تاريخ النشر: 2017-04-22 | 08:03
تاريخ النشر: 2017-04-22 | 08:03
صباح الخير يا والدتي ، صباح النور يا ولدى ..
كيف أصبحتى اليوم .. الحمد لله أنا بخير ..
شو حابب تسمع اليوم ..باقى الحكاية يا والدتى .. بدى أسمع ، لكن ما بدى أتعبك ، ما فى تعب ولا شئ ، أنت خليتنى أتذكر أحلى أيام فى حياتى أيام العيشة فى حمامة ، والله الحزن والهم و الحسرة لا يمكن أن يغادرونا لفقداننا أراضينا و حياتنا فى البلد .. عن شو نحكى ، بدنا نكمل ، بعد هجرة الناس من مدنهم وقراهم ٠
٠بقيت فرقة من الجيش المصري في منطقة الفالوجة ، وكان بهذه الفرقة مجموعة من الضباط ، كان منهم الضابط المصري آنذاك (جمال عبد الناصر) الذي أصبح فيما بعد رئيساً لجمهورية مصر العربية ، وكان مسؤول هذه الفرقة ، ضابط مصري من الجنوب ، ويطلق عليه إسم (البيك طه) ، وكان يتمتع بروح وطنية عالية ، وعندما طَلبت منه الإدارة المصرية إبان حكم الملك فاروق ملك مصر، بالانسحاب من منطقة الفالوجة الي غزة ، اشترط لهذا الانسحاب أن يتم إلا بانسحاب اليهود من مناطق ( تل شعشاعة ) والذي يقع في مكان متقدم داخل شمال القطاع في بيت لاهيا مقابل ( ابراج الندى االحالية ) وكذلك انسحابهم من المناطق الحدودية للقطاع (منطقة دمرة وبيت حانون) ، وطلب من السكان في المنطقة وكل من هاجر إليها من القرى والمدن المجاورة بعدم الخروج والهجرة الي القطاع وانهم جميعاً في حمايته ، وعندما وافق اليهود على أن ينسحبوا من المناطق المشار إليها التي احتلوها داخل القطاع بعد توقيعهم لاتفاقية الهدنة عام ١٩٤٨ ، طلبوا منه بالخروج منكساً سلاحه ورافع الرايات البيضاء ، تعبيراً عن استسلامه ، فرفض ذلك بالمطلق وأصر على الخروج رافعاً شارات النصر ومشرعاً سلاحه ، فوافق اليهود على ذلك ، فخرج بالشكل الذي يريده ، وطلب من السكان الرغبون في الرحيل معه الي غزة أن يأخذوا كل اشيائهم وحيوانتهم وحبوبهم وأدوات زراعتهم وأوانيهم وعفشهم وكل ما يريدون ، وبالفعل خرجوا جميعاً وكل ما لديهم محملاً على الحمير والجمال والبغال وعلى بعض شاحنات الفرقة المصرية .
وما أن دخلت القافلة الي غزة كان في استقبالهم الإدارة العسكرية المصرية المسؤولة عن القطاع وفق اتفاقية الهدنة ، فاستقبلوا جميعاً وعلى راسهم وحدة الجيش المصري وقائدها ( البيك طه ) ، و استقبلوا استقبال الابطال ، بالاهازيج والزغاريد والتى إستمرت طوال اليوم ٠
أُغلق الستار على هذه المرحلة وأصبح القطاع يُدار من قبل حاكم عسكري مصري وإدارة مصرية يساعده مجموعة من الضباط يتولون إدارة المؤسسات الإدارية الحكومية ، والتي تم تشكيلها للبدء في بناء المؤسسات التي ترسخ لحالة دائمة لدي قطاع غزة بالكامل من مواطنين و لاجئين ٠
قامت الإدارة المصرية ببناء المدارس والدوائر الحكومية ومؤسسات الحكومة ، ومن ثم في مرحلة لاحقة ، قاموا ببناء ما كان يعرف ( بقصر الحاكم ) كمقر للحاكم العسكري المصري ، ثم قاموا ببناء مبنى المجلس التشريعي الحالي والذي كان يوجد به مقر حاكم غزة وكبار مساعدي الحاكم العام للقطاع ٠
بدأت الاحوال الحياتية تستقر في قطاع غزة ، وفُتحت الحدود المصرية لسفر وتنقل الفلسطينيين من والي قطاع غزة ، وسهلوا التبادل التجاري مع الفلسطينيين ، وكانت المساعدات المصرية بداية الهجرة ترسل الي المهاجرين بواسطة القطار، عبر خط السكة الحديدية الوحيد الذي أنشئ إبان الحكم التركي حيث قام المصريون بترميمه وإصلاحه وتهيئته للعمل ، وهذا سهل تنقل وانتقال الناس والسفر من و الي مصر ومن ثم الي وجهات مختلفة من العالم العربي والغربي ،
وحتي يتم استقرار السكان وشغل تفكيرهم وتحويله عن بلادهم التي هجروا منها قسراً فقد تم :
١- بناء المدارس من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين وانتسب إليها جميع الأولاد من بنات وصبيان للدراسة فيها وتسابق الناس وحرصوا على تعليم أبنائهم لقناعتهم أن لا مستقبل لهم بدون العلم ، خاصة وأن التعليم كان مجانياً فى مدارس الوكالة التى تغطى المرحلة الإعدادية والإعدادية ، وكذلك كان مجاناً أيضاً فى المدارس الحكومية ، واصبح الشغل الشاغل لهم ووسيلة التباهي والتفاخر هو تعليم الابناء.
