تاريخ النشر: 2017-04-15 | 12:17
تاريخ النشر: 2017-04-15 | 12:17
صباح الخير يا امي يا ست الكل يا نوارة كل النساء .. في الصيف وفي الشتاء .. وفي كل فصول السنة .. ويا شمعة مضوية علينا وعلى البلد .. من الشيخ حتى الولد، .. يا عطف وحنان .. يا كهرمان ..، يا عشق الزمان ..، يا كامن في عقلك العادات والتراث .. جيتك اليوم .. لأقول صباح الخير .. وانهل من حبك .. وأقول لك .. ما خطر على البال .. اذا بتسمحي يا نور العيون .. اجلس أمامك او بجانبك حتى اسمع شو لسان حالك اليوم .. بدو يقول .. اجلس يا ولدي بقربي .. واسمع خراريف زمان .. اللي بذِكِرها بتوجع قلبي .. وبتنشط ذاكرة عقلي .. اجلس يا ولدي وقلي .. من وين بدك ابدأ خريفة اليوم .. يا نور العيون .. حاضر يا أمي ٠
جلست ، وكلى آذان صاغية لك .. ولكلامك الجميل .. والحنون .. يا زهرة النورس .. يا ثريا الجمال .. اللي في السماء مسكون ٠
شو صار يا أمي بعد ما خرجتم من القرية خوفاً من جرائم اليهود وعصاباتهم وتغطية الإنجليز على جرائمهم ومجازرهم بحق الشعب الفلسطيني رغم أن فلسطين كانت تحت إدارة الانتداب البريطاني .
يا بنيّ ما خرب ديارنا إلا بريطانيا اللي عملت وعد بلفور علشان يعطوا فلسطين لليهود زيّ ما بيقولوا وطن قومي ليهم ولملموهم من كل العالم وجايوهم وهجروهم بالقوة من دول اوروبا علشان يتخلصوا منهم لانهم قتلة الانبياء وما كان أحداً بيحبهم لأنهم ناشطين اقتصاديات فى تلك الدول وبيحيكوا المؤامرات داخل تلك الدول ، فكرهوههم ، وفكروا كيف يتخلصوا منهم ... فرموهم علينا في فلسطين ، وتآمرت الصهيونية علينا وقالوا ، رحِلوا أهل فلسطين ، وهجروهم بالقوة ، وعلشان هيك يا بنيّ نحن ضحية مؤامرة عالمية ، واقول لك شيء في سرك ، وكثير من العرب والملوك كانوا معهم متآمرين ، حتي يا بنيّ عندما أرسلوا العرب جيوشهم إلنا ، للأسف بعضهم خذلونا وتركونا بعد ما تقاسموا المصالح مع اليهود ، وبالآخر اليهود أعطوهم ( خازوق كبير) .
وهينا اليوم مرميين خارج فلسطين ، لكن والله والله والله العظيم ، ما بيضيع يا بنيّ حق وراه مطالب ، حتى ولو قبل يوم القيامة بيوم حنظل نحارب ونطالب بحقنا في العودة لوطنا ولبلادنا ومدنا وقرانا ، وعلى راسها حمامة حبيبة قلبي وذكريات طفولتي وعمري ، ماشي يا امي ، تسلمي على هالمشاعر وعلى هالحماس ربنا يعطيك الصحة والعافية ويستجيب لدعائك ويحقق حلمك ، بس يا والدتي من وين هالحماس جايباه ، جيباه من المعاناة والقهر والظلم والفقر بعد ما كنا في بلادنا اسياد صار الهمل والعملاء يلعبوا فينا الشريدة والشلولو، كمان يا بني أنا ربنا اكرمني وزوجني براجل ولا كل الرجال في فلسطين ، هو من عائلة مرموقة وزعيمة وداعمة للثوار في فلسطين ، واتهمهم الإنجليز بتمويل الثوار وسجنوا كبيرهم و بعض أبنائهم اللى كانوا نشطين مع الثوار سجنوهم في السرايا بغزة ، وحكموهم بالاعدام ، لولا رحمة الله