الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

خِذلانٌ لا يَصدأ

خِذلانٌ لا يَصدأ

تاريخ النشر: 2020-04-27 | 05:15

بعد إغترابٍ طالَ ، عُدتُ إلى عمان .عصرَ اليوم التالي لوصولي ، سمعتُ صوتاً مُنْهزِماً ، يُرَحِّبُ هاتفيا بعودتي ، ويقول : أنا رفيق عمرك ودروبك . أعْلمُ أن الأليق والأوجب أن آتيك . ولكن المرض يقعدني عن هذا الواجب . إعذرني إنْ قلتُ في أوَّل إتصالٍ لنا ، بعد سنينٍ عجاف ، مشتاقٌ لك ، وأنني بأمسِّ الحاجة للقياك .
عرفته فورا من تقاسيم صوته . بعد ساعتين كنتُ أعانقه ، وهو على كرسي متحرك . جلسْتُ قبالته لأسمع منه. سألته لِمَ هنا في بيت أبيك ، لا في بيتك ؟ ما بِكَ يا رجل ؟ 
قال بأسى : في بيتي هناك ، ضاق المكان عليَّ . كنتُ طيِّباً في زمان لمْ يَعُد فيه للطيبة مكان . قُلْ كنتُ على نِيَّاتي . وأظن أن كثرةً من الناس مثلي على نيَّاتِهم . باتَت الأسرةُ بنيةً ووظيفة ، هشة ًواهية . تُشَلُّ وتصدأ ، وقد تنتهي بلحظة ونحن عنها غافلون . 
قبل عشر سنين ، وأنا على عتبة الستين من عمري ، لأسبابٍ كثيرةٍ خسرتُ مالِيَ . وتلَبَّسَني هَمُّ دينٍ وذُلُّه . وداهمني من كل حَدْبٍ وصوب ، فيضُ عِلَلٍ وأمراضٍ . السُّكَّرُ والسرطانُ أخبثها . أظنك تعلم ، آثار إستبدادِ الفقرِ والسكَّرِ والسرطان ، برجلٍ في العقد الخامس من عمره !!!. 
مع ضياع مالي ، ساء مع زوجتي حالي . توقَّعتُ أنْ تُعينَني على الزمن . لكنها للأسف ، مع تبدُّد المال وضعفِ الفُحولة ، قلَبَتْ ليَ ظهرَ المِجَنْ . و باتت عونا لِعادياتِ الزمن عَليَّ . ولم تَكتفِ بتحريضِ أولادي علي ، بل وتُعَيّرُني بفقري وضعف فحولتي . 
بعد خمسِ بناتٍ وولدين كلهم جامعيون ، وأكثر من ثلاثين سنة منْ رغد العيش ، لم تعُد تَذْكُرُ سوى أنَّها أنثى ، في عِزِّ صِباها كما تقول . بحاجةٍ لرجلٍ عَفِيٍّ وكَفٍّ يَهطل مالا . إنقلب كلُّ شيء في حياتي . أصبحتُ لا أحتمل تلميحاتها ، بل تؤلمني كثيرا . 
لأتبين وأقطع الشك باليقين ، غربلتُ كلَّ ما كنتُ أبْصِرُ وأسمعُ من تحريضٍ ضدي . سرعان ما أدركتُ أنَّ عقول زوجتي وأولادي ، وقلوبهم وألسنتهم وعيونهم ، باتت خاليةً مني . نجَحَتْ أمُّهم في إقتلاعي من كل تضاريسهم الداخلية والخارجية . ساعَتَها بِتُّ في عيشةٍ ضَنكا . فرَحلتُ إلى هنا بيتُ أبي .
إكتظت صفحاتُ وجهِه ، بغيومِ أوجاعٍ وأحزانٍ وارفةِ الظلال . وبِتُّ أسمعُ وميضَ برقٍ ورعدٍ ، يتطايرُ من أصابعه المتصارعة . كان يلهثُ وهو يحاول الإمساك بزمام دمْعِه . إنحنيتُ وضممتُ رأسَهُ بين كفيَّ . قبَّلتُ جبهتَه إحتراما وإشفاقا . مسحتُ العرقَ المُتفصِّدَ منْ كلِّ تضاريسِ وجهه المُصْفَرِّ . لَمْ أجرؤ على نُطْقِ سُؤالي : ما بك تبكي مُرتعشا يا صديقي ؟ 
