عندما يشرع البرلمان التركي في الثاني من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الجاري ، قيام الجيش بعمليات عسكرية ضد داعش فى العراق وسوريا ، والسماح لقوات التحالف الأمريكي باستخدام الأراضي التركية للقتال المزعوم ضد هذا التنظيم الارهابي ، بأغلبية 298 عضوا مقابل 89 عضواً ، فإنه يستهدف عملياً احتلال المناطق الحدودية مع سوريا التي يبلغ طولها 822 كيلومتراً، ويتطابق تماماً مع الكنيست الإسرائيلي K الذي شرع ضم هضبة الجولان في زمن حكومة رئيس وزراء العدو الصهيوني الأسبق مناحيم بيجن في ديسمبر/ كانون أول 1981 ، والذي شرع ولا يزال يشرع الاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة .. هذا ( أولاً ).
(وثانيا) : فإن تركيا تتماهى مع (إسرائيل) ، في أحتلال الارض العربية بحجة إقامة المناطق العازلة ، فبعد استمرار احتلالها للواء الإسكندرون السوري العربي ، تسعى من خلال قرار برلمانها الأخير ، أن توظفه لاحتلال المناطق الحدودية مع سوريا ، بذريعة إقامة مناطق عازلة تحول دون دخول مقاتلي داعش للأراضي السورية .
وقد سبق وأن أعلنت الحكومة التركية على لسان أكثر من مسؤول فيها ، أن الهدف الحقيقي من إقامة المنطقة العازلة، هو تحويلها إلى منطقة آمنة للتدريب والدعم اللوجستي لمجاميع الارهاب ، وعمل منطقة حظر جوي فوقها ، تحول دون قصف الطيران الحربي السوري لها. وتركيا بهذا القرار تواصل دورها ، في توفير الدعم لمجاميع المعارضة الارهابية المزعومة بعد أن شكلت ولا تزال تشكل ، عمقاً استراتيجياً لفصائل الارهاب وعلى رأسها " داعش".
أما (اسرائيل ) فهي أول من شكل منطقة عازلة في الجنوب اللبناني ، بعد عدوانها على الجنوب عام 1978 ، بتنسيق مع جيش جنوب لبنان الجنوبي العميل الذي أقامه كل من سعد حداد وأنطوان لحد ، لحماية المستوطنات الإسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة 1948 من هجمات المقاومة الفلسطينية ، ثم من هجمات وعمليات المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله .
وقد كشفت (إسرائيل) عن مخططها لإقامة منطقة عازلة في جنوب سوريا ، بالتنسيق الكامل مع تنظيم جبهة النصرة الارهابي ، وفي سبيل ذلك قدمت كل أشكال الدعم اللوجستي والتسليحي لإرهابيي هذه الجبهة وغيرها ، بما فيها تقديم صواريخ تموز وغيرها من الأسلحة المتوسطة والخفيفة لهم ، وحمايتهم بمظلة " الباتريوت " الإسرائيلية ، لتمكينهم من إقامة هذه المنطقة ، ما مكنها من طرد مراقبي الأمم المتحدة من منطقة " فك الاشتباك " واحتلال مساحات واسعة من نقاط التماس مع العدو الصهيوني في هضبة الجولان المحتلة.
ثالثاً : أن تركيا والكيان الصهيوني ، يتطابقان في نفس التحالفات والأهداف حيال سورية فبينما تبنت حكومة أردوغان ما يسمى بالمجلس الوطني السوري ، وتالياً ما يسمى بالائتلاف المعارض المزعوم ، وقدمت لهما كل أسباب الدعم السياسي والعسكري ، وكذلك دعمها الكامل لمختلف فصائل الارهاب وعلى رأسهما تنظيمي " جبهة النصرة " " وداعش" بهدف إسقاط النظام العروبي في سورية ، وحيث لم يتوقف أردوغان عن التصريح بأن أولى أولوياته هو إسقاط النظام السوري .
نرى أن ( إسرائيل) تتشارك مع تركيا في ذات التحالف مع الائتلاف السوري المزعوم ومع فصائل الارهاب ، بهدف إسقاط النظام في سوريا ، فهي منذ بداية الأزمة تعالج جرحى تنظيم جبهة النصرة وغيرهم في مستشفياتها ، وتمدهم بكل أسباب القوة العسكرية ، وتنسق معهم سياسياً وعسكرياً ، ولعل تصريحات ممثل الائتلاف المزعوم كمال اللبواني بشأن المساومة على الجولان ، وزيارته للكيان الصهيوني قبل أيام بذريعة المشاركة في مؤتمر لمكافحة الارهاب لمؤشر على هذا التحالف .
وفي الذاكرة أيضاً اللقاء السابق في اسطنبول، بين عضو كنيست إسرائيلي عن حزب شاس يعقوب مرجي وبين محمد عدنان ، المعارِضٌ السوري المزعوم - الذي يترأَّس فصيلاً ارهابيا - بوساطة مساعد الوزير الاسرائيلي السابق ايوب قرا مندي الصفدي ، وذلك لتنسيق التعاون والتنسيق بين المعارضة السورية المزعومة ومع حكومة العدو الصهيوني.
ولم يخف العدو الصهيوني ، عن توجهه لتعميق التحالف مع جبهة النصرة وغيرها فقد قال ضابط رفيع المستوى في قيادة المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال ، ان سيطرة المعارضة السورية على ثمانين بالمائة من منطقة الحدود مع سورية ، هي فرصة لعقد تحالفات بين الجيش "الاسرائيلي" وما أسماهم المعارضين المعتدلين .
وفي إطار هذا التحالف بين العدو وفصائل الارهاب ، تلقفت الأخيرة خبر سقوط طائرة سوخوي السورية ، من قبل صواريخ الباتريوت الإسرائيلية بفرح كبير ، وسارعت إلى مباركة الاعتداء وتوجيه الشكر إلى (إسرائيل) وطالبت بالمزيد من الإجراءات ضد الجيش السوري.
وفي حديث مع موقع صحيفة "معاريف" على الإنترنت ، عبّر مصدر رفيع المستوى في المعارضة المزعومة ، عن أمله في أن يشكل إسقاط الطائرة "باكورة عمل لسياسة جديدة من جانب تل أبيب ، تشمل فرض حظر جوي على المنطقة، وتحديداً في سماء الجولان"، وأضاف المصدر أن "عمليات مماثلة تشكل عوناً كبيرا لناً ، وتُسهم في مستقبل جديد بكل ما يتعلق بالعلاقات بين (إسرائيل) وسورية.
ورابعاً : فإن كلاً من تركيا ( وإسرائيل) تستهدفان من تحالفهما مع فصائل الارهاب في سورية ضرب حركات المقاومة في المنطقة الصديقة ، أو المتحالفة مع النظام السوري .. كيف ؟
فتركيا تعمل بجد ، على توظيف تدخلها العسكري في شمال سوريا ، تحت عنوان محاربة داعش ، لتحطيم بنية الارتكاز لحزب العمال الكردستاني ، وما الهجوم الكبير الذي شنه تنظيم داعش على منطقة عين العرب " كوباني " السورية بدعم تسليحي هائل من تركيا ، ما مكنه من احتلال غالب القرى المحيطة " بكوباني " (البالغ عددها 380 قرية) ، إلا مؤشر على ذلك.
كذلك فإن ( إسرائيل ) تعمل بجد ، لتوظيف تحالفها مع تنظيم جبهة النصرة الارهابي وغيره من أجل ضرب المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله – الحليف الاستراتيجي لسوريا – ولعل الخطة الإسرائيلية الهادفة إلى مد المنطقة العازلة ، التي تعسكر فيها جبهة النصرة وأخواتها باتجاه مناطق في جنوب لبنان مروراً بجبل الشيخ – بهدف مناوشة وإشغال حزب الله إلا مؤشر على ذات المشاركة ، لكل من تركيا والكيان الصهيوني ، في نفس التحالفات .
بقي أن نشير إلى أن قرار البرلمان التركي الأخير ، يتجاوز ميثاق الأمم المتحدة وموافقة مجلس الأمن ، بدعم من الإدارة الأمريكية ، ويتماهى هنا مع رفض ( إسرائيل) لكل قرارات مجلس الأمن المتصلة بالصراع العربي – الصهيوني بدعم لا محدود من الإدارات الأمريكية.
في ضوء ما تقدم لا بد من التأكيد على ما يلي:-
أولاً : أنه ومثلما يجري التعامل مع ( إسرائيل) بأنها عدو على قاعدة من صراع الوجود ، فلا بد من التعامل مع نظام حزب العدالة والتنمية الاسلاموي في تركيا ، بأنه عدو لسورية وللأمة العربية ، على قاعدة رفض العودة للهيمنة الاستعمارية العثمانية المتخلفة الجديدة ، المتحالفة مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة.
ثانياً: أنه إذا أجازت بعض القوى القومية واليسارية لنفسها ، البقاء على الحياد في ظل قراءتها المغلوطة للأزمة السورية ، فإنه من العار عليها أن تبقى صامتةً حيال التدخل العسكري المرتقب في الأراض السورية بعد قرار البرلمان التركي الأخير.