وتدخل بعض الاصدقاء من العائلات الكبيرة في غزة واللي كان ليهم كلمة ، ورفعوا عنهم الحكم بالاعدام مقابل تسليم ( البارودة) الخاصة بابنهم الثائر، وهذا الراجل اللي تزوجته مناضل وشارك في حروب فلسطين واصيب في ذراعه وانقطع عقاله برصاصة كانت جاياه على الراس ، لكن ربنا حماه وظل الدم في شرايينه بيغلي وحلف يمين أنه حيظل يقاتل اليهود حتى تحريرك يا فلسطين.. فكان قائد وملتزم باليمين ، ومن بداية الهجرة وهو مع المناضلين من قوميين وشعبيين، ورغم أن الاحتلال الإسرائيلي حبسوه العديد من السنين وفرضوا عليه الاقامة الجبرية حتى اجت السلطة في الاربع وتسعين ، رفض المناصب والمكاسب وقال شوفوا الناس والشعب شو عايز، وظل يعمل على مساعدة الفقراء والمحتاجين وتبنى عشرات الاسر، حتى انتقل الى رحمة الله تعالىٰ ، وهو بيوصي نستمر على نهجه الي يوم الدين ، كل هذا الشيء نمّىٰ لديَّ الوعي والثقافة الثورية والإنسانية ، وحب الوطن ، و الا كيف باقدر أحكي و كيف بأعرف وباعرف عن تاريخ وجغرافيا فلسطين وقريتنا حمامة ، و كيف بأقدر احكيلك هالحكي وأخرج هالذكريات من عقلي اللي بدأ ينسى ، لكن انت قادر تخرج من داخل ذاكرتي ما نسيته ...
بتعرف من هذا الراجل اللي تزوجني وعلمني و وعاني رغم انني لا اقرأ ولا أكتب رغم أنه حاول معي ذلك ، ولكن مشاغل البيت ورعاية الأولاد والأسرة كان عندي اهم من كل شيء .
هذا الراجل هو ابوك الله يرحمه ...
الله يرحمه ويرحم كل الاموات يا والدتي ، سلامتك من الهم وتسلم دموعك ودعيني امسحها لك ، بشو بدك تمسحها يا ولدي ، بورقة فاين ، أو بورقة كلينكس ، طبعاً يا أمي بورقة فاين ، لا يا ولدي ، خُذ منديل ( محرمة) أبوك ، وبيها امسح وجفف
دموعي، ماشي يا والدتي والله خليتيني ابكي ... خلينا نكمل الحكاية شو صار يا حجتنا الغالية..
كان يا بني باعتقادنا أن نبعد يوم او يومين عن البلد تنحمي انفسنا وبعدين نعود للقرية ، وعلشان هيك ما أبعدنا ، جلسنا في الكروم ليلة وبعدين اتجهنا الي قرية الخصاص اللي فيها عائلة جدتي (ظريفة) ، وقعدنا في القرية عدة أيام ، وكان كل أهالى الخصاص قد توجهوا الي مدينة غزة في اتجاه الجنوب .. لحظة ، لحظة يا والدتي ، بالمناسبة شو اخبار جدتك ظريفة هل ظلت عايشة حتى الهجرة ،
لا يبني ، هي مرضت قبل الهجرة بعدة سنوات واخذها والدي الي غزة للعلاج في (مستشفى المعمداني) ، وكانت وهي على فراش المرض والموت في المستشفي تقول لوالدي احضروا لي (ثريا) ابوسها قبل ما اموت ، ولكن كيف يحضروني من حمامة الي غزة ركوباً على الحمار مسافة اكثر من عشرين كيلومتر، فماتت وأُحضِرَ جثمانها الي حمامة حيث ورىَّ جسدها الطاهر في مقبرة القرية ، وانا حزنت عليها كثير لانها كانت بتحبني كثير وانا كمان باحبها أكثر واكثر، كيف بدهم الصهاينة والعالم ننسي بلادنا ومقابر اجدادنا ، حسبي الله وهو نعم الوكيل على كل من ظلم شعبنا واهلنا وشتت شملنا .
طيب يا والدتي كيف عرفتم بأن جدتك ظريفة قد توفت رغم المسافة بعيدة عن غزة هل حضر احداً واخبركم ؟ ، لا يا بنيّ أُرسل الخبر بواسطه برقية بالتلكس أو بأشياء اخرى الي مقر التلكس في المجدل التي لا تبعد عن حمامة اكثر من كيلو متر واحد وما كان في ناس بتقرأ في البلد بشكل جيد الا عدد بسيط ، واكثر واحد كنا نعتبره لديه مقدرة على القراءة هو (حسين صباح) فقرأ البرقية ، وبعد أن عرف والدي واقاربي واقارب جدتي بخبر وفاتها توجهوا الي غزة عبر وسيلة مواصلات ( لا اذكر أن كانت شاحنة أم باص صغير) واحضروا جثمانها ، وبناءً على توصيتها بذبح خاروف تحت نعشها قبل أن توارى التراب ، فقد تم ذلك بواسطة والدي ، أمامي وكنت في غاية الحزن عليها ، وحتى اليوم لم تغب عن ذهني واقرأ الفاتحة على روحها ، وقديش نفسي ازور قبرها ، اللي اليهود بعد ما دخلوا واحتلوا القرية دمروه كما دمروا كل شيء فيها ، لأنني ذهبت في عام ١٩٦٨ وزرت حمامة وبدى احكيلك شو صار معي ومع سيدك (والدي) ووالدك وخالك عندما وصلنا حمامة في صيف عام ١٩٦٨ ، وكأننا غادرنا القرية اليوم ، ماشي يا والدتي خلي هذا الموضوع بنحكي فيه بعدين ، لذلك خلينا نكمل ، شو يا والدتى بعد ما قعدتم في قرية الخصاص عدة أيام ، بقيتم فيها ولا رحلتوا عنها ، يا بني كل اهل الخصاص كانوا قد رحلوا ، فقال والدي ، خلينا نخرج ونذهب الي غزة فبدأنا التحرك الي غزة ولم يكن لدينا أيّ شيء فجميع العفش ، وكل ما يتعلق بالزراعة بقيت في بيوتنا في القرية باستثناء الحمار الوحيد لدينا ، كان يركب عليه اخوتي الصغار لعدم تمكنهم من السير على الاقدام المسافة الكبيرة التى تبعدها الخصاص وحمامة عن غزة ، ولم نأخذ معنا إلا بعض الفلوس التي كانت مع والدي ، وبعض الفلوس المعدنية تم وضعها في طاقة (حفرة فى الحيط ) ، امتت والدتي بحفرها في جدار الغرفة وتم وضع هذه العملة في قدرة فخار صغيرة وأغلقت الطاقة عليها بالطين ، وذلك للحفاظ عليها من السرقة ، على أمل العودة الي الديار بعد يوم او يومين .
