تاريخ النشر: 2023-01-01 | 09:10
تاريخ النشر: 2023-01-01 | 09:10
هناك في البرزخ القائم بين حياة تحياها وأخرى تحلم بها،تقيم المبدعة التونسية الفذة نعيمة مناعي على تخوم الردهة المضاءة المسماة كتابة،مستمتعة بجحيم هذا الإنحدار الروحاني،تبحث عن لسعة نار ولو أحرقتها،تعانق الشمس فقط كي تزرع حقول الأمل والبهجة والإنعتاق،ترفض الإنحناء أمام الليالي العاصفات مهما أوغلت في الدياجير،يحاور روحه المتوهجة،الخفاقة،المحلقة،المتمردة و الموغلة في عوالم الصفاء والإشراق والتجلي..
ترفض التدثر بعباءة المؤسسة،تحلم بالإنفلات من عقال الوهم والخديعة وتؤسس للتوحد مع ذاتها والكون..ينخر الإغتراب شفيف روحها أحيانا،فتلجأ إلى أبي القاسم الشابي حين يقول :”إنني طائر غريب بين قوم لا يفهمون كلمة واحدة من لغة نفسي الجميلة”..
هي ذي،الشاعرة الألمعية،المبدعة التي حلقت كلماتها في الأقاصي،واخترقت مرارا سجوف الصمت والرداءة..
قلت هي ذي- نعيمة مناعي-.. هي ذي- المبدعة الحقيقية-كما أراها-ترقص رقصة”زوربا اليوناني”..تلك الرقصة التي تعانق برمزيتها سماوات المجد والخلود..
ولا أظن أنّها ستتزعج إذا أحسّت بأيد ملائكية ناعمة وهادئة تطرق باب عزلتها بهدوء ورقة ووضوح..لتنخرط معها في رقصها الطفولي وتتقاسم معها لذة الصمود والتحدي..
ومن ثم يلجان معا عوالم الماوراء بحثا عن نبتة الخلود،ورفضا لمتاهات الفراغ العدمي وتأسيسا لحياة موشاة ببهاء الكلمة،جسارة السؤال وجمال الحيرة ليخلدا معا خلودا جلجامشيا في أحضان التاريخ..
فلغة الشاعرة التونسية الفذة نعيمة مناعي -لغة طازجة،مبتكرة،وهي تشكّل حضورا متفوقا ومترعا بالعميق والجميل في حركة تصاعدية يزيدها توهجا في انتقاء لعبتها الشعرية بعناية فائقة،ذلك أنّ هواجسها أوسع من ان تستوعبها قصيدة او ديوان شعري..
هذه الشاعرة التونسية المتألّقة يتصرّف في عجينة اللغة كما تشاء،واللغة تنبسط بين يديها كعاشقة مستسلمة لمداعبات الحبيب،تفرغ كل خزينتها وشحناتها وانفعالاتها لتعيد تشكيلها على شكل وحي من الشعر،وابنية واشتقاقات ولوحات ورسومات وصور وايقاعات بحرية رحبة فالأستاذة القديرة نعيمة مناعي وليدة تجربة -عتيقة-،في المجال الشعري،كما لها حضورها الوثير في الساحة الأدبية الإبداعية تونسيا وعربيا وقد استطاعت بالتالي أن تفتح عالما جديدا لدلالات جديدة في عالم الشعر التونسي والعربي عموما..
ختاما..دعونا نستمتع بهذه اللوحة الإبداعية التي رسمتها أنامل -مبدعتنا-ذات القامة الشاهقة في الإبداع بمختلف تجلياته الخلاقة -نعيمة مناعي-وبإمكانكم جميعا أن ترقصوا على إيقاع الكلمات:
مسافر زاده الهيام
يا حبيبا استأصل الزمان وده
سرق الليل نور وصله
يا عامر القلب بالهوى
تفاقم النوى في عداد الصمت
ما ظننت الأيام تسافر بك
والدمع يسقي آثار طرقات سرت بها
يا زمانا طال الوجد فيه
وأفاق على شرخ الجوى
ما عاد لنبض ناقوس الساعات وقعا
يا أثرا لا يمحى
تأبى روحي العنيدة أن تقول
عد لي
لا بل سافر فروحي تسافر
أين تسافر
متيمة حتى الثمالة تأبى الفراق
والفراق في شرع الأنفة كبرياء
يا ذاكرة الألم فكي عقالا
كبل النظر ومشى في طريق الأمل
فعاد به في الحين كالصمم
حرري سليقة بالهيام تنتحب
وتمضي على درب الحالمين ،في تعب
يادرب الهوى الصادق
مال أراك منكسرا...!
في جعبة الأيام بك نار تضطرم
ما أعتاك يا مهجة الروح
تتضورين من فرط الفقد
وفي العلن تصدحين بجبروت
العناد والكبر !
شامخة يا أنت
كشموخ تينة
تحنو أوراق بعضها على بعض
في عز التعب
وتقرئ ساعي البريد عزفا
ثقيلا كثقل الجلمود
على الجسم الوهن.
نعيمة مناعي.
قبعتي..يا نعيمة