تاريخ النشر: 2026-08-31 | 13:44
تاريخ النشر: 2026-08-31 | 13:44
ليست أخطر معارك الفلسطيني اليوم تلك التي نراها بأعيننا فقط.
فالاعتداء على الأرض واضح، والمستوطن المسلح معروف، والبؤرة الاستيطانية تُرى من بعيد. لكن الخطر الأكبر يبدأ عندما تنتقل عملية الاستيلاء من الميدان إلى المؤسسات، ومن القوة إلى القانون، ومن السيطرة على الأرض إلى محاولة التحكم في الرواية والقرار والمال.
وهنا يصبح السؤال مختلفًا:
ماذا يحدث عندما لا يكتفي الاحتلال بمنع الفلسطيني من أرضه، بل يحاول أيضًا أن يقرر من هو صاحب الحق فيها، وكيف يتعامل القضاء الفلسطيني مع من يفرّط بها؟
هذه هي النقطة التي تستحق التوقف.
ففي الوقت الذي تتعرض فيه الأرض الفلسطينية لاعتداءات متواصلة، ظهرت أمامنا صورة أكثر تعقيدًا: تدخل القضاء الإسرائيلي في قضية ترتبط بأحكام القضاء الفلسطيني المتعلقة بتسريب الأراضي، وصولًا إلى اقتطاع مبالغ من أموال المقاصة الفلسطينية لتنفيذ تعويضات.
بغض النظر عن تفاصيل كل ملف، فإن المبدأ نفسه يفرض أسئلة خطيرة لا يجوز تجاوزها:
كيف يمكن لقضاء تابع لسلطة الاحتلال أن يتعامل مع أحكام صادرة عن القضاء الفلسطيني باعتباره طرفًا يملك حق مراجعتها أو إعادة تعريف آثارها؟
ومن أين جاءت له هذه الولاية؟
وهل يستطيع الاحتلال أن يفرض سلطته على الأرض بالقوة، ثم يمد هذه السلطة إلى القضاء، ثم يجعل أموال الفلسطينيين وسيلة لتنفيذ نتائجها؟
إذا قبلنا بهذه القاعدة، فنحن لا نتحدث فقط عن خلاف قضائي.
نحن أمام محاولة نقل السيطرة من الجغرافيا إلى السيادة.
فالاحتلال التقليدي يقول: «هذه الأرض تحت سيطرتي».
أما الاحتلال الأكثر خطورة فيقول: «وسأحدد أيضًا كيف تُفهم ملكيتها، ومن يُعاقب بسببها، ومن يحصل على التعويض، ومن يدفع الفاتورة».
وهنا تدخل قضية تسريب الأراضي في قلب المشهد.
الأرض الفلسطينية ليست مجرد أصل مالي يمكن أن يتحول إلى رقم في عقد، ثم تنتهي المسألة عند توقيع البائع والمشتري.
هناك فرق هائل بين بيع عقار عادي وبين التعامل مع أرض تقع داخل سياق احتلال وصراع وطني واستيطاني يستهدف تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي.
ولهذا فإن حماية الأرض من التسريب ليست ترفًا سياسيًا، بل مسؤولية وطنية وقانونية.
لكن المفارقة المؤلمة أن من يواجه التسريب داخليًا قد يجد نفسه أمام منظومة خارجية تحاول إعادة ترتيب المشهد بطريقة مختلفة تمامًا؛ فتتحول الإدانة الفلسطينية إلى قضية تعويض، ويتحول المدان في الرواية الفلسطينية إلى «متضرر»، ثم تُستخدم أموال المقاصة الفلسطينية لتغطية النتيجة.
وهنا تصبح القضية أكبر من شخص أو صفقة.
تصبح قضية سيادة.
فإذا كان القضاء الفلسطيني هو الجهة المختصة بالنظر في الجرائم التي تقع ضمن ولايته، فإن احترام استقلاله ليس مسألة مجاملة سياسية، بل ضرورة لحماية ما تبقى من مفهوم العدالة الوطنية.
ولا يجوز أن يصبح الاحتلال خصمًا وحكمًا في الوقت نفسه.
الأخطر من ذلك أن يتحول المال الفلسطيني إلى أداة لتنفيذ نتائج هذا التدخل.
أموال المقاصة ليست صندوقًا مفتوحًا بلا صاحب.
هي أموال فلسطينية، وأي اقتطاع منها يجب أن يُقرأ ليس فقط باعتباره إجراءً ماليًا، وإنما باعتباره وسيلة ضغط على القرار الفلسطيني.
وهكذا تتشكل أمامنا صورة كاملة:
سمسار يبحث عن الصفقة، ومعتدٍ يفرض الأمر الواقع، وقوة احتلال توفر الحماية، وقضاء يحاول تكريس النتيجة، وأموال فلسطينية تتحمل الكلفة.
إذا اجتمعت هذه العناصر، فنحن لا نكون أمام حوادث منفصلة.
نكون أمام منظومة.
ولهذا لا يكفي أن نقول: «لا تبيعوا الأرض».
المطلوب أكبر من ذلك.
المطلوب أن نعرف الأرض قبل أن نخوض معركة الدفاع عنها.
