الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

أميركا إلى أين؟

حين يصبح الصراع الداخلي معركة على هوية الدولة ومستقبل النظام الدولي...

لم يعد السؤال المطروح في الولايات المتحدة اليوم: من سيفوز في الانتخابات المقبلة؟ بل أصبح سؤالًا أكثر عمقًا وأبعد أثرًا: إلى أين تمضي أميركا؟ فالدول الكبرى لا تدخل المنعطفات التاريخية حين تتغير حكوماتها، وإنما حين تهتز الأسس التي قامت عليها، وتتصدع منظومة التوافق التي حفظت استقرارها لعقود طويلة.
ما تشهده الولايات المتحدة اليوم يتجاوز حدود المنافسة التقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين. إنه صراع يتصل بهوية الدولة، وبطبيعة المجتمع، وبمفهوم الحرية، وبحدود دور الحكومة، وبالموقع الذي ينبغي أن تحتله أميركا في عالم لم يعد كما كان بعد نهاية الحرب الباردة.
ولذلك فإن متابعة المشهد الأميركي من زاوية الانتخابات وحدها لا تكفي لفهم ما يجري، لأن الانتخابات ليست سوى أحد تجليات أزمة أعمق وأوسع.
لقد بلغ الاستقطاب السياسي مستوى غير مسبوق، حتى بات كل معسكر ينظر إلى الآخر باعتباره تهديدًا لمستقبل الولايات المتحدة، لا منافسًا مشروعًا داخل نظام ديمقراطي.
ومع هذا التحول، تراجعت لغة التسويات، وارتفعت لغة التخوين، وأصبح النقاش يدور حول شرعية المشروع السياسي للطرف الآخر، لا حول تفاصيل السياسات العامة.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس دونالد ترامب، ووصفه بعض خصومه من اليسار الديمقراطي بأنهم "اشتراكيون" أو "شيوعيون"، لتكشف عمق التحول الذي أصاب الخطاب السياسي الأميركي. فهذه الأوصاف، وإن كانت لا تمثل توصيفًا فكريًا دقيقًا، تعكس حجم الاستقطاب والرغبة في استدعاء رموز الحرب الباردة لتعبئة الرأي العام، وإقناع الناخب بأن الخلاف لم يعد سياسيًا فحسب، بل يمس هوية الدولة ومستقبلها.
والحقيقة أن الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي لا يدعو إلى تبني النموذج الشيوعي المعروف، بل يطالب بتوسيع دور الدولة في الرعاية الصحية والتعليم والعدالة الاجتماعية، وهي سياسات تندرج ضمن الديمقراطية الاجتماعية كما تعرفها كثير من الدول الغربية.
غير أن التيار المحافظ يرى في هذا التوسع خروجًا عن الفلسفة التقليدية التي قامت عليها التجربة الأميركية، ولذلك يتحول الخلاف حول حجم الدولة إلى خلاف حول طبيعة أميركا نفسها.
غير أن اختزال الأزمة في هذا السجال الأيديولوجي يبقى قراءة ناقصة.
فالولايات المتحدة تشهد، بالتوازي، تحولات مجتمعية عميقة تعيد تشكيل بنيتها السكانية والثقافية. فالتنوع العرقي يتزايد، والهجرة تواصل تغيير ملامح المجتمع، والفجوة الاقتصادية تتسع، والطبقة الوسطى تواجه تحديات متصاعدة، فيما تتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية والإعلامية والقضائية.
وكل ذلك يجعل المجتمع الأميركي أكثر انقسامًا، ويصعب الوصول إلى توافقات وطنية كانت في الماضي أكثر يسراً.
وفي الخارج، تواجه واشنطن عالمًا مختلفًا عن ذلك الذي عرفته بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فصعود الصين، واستعادة روسيا جانبًا من نفوذها، وظهور قوى إقليمية أكثر استقلالًا في قرارها، كلها مؤشرات على أن مرحلة الهيمنة الأميركية المنفردة تقترب من نهايتها، لتحل محلها مرحلة أكثر تعقيدًا، تتوزع فيها مراكز القوة والنفوذ.
ومن هنا، يصبح الترابط بين الداخل والخارج أكثر وضوحًا.
فالدولة المنقسمة على نفسها تجد صعوبة أكبر في قيادة الآخرين، والقوة الدولية تبدأ دائمًا من التماسك الداخلي.
ولهذا، فإن مستقبل الدور الأميركي في العالم لن تحدده موازين القوة العسكرية وحدها، بل قدرة المجتمع الأميركي على تجاوز استقطابه، وإعادة بناء الثقة بين مكوناته ومؤسساته.
وينسحب ذلك على قضايا الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
فصحيح أن المصالح الاستراتيجية ستظل تحكم جانبًا كبيرًا من السياسة الأميركية، إلا أن التحولات الجارية داخل المجتمع الأميركي، ولا سيما بين الأجيال الشابة، تشير إلى اتساع النقاش حول مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي. وقد لا يغير ذلك السياسات بين ليلة وضحاها، لكنه يعكس بيئة سياسية جديدة ستؤثر تدريجيًا في طبيعة النقاش وصنع القرار.
إن الأمم العظمى لا تسقط فجأة، وإنما تعيد تشكيل نفسها عبر أزمات كبرى. وما تشهده الولايات المتحدة اليوم قد يكون بداية مرحلة جديدة من التجدد، وقد يكون بداية تراجع نسبي في نظام دولي لم يعد يحتمل هيمنة قطب واحد.
وفي الحالتين، فإن العالم يقف أمام لحظة تاريخية تستحق أن تُقرأ بعين العقل، لا بعين الانفعال.
ومن هنا، فإن السؤال «أميركا إلى أين؟» ليس سؤالًا عن رئيس أو حزب، بل عن مستقبل دولة قادت النظام الدولي لعقود، وتجد نفسها اليوم أمام امتحان تاريخي جديد.
فإن نجحت في تجديد عقدها الوطني، واستيعاب تحولات مجتمعها، والحفاظ على حيوية مؤسساتها، فستظل قوة عالمية رئيسية، وإن ضمن نظام أكثر تعددية وتوازنًا.
أما إذا ظل الانقسام يتعمق، وتحول الاستقطاب إلى حالة بنيوية دائمة، فإن العالم سيشهد تراجعًا نسبيًا للدور الأميركي، لا بسبب ضعف القوة، بل بسبب صعوبة توظيفها في ظل انقسام الداخل.
لقد دخلت الولايات المتحدة مرحلة مراجعة كبرى، لا لسياساتها فحسب، بل لفكرتها ذاتها.
ونتائج هذه المراجعة لن تحدد مستقبل الأميركيين وحدهم، بل سترسم جانبًا مهمًا من ملامح النظام الدولي في العقود القادمة، وتنعكس على خرائط النفوذ والتحالفات، وعلى مستقبل كثير من قضايا العالم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
إن سؤال «أميركا إلى أين؟» هو، في جوهره، سؤال عن العالم إلى أين؛ لأن مستقبل القوة الأكبر في النظام الدولي لن يبقى شأنًا أميركيًا داخليًا، بل سيظل عاملًا حاسمًا في تشكيل مستقبل السياسة والاقتصاد والأمن العالمي.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تُصنع السياسات فقط، بل يُعاد رسم مسار الأمم.

×
أخبار
غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط