غزة المتعبة المنهكة المكلومة الحزينة المتمردة التى تزدحم بأزمات ومشاكل وهموم فوق الوصف تحتضن اجتماعات حكومة التوافق الوطني , والفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني , حيث تشكل الزيارة الثانية لرئيس الحكومة "رامي الحمد لله " والوفد المرافق له مفاجئة من حيث الاعلان عنها قبل يومين فقط من اقرارها وتنفيذها فى الوقت المحدد لها اليوم "الاربعاء الموافق 25/3/2015م , بعدما لم يتم الاتفاق على زيارة وفد م.ت.ف الى غزة و الاجتماع مع القوي و الفصائل الفلسطينية وصولا لتفاهمات تُفضي الى وضع حلول عملية لازمات ومشاكل تغرق فيها غزة منذ 9 سنوات هي عمر الحصار الاسرائيلي الجائر علي غزة , و8 سنوات من عمر انقسام بغيض لطالما تنتظر غزة وأدهما , ومعالجة ذيولهما و اثارهما التدميرية على مجمل نواحي الحياة مع انعدام أي افق يلوح فى الافق وجاء الاعتداء الهمجي الاخير الذي استمر مدة 51 يوماً ليزيد الطين بِله مع ما واكبه من تدمير ممنهج لبيوت المواطنين وارتكاب جرائم الحرب , ونزوح مئات الالاف ممن يقطنون المناطق الحدودية الى داخل المدن وانتهاء الامر بجزء منهم فى كرفانات من المعدن لا تتوفر بها سُبل العيش الكريم , واخرون باتوا فى مخيمات للإيواء تديرها "الأونروا" يعيشون ظروفاً مأساوية صعبة شارف مرور عام على ما حل بهم دون وجود ما يؤشر على قرب انتهاء ازماتهم و اعادة بناء ما هدمته الالة الحربية الاسرائيلية بفعل القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على دخول مواد البناء الى غزة على الرغم من وضع العديد من الخطط لأجل ذلك دون ان تتمكن خطة "روبرت سيرى" منسق الامم المتحدة و المتابع لملف الاعمار من تحقيق امال الغزيين بإعادة اعمار ما هدمه الاعتداء الهمجي , وبقي ملف الاعمار يراوح مكانه على الرغم من ما اقره مؤتمر المانحين الدوليين فى منتصف تشرين الاول من العام المنصرم 2014م والذى اقر مبالغ قُدرت ب5.5 مليار $ دون ان يتحقق تدفق الاموال لإعادة الاعمار و بقيت نتائج المؤتمر حبرا على ورق لم يصل خزينة السلطة الوطنية 10% من المبالغ المقررة بحسب ما صُرح عنه سابقاً, وبالتالي اضاف هذا التأخير فى اعادة اعمار غزة مزيدا من الصعوبات و التعقيدات الى ملف ازمات غزة المتلاحقة و المتواترة و المتجددة يومياً تضاف الى ملف اعادة الاعمار واهمها المعابر المغلقة, وقطاع الكهرباء والمياه , والبطالة و تفشي الفقر وتداعياته الاجتماعية , والشلل التام فى المرافق الاقتصادية والخدماتية و الانشائية و البني التحية.
حكومة التوافق في غزة اليوم مرحباً بها ولكن هنالك اسئلة عديدة يسألها المواطن الفلسطيني المقيم على ارض غزة الجريحة و يحمل هم القضية الفلسطينية و شعبها اينما يتواجد و عيونه ترنو نحو التحرر و الانعتاق من الذل و الهوان و لأجل ذلك صمد و صبر وقبض على الجمر كما توأمته غزة لكن يتسأل ويوجه ذات الاسئلة لرئيس الحكومة وللوفد المرافق و لا يستثني كل قيادات الشعب الفلسطيني ماذا فعلتم لأجل غزة و اهلها لترفعوا الظلم والبغي عنها ..؟ , وماذا تحملون في جعبتكم من حلول لأزمات غزة..؟ غزة يا سادة يا كرام لم تعد تقتنع بأسلوب التسويف و المراوغة واذا نظرتم من نوافذ الفنادق الفارهة التي لا يمكن الا لقلة قليلة ان تطأها اقدامهم ونظرتم الى البحر ستشعرون كم هو هادئ ساكن يدفع لمن اراد ان يقضي وقتا فى السباحة و الاستجمام , لكن في ذات الاطار يحمل هماً ويموج قلبه بكثير من الاختلاجات ما ان تحركات دواماته وارتفعت امواجه ابتلع كل شيء امامه , وحال غزة كحال بحرها , ما يستدعي من الكل الفلسطيني حكومة و فصائل وطنية و اسلامية ومؤسسات مجتمع مدني و مستقلين وكل عموم الشعب الفلسطيني بكل قواه الحية ان تتضافر جهودهم لأجل انهاء حالة بائسة فى غزة سببها الحصار و الانقسام و الاستقطابات و التجاذبات و اللعب على التناقضات ,والمصالح الفئوية الضيقة ..
المحك الرئيس امام اجتماعات حكومة التوافق الوطني والقوي الفلسطينية هو الالتزام الفعلي بمعالجة مشاكل غزة , وتذليل العقبات امام المصالحة الوطنية , ومواجهة مشاكل غزة بمسؤولية وطنية عالية وفق رؤيا صادقة و حقيقية تتوفر فيها الارادات وتُغلب فيها المصالح العليا على حسابات الكسب و الربح و الخسارة و الاخفاق الفصائلي والبعد عن المزاجيات والفئوية القاتلة , وتجاذبات الساسة و السياسة وايجاد واقع من الاجماع الوطني الصادق يوفر البيئة السليمة لبسط حكومة التوافق الوطني سيطرتها على قطاع غزة وتضلع بمهامها و تعمل على ايجاد حلول سريعة و آنية وعاجلة لأزمات يمكن حلها و خاصة قطاع الكهرباء و المياه , وحل معضلة المعابر واهمها معبر رفح البري مع مصر وفق اليات اتفق عليها و لكنها تحتاج لترجمة تتمثل بعودة حرس الرئيس للمعبر وتشغيله من جديد وبالتالي السماح بحرية الحركة و التنقل للمواطنين , ولتحقيق هذه المطالب المشروعة لابد من توافق وطني امين وجدى .
نأمل من حكومة التوافق الوطني ان تحمل بين حقائبها المثقلة بالملفات و الاوراق و الخطط الاستراتيجية والانمائية ان تكون غزة حاضرة في اوراقهم , وان يقدموا حلولا تخفف عن كاهل غزة ما تتحمله , وتساهم في وضع اليات عملية لتحقيق ذلك , وان تحمل الامل بإعادة اعمار ما هدمته الاعتداءات الهمجية المتكررة , وتحقق تقارب ملموس في وجهات النظر تُفضي الي تحقيق وحدة حقيقية تَصدق فيها النوايا وتُترجم بالأفعال وفق ما تقتضيه متطلبات الوحدة و الشراكة السياسية والوطنية للكل الفلسطيني لأن ما يَجمعنا الوطن وهو اكبر من كل المناكفات السياسية و القذف و التشهير الإعلامي , والبحث عن المكتسبات الضيقة , والا تكون زيارة بروتوكولية تفقدية لا تفضي لشيء حينها ستكون النتائج عكسية خاصة مع ما سبق وواكب الزيارة من اخبار بثت امال من وسط الهموم المثقلة فيها بغزة بقرب انتهاء ازماتها ومشاكلها , وإلا لن تحتملوا غضبة البحر..