٢- فتحت أبواب تعاقدات العمل لكل من يرغب ، وتسابق الرجال للتعاقد للعمل في السعوديه والكويت وقطر ، للعمل ولتوفير لقمة العيش لاسرهم ومنهم من بقوا هناك وتركوا اسرهم فى غزة مدة طويلة ، مما أثر على التكوين الأسري لغياب رب الأسرة مما جعل النساء يتحملن عبء الأبناء وتربيتهم ،
يسلمك ربنا يا والدتي على هالكلام وعلى هذه المعلومات القيمة التي لا يعرفها العديد من شباب اليوم ، لكن حتى تكتمل صورة الوضع بعد الهجرة وبعد الاستقرار في كمب الخيام (كمب االشوا ) ، هل بقيتم فيه ام اتجهتم الي مكان آخر؟
لم نكن نعلم يا بني بأن الأمم المتحدة قد أعدت خطط مسبقة لحالة الهجرة الجماعية ، ومنها إنشاء هيئة دولية تعنى بشؤون من سيهجر من الفلسطينيين فأطلق عليها أسم ( وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ) ، وفى إعتقادى بأن التخطيط لتهجير الفلسطينيين قد بدأ مع وعد بلفور ، وعلشان هيك ونحن موجودين فى كامب الشوا حضر موظفون أجانب ومترجمين عرب ممن يعملون مع وكالة الغوث ليخبرونا بأنه تم توزيع غرف سكنية لكل الأسر وفق بطاقة التموين التي تحدد عدد أفراد الأسرة ، وان توفر العدد من نفس الأسرة فذلك يكون افضل لتوزيع الغرف لتجنب الاحتكاك والمنازعات بين الاسر الأخري .
ذهب والدك الي المكان الذي تم بناء الغرف فيه وهو ( معسكر الشاطئ الحالي) واطلق عليه هذا الاسم رسمياً ..
يعني يا والدتي لم يكن معسكر الشاطئ موجود كما هو الآن ، يا بني كان المعسكر عبارة عن سوافى رملية وأقيمت عليها الغرف السكنية وفق نظام يشبه نظام بناء معسكرات الجيش البريطاني ، وهي غِرف غير منفردة وبدون حوش وأبواب الغرف تفتح مباشرة على الفضاء والخلاء ، وهي عبارة عن بناء طولى يقسم غرف ، وتشترك مع هذه الغرف ، غرف أخرى خلفها ، كانت جميعها مغطاة أسفلها بالقرميد السكنيً اللون ، مصفوفا على قوائم وألواح خشبية ، وتلك الغرف لا يتجاز حجمها ( ٣ x٣ ) متراً ، ولهذا الغرض أنشأت وكاله الغوث أقساماً خاصا للصيانة وصناعة القرميد وكل مستلزمات البناء من طوب ولوازم الصرف الصحي وكانت الوكالة من يقوم بتركيب القرميد عل أسطح الغرف التى تقوم ببنائها ، أو تعويض السكان عن القرميد الذي يُكسر أو يتطاير بسبب أجواء الشتاء العاصف والرياح الشديدة والمطر كما قامت وكالة الغوث ببناء مراحيض زوجية وفردية في المخيم وهي تبعد نسبياً عن الغرف ومنها ما كان للنساء وآخر للرجال ومنفصلين عن بعضهما البعض ، وأيضاً قامت ببناء حمام لاستحمام الناس فيه حيث كان يخصص مدة أربعة أيام للرجال والأولاد ويومين بالأسبوع للنساء وكانت توزع الصابون والليف على السكان القادمين للاستحمام ، وكثيراً من الناس كانوا يأخذون ملابسهم وبعض الفرش المتسخ يأخذونه الي الحمام لغسله هناك لتوفر الماء ومواد التنظيف،
كما قامت وكالة الغوث بإنشاء مراكز التغذية (الطعمة) تقوم بصرف وجبات غذائية يومية لأطفال الأسر المحتاجة من اللاجئين والأعدادها كبيرة حيث توزع (كروت أو بطاقات) لهذا الغرض وكثير من طلاب المدارس الابتدائية والإعدادية كانوا يتناولون هذه الوجبات في مراكز التغذية ، كما أن كثير من الأسر كانت تستفيد من توزيع الغذاء الزائد عن حاجة الأولاد ٠
وأنشأت أيضاً المراكز الصحية ( العيادات) لعلاج الاطفال وغيرهم من السكان وصرف العلاج لهم مجاناً ، وأيضاً انشأت عشرات المدارس الابتدائية والإعدادية ، وفي كل هذه المركز والمؤسسات الخاصة بالوكالة كان التوظيف يتم من اللاجئين فاستوعبت مئات بل آلاف من العمال والموظفين والمدرسين والسائقين وغيرهم ، مما انعكس بالإيجاب على حالة اللاجئين وانتعش الناس واصبح بمقدورهم تطوير حالاتهم ، وخاصة التركيز على تعليم أبنائهم الي مستويات أعلى من الاعدادية فمن كان حالته بسيطاً تمكن من الحاق أبنائه بمراكز التدريب المهني والخياطة والتطريز وغيرها ، من المراكز التي قامت الوكالة بإنشائها ، وبهذا تمكن العديد منهم العمل في مؤسسات الوكالة أو العمل بشكل مستقل في المجالات التي تعلموها، هذا وبعض الاسر دفعت بأبنائها وبناتها لإكمال الدراسة للحصول على شهادات الثانوية العامة (التوجيهي) التي كانت تؤهلهم للحصول على وظائف التدريس، والبعض الآخر دفع بأبنائه للتعلم في الجامعات وخاصة الجامعات المصرية حيث كان التعليم فيها بالنسبة للفلسطينيين مجاناً بأمر من رئيس مصر آنذاك الزعيم الراحل جمال عبد عبدالناصر ٠
بدأت حياة الناس تستقر إجتماعياً واقتصادياً خاصة وان الوكالة قد أنشأت مراكز التموين التي كانت تقوم في صرف المواد التموينية من كافة أنواع المعلبات والمجففات والكاز (الوقود) والطحين والسكر وكافة البقوليات وأشياء كثيرة تفيض عن حاجة الناس، كما كانت توزع الملابس الشتوية والصيفية التي تأتي للوكالة عن طريق تبرعات من شعوب العديد من الدول الأوروبية والأجنبية وكانت توضع في صرر بحجم كل أسرة وعددها ٠
على هيك يا والدتي كُنتم مكيفين !!!