إلتقط ما يتوالد بين شفتي المزمومتين من كلام ، فعاجلني وكأنه يحمل أثقالا : أنهكَني المرضُ وبِتُّ مكسورَ الخاطِر . يُباغتُ روحيَ المُتصدِّعَة وجعٌ مُمِضٌ . يَحتلُّني خِذلانٌ لا يصدأ ولا يهدأ . قتلَ أشياءً كثيرةً فِيَّ . خوف الرحيل ، يتسرب إلى نفسي الآن ، بعد هذه الفضفضة ، أظنُّ أني راحلٌ عما قريب . 
أكملَ وكأنَّه يرجو : إشتقتُ لزمنٍ كانت فيه عائلتي مُكتملةً ، ليس بينها غائبٌ أوغاضب . أنا مُرهقٌ بشوقٍ لأناسٍ لنْ أراهم . يا لقسوة قناديلي من الأبناء والبنات . ليتهم رغم تنكرهم يعلمون ، أنَّ شعلة الشوق لهم ما انطفأت يوما . وأكملَ بصوتٍ مُتهدج ، والدمع يبلل أطراف لحيته البيضاء ، أرجو أن لا تجرؤ على التخفيف عني ، بالمجاملة والتبرير . 
إقشعر بدني من هولِ ما أسمع . دفنتُ رأسيَ بينَ كفيَّ وأطرقتُ لدقائق ، محاولا بصمتٍ تَهجِّي حيرتي . كَفْكفتُ دمعاً راودَني قبلَ أن أقول له : أحالوك يا صديقي مُسلسلَ خِذلان ، تفاصيله في بث متصل . أعلم أنَّ الخذلانَ سِجنٌ مُظلمٌ . كي لا تفقِدَ عقلَكَ فيه وتَنجحَ في مواجهته ، إتكئ على قدرتك وتخيل إيجابيات الوقائع والصور والأفكار ، لا على ما تواجه من عقوق متوحش . 
أدْرِكُ صعوبة التصالح مع الخذلان المتذبذب . ومع هذا لا تدع قلبك يصدأ بالأسى . إمْضِ مُتناسيا مُتجاهِلا قَدْرَ ما تستطيع . فالتجاهلُ وقتَ الغضب ذكاء ، ووقتَ المصاعب إصرار، ووقتَ الاساءةِ تعقُّل . تَجاهَلْ العتابَ ومارس الهدوء . فأنت في أشدِّ الحاجة لممارسة السكينة .
راودتني رغبة موجعة في المغادرة . وعدته في أن أعود عصرَ غدٍ لإستكمال بقايا وشظايا الخذلان . عدت مُنكسرا إلى بيتي . وفي البال زيارةُ تَطَفُّلٍ وإستنارة إلى المشكو منهم ، زوجه وأولاده وبناته ، خشيةَ أن يكون صاحبي مُبالغاً أو واهما أو متجنيا . غفوتُ وأنا على هذا العزم . صحوتُ مبكرا ، مُكتئبا مما رأيت في منامي . أبصرت قمرا يراقص نجمة ، ويغيبان في حالك الغيوم . مع أول ملامسة لشفتي مع فنجان قهوتي ، إرتجفت يدي وأنا أمسك هاتفي ، سمعتُ قبل أن يسقط من بين أصابعي ، من يقول باكيا : البقية في حياتك . لقد رحل مع الفجر هذا اليوم ، حبيبك مرتقيا إلى ربه راضيا مرضيا ، وقد ترك لك مُغلَّفا مُغلقا بعناية . صلاة الجنازة ظهرا في مسجد الشريعة في اللويبده - عمان ، والدفن في سحاب . 
إصطَفَفتُ خلفَ نعشه . بعد أن دعوت لنفسي بمثل ما دعوت له . إنحنيتُ على النعش أقَبِّلُه . وهمستُ للراحل : لَمْ تُخْلِفِ ميعادك مع ربك ، ولم أخْلِف ميعادي معك . 
صديقي وداعا . سبقتني إلى رحمته ، إني بِكَ متى شاء الله لاحق .

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط