لم يعد الخطاب الرسمي في إيران يركز على مواجهة الأخطار الخارجية بقدر ما بات منشغلاً بالدعوة إلى «الوحدة» و«تجنب الخلافات» و«الابتعاد عن التصعيد الداخلي». وهذا التحول في اللغة السياسية ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس إدراكاً متزايداً داخل مؤسسات الحكم بأن التحدي الأخطر الذي يواجه النظام اليوم يأتي من الداخل، وليس من الخارج. فكلما ارتفعت وتيرة الدعوات الرسمية إلى التماسك، ازداد الانطباع بأن الانقسامات بلغت مستوى يصعب احتواؤه.
وتكشف الصحف الحكومية خلال الأيام الأخيرة هذا القلق بوضوح. فصحيفة جمهوري إسلامي تدعو إلى تجنب إثارة الخلافات، بينما تحذر صحف أخرى من أن استمرار السجالات السياسية سيؤدي إلى تعميق أزمة الثقة داخل المجتمع. أما صحيفة آرمان ملي فتتحدث عن ضرورة إدارة الاختلافات بطريقة لا تؤدي إلى مزيد من الانقسام، في حين يربط عدد من الكتّاب بين المرحلة الحالية وضرورة إعادة بناء التوافق داخل السلطة نفسها. وهذه اللغة تكشف أن صناع القرار باتوا يعتبرون الانقسام الداخلي تهديداً لا يقل خطورة عن أي ضغط خارجي.
ولا تقتصر هذه المخاوف على التنافس بين الأجنحة السياسية، بل تمتد إلى المؤسسات التنفيذية والاقتصادية والأمنية. فسنوات الأزمات المتراكمة، والحرب، والعقوبات، والانهيار الاقتصادي، أضعفت قدرة النظام على إنتاج خطاب موحد. ولذلك لم يعد الخلاف يدور حول كيفية إدارة الملفات، بل حول طبيعة الخيارات التي ينبغي اتباعها في المرحلة المقبلة، سواء في السياسة الخارجية أو في معالجة الأوضاع الداخلية.
وتزداد أهمية هذه المؤشرات إذا ما قورنت بالمزاج الشعبي. فالتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع دائرة الفقر، واستمرار الاحتجاجات الفئوية، كلها عوامل تجعل أي انقسام داخل السلطة أكثر خطورة، لأن المجتمع لم يعد يمتلك هامش الصبر الذي كان متاحاً في السابق. وفي مثل هذه الظروف، تتحول الخلافات السياسية إلى عنصر إضافي يفاقم فقدان الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار المتكرر في الصحافة الرسمية على مفردات مثل «الوحدة الوطنية» و«تجنب الاستقطاب» و«المصلحة العليا». فهذه ليست مجرد شعارات، بل رسائل موجهة قبل كل شيء إلى أجنحة النظام نفسها، في محاولة لمنع انتقال الصراع السياسي إلى مرحلة يصعب التحكم فيها.
وفي المقابل، يزداد حضور رؤية المعارضة الإيرانية في النقاش الدولي. فقد أكدت السيدة مريم رجوي، خلال لقاءاتها الأخيرة في مجلس الشيوخ الإيطالي ومؤسسات سياسية وفكرية في روما، أن الأزمة الإيرانية لا يمكن حلها عبر الحرب أو سياسة المساومة، وإنما من خلال تمكين الشعب الإيراني من تقرير مستقبله وإقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة واحترام حقوق الإنسان. ويكتسب هذا الطرح أهمية متزايدة كلما ازدادت مؤشرات الانسداد داخل بنية الحكم، لأن الأزمة لم تعد مرتبطة بملف خارجي بعينه، بل أصبحت أزمة بنيوية تمس أسس النظام نفسه.
إن أخطر ما تكشفه الصحافة الرسمية اليوم ليس وجود خلافات سياسية، فهذه ظاهرة مألوفة في مختلف الأنظمة، وإنما اضطرارها إلى الاعتراف الضمني بأن الحفاظ على التماسك الداخلي أصبح أولوية تتقدم على بقية الملفات. وعندما يصبح الحديث عن «الوحدة» هو العنوان الأبرز في الإعلام الرسمي، فإن ذلك يعكس وجود أزمة ثقة عميقة داخل مؤسسات الحكم نفسها.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية، وتصاعد الاحتقان الاجتماعي، ونشاط وحدات المقاومة في مختلف المدن الإيرانية، تبدو قدرة النظام على احتواء هذه التناقضات أكثر صعوبة من أي وقت مضى. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة قد لا تتحدد فقط بنتائج أي مفاوضات أو تطورات إقليمية، بل بمدى قدرة السلطة على تجاوز الانقسامات التي باتت تظهر حتى في صفحات صحفها الرسمية.