وهنا يأتي دور «كوشان بلدي».
فالكوشان ليس ورقة قديمة نحتفظ بها للذكرى، بل يمكن أن يكون جزءًا أساسيًا من منظومة حماية الملكية الفلسطينية.
اسم المالك، حدود الأرض، موقعها، تاريخها، انتقال ملكيتها، والوثائق التي تثبتها؛ كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة اليوم، لكنها غدًا قد تصبح عناصر حاسمة في معركة قانونية أو حقوقية.
ما لا نوثقه اليوم قد يعجز أبناؤنا عن إثباته غدًا.
ومن هنا يجب أن يتحول «كوشان بلدي» من مجرد فكرة إلى ثقافة وطنية للتوثيق والحماية.
نوثق الأرض.
نحفظ الكوشان.
نرقمن الوثائق.
نحصر الملكيات.
نوثق الاعتداءات.
نلاحق عمليات التسريب.
ونضع كل ذلك في منظومة قانونية وإعلامية قادرة على تحويل الوثيقة الفلسطينية إلى دليل لا يمكن تجاهله.
لأن من يخطط للاستيلاء على الأرض لا يعتمد على البندقية وحدها.
يعتمد أيضًا على مرور الزمن.
كل سنة تمر بلا توثيق، وكل أرض تُترك بلا متابعة، وكل ملكية لا تُحفظ وثائقها، قد تتحول إلى فرصة جديدة لمن يريد تغيير الحقيقة على الأرض.
وهنا يجب أن نكون أذكى من مشروع الاستيلاء.
لا نكتفي بالغضب بعد وقوع الجريمة، بل نعمل قبلها.
لا نكتفي بتصوير الاعتداء، بل نوثق أصل الملكية.
لا نكتفي ببيان سياسي، بل نبني ملفًا قانونيًا.
ولا نترك «كوشان بلدي» في الأدراج، بل نجعله جزءًا من ذاكرة الأرض القانونية والوطنية.
أما القضاء الفلسطيني، فيجب أن يبقى خطًا أحمر في معركة السيادة.
قد نختلف مع بعض أحكامه، وقد نطالب بإصلاحات داخله، وقد ننتقد أداءه، وهذا حق مشروع.
لكن الحل ليس أن يستبدل الفلسطيني قضاءه بقضاء الاحتلال.
إصلاح القضاء الفلسطيني يكون من داخله، لا عبر وصاية محاكم الاحتلال عليه.
وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة للجميع.
المعركة إذن ليست بين فلسطيني وإسرائيلي حول مبلغ مالي فقط.
إنها معركة على سؤال أكبر:
هل يستطيع المحتل أن يفرض سيطرته على الأرض، ثم يفرض تفسيره على القضاء، ثم يجعل الفلسطيني يدفع من ماله ثمن النتيجة؟
إذا كان الجواب نعم، فنحن أمام مرحلة أخطر بكثير من الاستيطان التقليدي.
أما إذا كان الجواب لا، فعلينا أن نبني أدوات الرفض الحقيقي: قانون، وثيقة، قضاء، إعلام، مجتمع، ومؤسسات تعمل في اتجاه واحد لحماية الأرض.
ولذلك فإن «كوشان بلدي» ليس شعارًا عابرًا.
إنه رسالة إلى كل من يعتقد أن الأرض يمكن أن تضيع لأن صاحبها فقد ورقة، أو لأن الزمن طال، أو لأن محكمة احتلال أصدرت قرارًا.
الأرض لا تفقد أصحابها لأن الاحتلال كتب رواية أخرى عنها.
والكوشان الذي يحفظ اسم صاحب الأرض، ليس مجرد حبر على ورق.
إنه شهادة تقول:
هنا أرض فلسطينية… وهنا صاحبها… وهنا حق لم تمنحه قوة احتلال حتى تستطيع سلبه.
قد تُسرق الأرض بالبندقية.
وقد يحاولون سرقتها بالعقد.
وقد يحاولون تثبيت سرقتها بالقرار.
لكن المعركة الحقيقية تبدأ عندما نرفض أن تتحول السرقة إلى حقيقة قانونية أو تاريخية.
وهنا بالضبط يجب أن يكون موقفنا واضحًا:
لن ندافع عن الأرض بالكلام فقط؛ سنحميها بالوثيقة، ونحصّنها بالقانون، ونكشف من يفرّط بها، ونواجه كل محاولة لتحويل الاحتلال إلى صاحب ولاية على قضائنا ومالنا وحقوقنا.
لأن فلسطين لا تُسرق في لحظة واحدة.
فلسطين تُسرق عندما تتراجع الوثيقة، ويصمت القانون، ويُهمَل القضاء، ويُترك السمسار يعمل، ويصبح المعتدي هو من يكتب القصة.
أما حين نحفظ الكوشان، ونحمي القضاء، ونوثق الملكية، ونكشف التسريب، ونواجه «البلطجة القضائية» كما نواجه بلطجة المستوطنين، فإننا لا نحمي قطعة أرض فقط.
نحن نحمي حق فلسطين في أن تبقى فلسطين.