مكيفين !! شو هالحكي يا بنيّ ، كان الهم والغم لا يفارقنا وكذلك الحسرة لفقدان البلاد والقرى والوطن ، ولم ينقطع حديث الناس عن بلادهم ويتابعون الاخبار لتحسس الأمل بعودتهم ، فالكثير من الرجال كانوا يذهبون الى مقهى في ميدان فلسطين لسماع الاخبار من الراديو وذلك قبل أن يقوم أحد سكان المخيم ببناء مقهى في الشاطئ وأحضر راديو قديم يتجمع الشباب والرجال لشرب القهوة والشاي وسماع بعض الاخبار، وكثيراً ما كانت تدور نقاشات وجدالات حول تصورات مستقبل اللاجئين ٠
مع مرور السنوات وازدياد عدد وحجم الأسر اضطر الناس الي بناء جداران لبيوتهم لتسترهم ، ومن ثم إضافة غرف تستوعب أحكامهم المتزايدة ، وكانت الوكالة تغض النظر عن ذلك بل تسهل لهم الامور، وتوفر لهم المياه الجوفية عن طريق انشاء ( طلمات) لضخ المياه يدوياً في أوعية يحضرها الأولاد والنساء الي المكان ليملأوها ومن ثم نقلها لبيوتهم وقد تم انشاء العديد من هذه (الطلمات) ٠
لم يكن معسكر الشاطئ غرب مدينة غزة المعسكر الوحيد للاجئين الفلسطينيين في القطاع بل كان هناك سبعة مخيمات حملت أسماء المدن والقري التي أنشئت على أراضيها ومنها مخيم جباليا في بلدة جباليا ومخيم النصيرات على اراضي قرية النصيرات ومخيم البريج على أرض قرية البريج وكذلك مخيم المغازي ومخيم دير البلح وخانيونس ومخيم رفح ٠
انتظمت الحياة في مخيم الشاطئ وأصبح الناس يمارسون حياتهم وفق برامج حياتهم وأعمالهم وأصبح لكل شأن يغنيه ٠
ماشي يا والدتي هي الناس بدأوا بنسيان بلداتهم وقراهم ، كيف هالحكي الناس لم ولن تنسي بلادها وقراهم ، لكن خُبث وكالة الغوث والدول القائمة عليها خططت ونفذت بأن تكون مباني المعسكر جاهزة قبل انتقال السكان إليها وقد خططوا لأن يكون المخيم عبارة عن بلوكات تحمل أبجدية اللغة الإنجليزية وان يكون سكان كل بلوك من مهاجري كل قرية او الاقرب في العادات والتقاليد لبعضهم وهذا ما خفف عن الناس وجع الهجرة ، حيث كانوا قريبين من بعضهم البعض يمارسون نفس العادات والتقاليد التي كانوا يمارسونها في القرية ، فلم تتغير عادات وتقاليد اهالي حمامة مثلاً الا بعد عشرات السنين نتيجة اندماجهم مع المجتمع الغزي والمجتمعات العربية الأخرى نتيجة ذهاب أبنائهم وبناتهم للجامعات والعمل فيها وكذلك نتيجة احتكاك سكان القري مع سكان المدن الذين تقاسموا معهم بلوكات السكن في المخيم وتصاهرهم مع بعضهم البعض ، ولكن كل هذه العوامل لم تؤثر في تغيير العادات بشكل جذري وفوري ولكن كانت تسير ببطء وبشكل تدريجي.
ادي انشاء مخيم الشاطئ بالقرب من البحر الي اعطاء سكانه ممن كانوا يمارسون مهنة الصيد في حمامة ويافا وبعض القري الساحلية ، أن استمروا في هذه المهنة خاصة وان البعض منهم قد احضروا معهم بعضاً من شباك الصيد وبعض القوارب الصغيرة ( الفلايك- الأفلوكة ) ، واصبحت مهنة الصيد من أهم الاعمال التي يقومون بها ، خاصة في ظل عدم وجود قيود على مسافات الصيد المسموح بها لهم كما أن توفر شباك الصيد وأدواته وسهولة الحصول عليها وشرائها من بور سعيد في مصر نمى وطور مهنة الصيد بشكل كبير ومتسارع ٠
خلاص حد هنا يا والدتي عندي شوية مشاغل نكمل بعدين إن شاء الله ، في المرة القادمة بدنا نحكي عن بعض الأمور ، عن الاستيراد والتصدير من والي غزة ، والأمر الآخر ( إنشاء مشروع عامر ) ، وانشاء بيارات الحمضيات ، وانشاء جهاز شرطة ، وإنشاء فرقة فدائي مصطفي حافظ ، وعن النشاط السياسي الذى واكب العدوان الثلاثى على مصر ومشاركة إسرائيل بهذا العدوان واحتلالها لقطاع غزة عام ،١٩٥٦ ، ومغادرة الإدارة المصرية لقطاع غزة ، ودخول قوات طوارئ دولية القطاع بحجة حماية الفلسطينيين فى القطاع ، بعد إنسحاب قوات الإحتلال الإسرائيلي من القطاع فى اليوم السابع من شهر مارس آذار ( ٧ / ٣ ) عام ١٩٥٦ ، ومن ثم عودة الإدارة المصرية للقطاع فى اليوم الرابع عشر من مارس آذار ( ١٤ / ٣ ) عام ١٩٥٦ ، حيث أصبح هذان اليومان ، من أيام الإجازة الرسمية التى تُعطل الأعمال خلالها فى كافة المرافق الحكومية ،وتقام فيهما الإختلالات السنوية فى كل من ملعب مدرسة اليرموك نهاراً ، وفى ساحة الجندي المجهول ليلاً ٠٠