كانت الطريق تعج بأهالي القرى المحيطة بالمجدل وبعض سكان المدن البعيدة مثل يافا واللد والرملة ، والذين قرروا التوجه الي قطاع غزة ، وكان هناك طريقين يسلكها الناس للذهاب الي قطاع غزة ، الاول عن طريق ساحل البحر والذي كان اكثر اماناً لعدم وجود يهود وآليات عسكرية خاصة لهم ، والطريق الثاني هو الطريق الرسمي المؤدي من المجدل الي القطاع والذي كانت مصفحات اليهود تمر عليه او بالقرب منه لوجود بعض البؤر الاستيطانية في المنطقة وتقوم بحراستها وتزويد سكانها بالمواد التموينية و الذخائر، فكانت هذه الدوريات تطلق النار على السكان المهاجرين فأصابت منهم اعداد من الشباب والنساء والشيوخ كما قتل البعض أيضاً ، سلك والدي ونحن معه الطريق الاكثر أماناً وهو طريق ساحل البحر، وقد كان السير متعباً جداً غير الجوع والعطش الذي ألم بالناس من حالة التشرد ، التي لم يكن عزائهم فيها الا أملهم بالعودة إلى قراهم بعد يوم او يومين ،
ومع دخول الليل وبعد انقضاء منتصفه تقريباً ، حط بنا الترحال في غزة وبمجرد أن وصلنا غزة جلسنا في حوش صغير موجود بداخله طيور الحمام والدجاج ، ولكن لم نتحمل البقاء هناك بسبب الحشرات المختلفة ، فتوجهنا ليلاً الي مكان آخر في الشجاعية ، وهو ( حوش حنا الطويل ) وفي هذا المكان وبعد عدة أيام ، قامت جهات أجنبية بتسجيلنا في قوائم وأصدروا لنا بطاقات تموين ، ثم قاموا بتوزيع المواد الغذائية من دقيق ومعلبات وبعض الخيام ، وبذلك تحسنت حياة الناس بشكل بسيط ، وبعد عدة أسابيع ألقت بعض الطائرات الإسرائيلية بعض القنابل على معسكر للجيش المصري لا يبعد كثيراً عن الحوش ، فتسبب في قتل رجل وامرأة من المهاجرين ، فقرر والدي بمغادرة المكان فتوجهنا الي أحد الاحراش التي كانت منتشرة في القطاع واستقر بنا الحال في الاحراش التي كانت موجودة في جنوب شارع عمر المختار الحالي والكتيبة المصرية ومدرسة الشيخ عجلين الت أُنشأت فيما بعد والتي لم تكن موجودة أصلاً ، وهي منطقة الكتيبة التي أنشأها الجيش المصري بعد توليه إدارة قطاع غزة بعد اتفاقية الهدنة المعقودة بين اسرائيل ومصر والأردن ولبنان وسوريا عام ١٩٤٨ ، والتي بموجبها تم وقف إطلاق النار ، وتحديد حدود القطاع ، ومنع أيّ تحرك للناس اتجاه مدنهم وقراهم ، كانت الغابة مخيفة ومظلمة وجميع الأرض مليئة بالاعشاب والشوك الكثيف ، واستقر بنا الأمر تحت شجرة كبيرة متشابكة مع الأشجار الأخرى ، ورغم التعب الذي نعاني منه طلب والدي من الجميع بتنظيف جزء من الأرض يتسع لنا مع بعض الاسر الاخرى من الأقارب ، ومن ثم تم فرد بعض قطع القماش والبُسط التي جُلبت معنا وتم النوم عليها ببعض الأغطية البسيطة ، و كانت الحسرة والألم يعتصر قلوب الجميع ، أمضينا تلك الليلة ، وفى الصباح ذهب والدي الي رفح حيث قام بشراء عدة خيام وتم نصبها في المكان الذي تم تنظيفه في الغابة واستقر بنا الحال هناك حوالي خمسة اشهر، وكان الناس يبحثون عن بعضهم الذي بعثرته الهجرة وبدأوا يتجمعون حول بعضهم البعض ويتنقلون الي اماكن تؤمن لهم الامان والماء ، مضى يوم ويومين وشهر وشهرين وسنة وسنتان ، و الناس تتلقط أيّ خير يطمئنهم على حالهم ومستقبلهم ، ولكن لا امل ولا جواب لأسئلتهم ، بدأ الناس يحاولون الاستقرار في أماكن مختلفة والبعض الآخر احتضنتهم بعض الاسر من غزة وبعضهم