا الجهد و العطاء المميز على مدى كل هذه الحلقات ، التي كانت عبارة عن إضاءات في تاريخ قرية حمامة و أهلها ، و التي تعتبر نموذجا للقضية الفلسطينية و عادات وتقاليد و تراث و حياة الشعب الفلسطيني من بدايات معاناته حتى نكبته و تهجيرة من مُدنه و قُراه الى مختلف مناطق الشتات ، فى مناحى العالم المُختلفة ٠

و اخيراً هل لك من كلمةٍ أخيرةٍ يا والدتي حابة تحكيها للشعب الفلسطيني ؟

بدي أقول كلمة مهمة واحدة ٠٠٠٠

( أنه لا يضيع حق وراه مُطالب ) ، و أنه مهما طال الزمن لن ننسى و سيظل حلم العودة منارةً لكل الشعب حتى يصبح حقيقةً ، و سيصبح بأمر الله وعزيمة الشباب و النضال و التضحية بالغالي و النفيس لأجل فلسطين ، سيصبح حقيقةً ، وسنحررها٠

شكراً والدتي ربنا يعطيك الصحة و العافية و طول العمر ، و بالمناسبة كنت انقل لك تحيات الكثير من المتابعين بحكايات الثريا الذين أبدوا إعجابهم بك و بذاكرتك الغنية بكل شيء ٠

شكراً لكم أحبتي و أصدقائي جميعا بدون استثناء من علق و وضع اللايكات أو ابدى رأياً ، فجميعكم من شجعنا للاستمرار في كتابة هذه الحكايات التي كانت حلقاتها طويلة نسبيا ، وهذا كون أن الموضوع يحمل الكثير في ثناياه و كان صعباٌ علينا الاختصار اكثر من ذلك ، فهذا فيضٌ من غيض ٠

الى اللقاء أحبتى في ما قد نقول عنه الجزء الثاني من حكايات الثريا أن أطال الله في العمر أو بقيت الذاكرة و الصحة في وضع يؤهلها لذلك ٠

شكراً و الى لقاء بإذن الله تعالى ٠٠٠

مُلاحظة // نزولاً عند رغبة الكثيرين وطلبهم بتوثيق هذه الحكايات من خلال طباعتها فى كتابٍ يليق بأهميتها ... نعلمكم جميعاً أحبتى بأنه فور توفر كل السبل لذلك وبإذن الله تعالى ...فإننا سنشرع فى تنفيذ رغبتكم 

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط