تقتحم الرياضة مفردات حياتنا، تكاد لا تترك باباً إلا وتلج من خلاله إلينا، لم يعد الجيل الشاب فقط هو من يلاحق أخبارها، وفي ذات الوقت عجزت الجغرافيا عن بسط سيطرتها وفرض إرادتها على قاطنيها، فباتت تحمل من صفات العولمة الشيء الكثير، وكما اقتحمت عالم الاقتصاد والمال، يبدو أنها مقبلة على طرق باب السياسة بقوة، الانتخابات التي شهدها الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" مؤخراً حملت من النكهة السياسية ما لم يسبق لها أن حملته.
لا شك أن حمى الرياضة وبالتحديد كرة القدم التي تجتاح العالم تصل بعدواها إلى قطاع غزة، وانخراط شباب غزة في متابعة كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالأندية الرياضية الغربية الآخذ بالتصاعد السريع، لا يتعلق فقط بمتابعة عالم الرياضة بكل ما فيه من متعة، بل لما توفره لهم من مساحة زمنية تخرجهم من الواقع المرير الذين يعيشونه، ذلك الواقع الذي دفع نصف سكان القطاع للتفكير في الهجرة حسب نتائج الاستطلاع الأخير الذي نفذه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، وهي نسبة مرعبة بكل المقاييس، حيث لم يسبق لمسألة الهجرة أن تغلغلت في التفكير بهذا القدر، حتى خلال سنوات الاحتلال الأكثر قتامة في تاريخ شعبنا.
انتشرت في الآونة الأخيرة في قطاع غزة ظاهرة تشييد الملاعب الصغيرة، لم تفعل ذلك الأندية الرياضية أو المؤسسات الرسمية المعنية بالواقع الرياضي، بل تكفل بها القطاع الخاص، لم يكن الغرض منها توفير ملاعب معشبة لتشجيع الرياضة وتنمية المواهب، بقدر ما كان العامل الاقتصادي هو الدافع لها، ففي ظل نسبة البطالة المرتفعة التي لم يسبق للمجتمع الفلسطيني أن اقترب منها، وفي ظل غياب كامل لفرص العمل أمام الخريجين، عمل البعض على اقتحام هذا المجال، حيث يشترك عدة أشخاص في تحمل نفقات تشييد الملعب، والذي تصل تكلفته ما بين 60 _ 80 ألف دولار، ويقع في الغالب على مساحة ألف متر مربع، ليتم تأجيره لاحقاً بحدود عشرة دولارات للساعة الواحدة، خلال الأشهر القليلة السابقة تم تشييد العشرات من هذه الملاعب في قطاع غزة، وهي آخذة بالازدياد والانتشار في الأحياء المختلفة.
عادة ما تعتمد المجتمعات في بناء قدراتها الانتاجية على الشباب، والمجتمع الذي يتحول فيه الشباب إلى جيش من العاطلين عن العمل، يتوسع سنوياً بالتحاق الآلاف من الخريجين إليه، دون أن يلوح في الأفق بوادر لمعالجة قضاياهم وفي مقدمتها القضية المستعصية "البطالة"، حينها تصبح الهجرة من الوطن ملاذاً لا بد منه حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر.
أظهرت نتائج الاستطلاع السابق مطلع الشهر الحالي أن معدل الاحباط في قطاع غزة كبير جداً وهو أكثر من اي وقت آخر.
من الواضح أن الجميع يحمل اليوم الانقسام دون سواه مسؤولية الأزمات التي نعاني منها، والحقيقة التي يجب علينا أن ندركها أن البطالة التي استشرت في المجتمع الفلسطيني تحولت إلى كرة ثلج آخذة بالتضخم، فإن كنا عاجزين عن تفتيتها فعلى الأقل مطلوب اليوم قبل الغد وقف تدحرجها.