اسكنهم بيوتهم او بياراتهم واغدقوا عليهم بالاكل والشرب ، وهذا لم يكن مقصوراً على أهل غزة فقط بل على معظم السكان المواطنون في معظم قرى القطاع والبلدان المختلفة، استمر هذا الحال على ما هو عليه وبعض من الناس من الذين اصطحبوا معهم نقودهم ، كانوا يصرفون منها لشراء مستلزماتهم الغذائية والحياتية وهي بطبيعتها بسيطة جداً ، في حين بعض المهاجرين نفذت أموالهم أو هم فقراء أصلاً ، لم يكن لديهم ما يمكنهم من شراء الأكل فكان الأقارب والأصدقاء ممن يمتلكون الامكانيات يقومون بالصرف عليهم ، امتلأت الاحراش بأعداد كبيرة من المهاجرين فكانوا بقطعون الأشجار ويستخدامونها وقوداً لطهي الطعام وتجهيز الخبز في افران طينية صغيرة قاموا ببنائها ، لكن من اين لكم يا والدتي الدقيق أو الطحين ، منذ وكنا في حوش حنا الطويل بدأت جهات أجنبية ما بعرف إسمها سمعت والدك بيقول بأنها (الكويكرز) توزع الدقيق وجميع انواع المعلبات وخلال فترة تواجد المهاجرين في الاحراش واستخدامهم الأشجار للنار أصبحت الاحراش عبارة عن مساحة أرض فارغة ، مما دعا الجيش المصري بالطلب. من الناس مغادرة المكان ، وفيما بعد علمنا بأنهم يريدون استخدامه لبناء مقر للكتيبة وبناء بعض المؤسسات .
هذا وبعض العائلات التي كانت تمارس مهنة الصيد في حمامة وجدوا يقربهم من البحر ضالتهم وخاصة من أحضروا معهم بعضاً من شباك الصيد والمراكب الصغيرة ، فبدأوا يمارسون مهنة الصيد مما وفر لهم غذاءاً ودخلاً مادياً ٠
وبعدين وين توجهتم يا والدتي ؟
ذهب والدي يبحث عن مكان آخر لنستقر فيه ، فوجد مساحة كبيرة من الأراضي فارغة في منطقة (أبو خضرة الحالية) ومقابل مبنى السرايا وغرب منتزه البلدية مع توفر خطوط مياه ، فانتقلنا لهذا المكان وقمنا بنصب خيامنا فيه وتجمع اعداد اخرى من المهاجرين واستقروا في هذا المكان ، ولكن حضر الي المكان رجل اجنبي يبدوا أنه تابع للأمم المتحدة ومعه مترجمين وطلبوا من الحضور تسليم بطاقات التموين التي حصلوا عليها وهم في حوش حنا الطويل ، وبعد جهد اقنعهم بتسليم بطاقاتهم لأنهم يريدون تزويدهم بخيام كبيرة تتناسب وعدد أفراد كل أسرة ، وبالفعل خلال يومين قاموا باحضار الخيام وساعدوا في نصبها وتزايد عدد المهاجرون وامتد إلى جهة الشمال حتى الي ما بعد منطقة كلية غزة الحالية ، وأصبح عنوان المكان مرتبطاً باسم عائلة الشوا التي تمتلك بيتاً كبيرةً ههناك و كان مقابلاً لتجمع المهاجرين فاطلق عليه إسم (كامب الشوا) ٠
فى البداية لم يكن المهاجرين يتوقعون بأن مدة غيابهم عن بلداتهم سوف تطول ، وفي ظل حاجتهم الخاصة للغذاء في فبدأ العديد منهم بشكل منفرد التوجه الي بيوتهم في القرية لجلب بعضاً من القمح والشعير و الذرة والمُخزنة فى بيوتهم ، والبعض الآخر كانوا يُحضرون بعضاً من الفراش والبُسط والملابس لإستخدامها في أماكن تواجدهم فى غزة ، وكان الكثير ممن يعودون للقرية لإحضار تلك الأشياء يمرون إلى بيوت غير بيوتهم ليأخذوا ما هم بحاجة إليه ، خاصة وأن القرية كانت خالية من السكان ولا أحد يعلم ما يدور بمنزله فى القرية ، هذا وبقىَّ الناس يقومون بهذا العمل ويذهبون إلى القرية عدة أشهرتقريباً ، وكانت أعدادهم تقل مع مرور الوقت بسبب إنشغالهم بترتيب أمور حياتهم الجديدة في غزة ، كما أن اليهود بدأت حركة مصفحاتهم تدخل إلى القرية .
وأما بالنسبة لقريتنا حمامة فكان اليهود حاقدين عليها بسبب أن مسلحيها كانوا من أشد المقاومين لهم فى المنطقة ، لدرجة أن كانت رحلاتهم إلى بؤرهم الإستطانية فى المنطقة وفى جنوبها تتعرض لإطلاق النار وتُمنع من الوصول إلى تلك البؤر الإستتيطانية ، لذا لم يتمكنوا من دخول القرية رغم خلوها من السكان إلا بعد أكثر من سنة ودخلوها تحت إطلاق نار كثيف منهم فقتلوا وأصابوا عدداً من السكان الذاهبون إلى القرية لإحضار بعضاً من أشيائهم ، وأما من تبقى فى القرية والقرى المجاورة ، قاموا بتجميعهم مع من تبقى من سكان المجدل ، وبعد ذلك إسطحبوهم إلى منطقة اللد والرملة ، وفرضوا عليهم وعلى غيرهم من الفلسطينيين الذين تم تجميعهم ، فرضوا عليهم حصاراًعسكرياً ومنعوهم من الخروج أو التنقل إلى أيّ مكان آخر ، فى حين البعض ممن بقوا فى المجدل طلبوا أن يتم ترحيلهم إلى قطاع غزة ٠٠٠ وبالمناسبة يا بنيّ خالة والدك وهي من حمامة أصلاً ومتزوجة فى المجدل عادت إلى غزة بعد حوالى سنتين من تاريخ هجرتنا ٠
لو سمحت يا والدتى ، لماذا لم يقم السكان بالعودة إلى حمامة بشكل جماعى ؟
كان هناك توجه للعديد من الناس بالعودة إلى قريتهم وبيوتهم ، ولكن كان الخوف والدعاية التى تُبث من البعض تغير مواقف الناس من العودة خوفاً على حياتهم ، خاصة وأن الطريق للعودة إلى القرية كانت غير آمنه ، فقد قُتل العديد من النساء والرجال ممن سلكوا الطريق الرئيسي أثناء ذهابهم لإحضار بعضاً من أشيائهم ، كما أن حالة شبه التحسن التى طرأت على أوضاعهم المعيشية عن حياتهم فى أوائل أيام الهجرة ، وكذلك الخوف من إجتياز الحدود والذى أصبح واقعاً مؤلماً ، كل ذلك كان يزيد من حالة التردد فى العودة للقرية ، خاصة وأن بدأت الأخبار تتوالى عن إجتماعات لهيئة الأمم المتحدة ( الجمعية العمومية ومجلس الأمن ) ، وتعلن عن قيامها بالإجتماعات لتدارس أوضاع اللاجئين الفلسطينيين ، وصدقني يا بنيّ بأن هذه الإجتماعات كانت عبارة عن حقن بنج ومخدره للناس لتنمية الأمل لديهم بأنهم على وشك الحصول على قرارات بالعودة لمدنهم وقراهم ،، وأتضح الأمر فيما بعد أن كل ذلك كان الهدف منه إعطاء فرصة لليهود لتمكينهم من السيطرة على المنطقة بشكل أقوى ٠
ما جاوبتينى يا والدتى على سؤالي لك ألم تذهبى في البداية إلى القرية لإحضار أيّ شيء من عفش بيتكم أو الحبوب والقمح أو غيرها ؟
لا بالعكس يا بنيّ ، أنا ذهبت للقرية ثلاثة مرات ، وآخر مرة ذهبت فيها كانت أنا وعمتي إلى حمامة راكبتين الحمير ، ووصلنا القرية التى كانت خالية تماماً من السكان ، بأستثناء بعضاً ممن حضروا للحصول على أشياء يأخذونها حتى لو من بيوت غير بيوتهم ٠
كان المكان موحشاً و محزناً و مؤلماً جداً ، جلسنا أنا وعمتي نبكى بحرقةٍ مدة ساعة تقريباً حيث كنا نسمع إطلاق نار بعيد ومتقطع ، فقررنا العودة إلى غزة ، إلا أن عمتي رفضت العودة إلى غزة وأصرت على البقاء فى القرية ، وبدأت تُلملم بعضاً من القمح المتبقى فى البايكة ، حيث كان كل مخزونهم من القمح وغيره من الحبوب قد أُخذ من قِبَل الناس اللذين كانوا يترددون على القرية ويستأجرون جمالاً من غزة لنقل القمح وأشياء أخرى يأخذونها من منازل غيرهم ٠
ذهبتُ أنا إلى غرفة أبي أبحث عن أغراضه وبندقيته ، فلم أجد شيئاً منها ، ومع إقتراب صوت إطلاق الرصاص وبِدء إنتهاء النهار بدأ الخوف يتسلل إلينا ، مع تنامي الظن لدينا بأن اليهود يقتلون كل من يشاهدونه فى الطريق فقررنا العودة إلى غزة وبسرعة ومن خلال نفس الطريق ، وهو طريق الساحل ، وقد أخذوا معنا بعض الأشياء التى قد نحتاجها فى غزة فكان ( الغربال و الجاروشة أيّ الطاحونة ) و بعض القمح ٠
ما أن وصلنا المكان الذي إستقرفيه والدي والأسرة تفاجأنا بضجةٍ كبيرةٍ وتحسبٍ
وانتظار فى المكان ، كان يظهر من بين الحشد والدى ووالدتي وهما في حالةٍ كئيبةٍ ممزوجةٍ بحسرةٍ بادية علي وجهيهما ، وما أن تلاقينا إحتضنانى وقد غمرة دموعها وجنتيَّ ، فبادرت بسؤالهما ، شو اللى صاير مالكم حالكم مزعوجين ، قال والدي وصلتنا أخبار بأن اليهود قد قتلوا إثنين من النساء فكنا نظن بأنكما القنبلتين ،ضَحِكتُ
وقلت يا والدي نحن سلكنا طريق ساحل البحر اللى ما فيها يهود حتى الآن ٠
بعد ذلك أخذ والدي قراراً بعدم الذهاب إلى القرية التى لم يعُد بها غير المنازل الخاوية والمحروق بعضها ، خاصة وأن اليهود من شدةِ حقدهم على حمامة وأهلها ، قاموا بردمها بالتراب ، ولم يبقَ من معالمها سوىٰ جزءاً بسيطاً من المقبرة والمدرسية . وأقاموا فيما بعد على معظم أراضيها الزراعية بيارات حمضيات ٠
يعطيكِ العافية يا أمي ، وأسمحي لى أن أُغادرك الآن ، لأننى لديَّ بعض الإلتزامات
ماشى يا بنىّ ، عن شو حابب نحىفى اللقاء القادم إن شاء الله ٠
أولاً ربنا يعطيكِ الصحة وطول العمر ، وخلينا نحكي عن كيف عرفت عن أن اليهود ردموا القرية بالتراب وزرعوا معظم الأراضى الخاصة بالقرية زرعوها بالبرتقال ، وحابب نحكي عن كيف أصبحت حياتكم فى غزة ، وكيف بدأ الناس يتكيفون مع حياتهم وظروفهم الجديدة فى غزة ، وما هي الأعمال التي كانوا يمارسونها ، وعن التعليم وعن الصحة والعادات والتقاليد ، وعايز نحكي عن نشأة كالة غوث وتشغيل اللاجئين ودورها وكيف الناس تعاملوا معها ، وعن دورها فى إنشاء مخيمات اللاجئين وخاصة المخيم الذى سكنتم فيه ، وأظن أنه مخيم الشاطئ٠
ماشى يا بنيّ ،، تصبح على خير ،، وأنت من أهل الخير ٠