تاريخ النشر: 2016-01-09 | 09:13
تاريخ النشر: 2016-01-09 | 09:13
بعد عملية التحشيد والدعاية والتنظير التي رافقت الإعلان عن خطاب الرئيس محمود عباس توقع الجميع بأن هناك أمراً هام للغاية سيصدر عنه وخاصة فيما يتعلق بموضوع الانتخابات والمصالحة الفتحاوية الداخلية أو المصالحة الفلسطينية والبعض ذهب بعيداً في أماله فتوقع بأنه سيعلن عن استقالته، ولكن الرئيس عباس خيب أمال الجميع وجاء خطابه ملخصاً في الاتي :
أولاً : ظهر بكامل هيئته وكان واضحاً عليه أنه ليس رجلاً في العقد الثامن من عمره بل ظهر في قمة حيويته ليؤكد على أنه يتمتع بصحة جيدة ، كما أنه كان مذهلاً وهو يتحدث بنبرة صوت قوية ليؤكد للجميع بأن الإشاعات التي نالت منه ليست صحيحة وبأنها تستهدفه ولكنها لن تنال منه وقد حقق الهدف من ذلك بامتياز.
ثانياً : أعطى ظهره للوطن واستجدى الإسرائيليين أن ينظروا إليه كعنوان وحيد يستطيع أن يحقق مصالحهم، في رغبة منه بتخفيف الضغوط عليه من كل الجوانب للرحيل الذي أصبح يدرك بأنه بات من المؤكد وينتظره الجميع ، من خلال الاستنجاد بهم وكان لسان حاله يقول لهم ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب!.
ثالثاً : تحدث بنبرة فوقية بعيدة عن نبض الشارع وهمومه تماماً وكأنه يعيش حالة انفصال تام عن الواقع الوطني وليس له علاقة به.
رابعاً : خرجت منه تصرفات عفوية ولكنها لم تكن موفقة استغلها خصومه بعناية فائقة وخاصة فيما يتعلق بالطلب من رئيس الجمعية الأرثوذكسية في بيت لحم ليدلي بكلمته وكان ذلك على حساب مكانة عضو اللجنة المركزية الطيب عبد الرحيم الذي تصرف بطريقة مرتبكة فضحت حالة الارتباك التي تمر فيها القيادة الفلسطينية.
خامساً : حرص على أن يظهر بصورة الرجل القوي على الساحة الداخلية وبأنه لا يعير أي اهتمام لأحد مهما كانت مكانته القيادية سوى رجالاته وقراراته فقط ، حيث جاء في سياق رده المبطن والقوي على كل من يفكر الدخول في أي تحالفات جديدة ضده بعد حالة التمرد التي حاول أن يظهرها عضو اللجنة المركزية اللواء جبريل الرجوب أثناء لقائه على تلفزيون فلسطين ، وذلك عندما قلل من شأن حركة فتح بشكل متعمد وكأن لسان حاله كان يقول لهم لا قيمة لكم وسأبقى رئيساً رقم أنوفكم وعلى قلوبكم !. سادساً : كان حريصاً على أن يرسل رسالة لجميع الأطراف بأنه لن يتزحزح من مكانه كرئيس ولن يتخلى عن الإمساك بقواعد اللعبة إلا إن قدر الله أجلاً كان مفعولا ، بمعنى أنه لن يترك السلطة ولن تنهار طالما هو الرئيس ولا أحد يحلم بذلك قاطعاً الطريق على جميع من فكروا أو روجوا لغير ذلك .
سابعاً : بعث برسالة مهمة لكل خصومه بأنه لا زال قوياً ولا زال يملك زمام المبادرة وأنه لن يترك لهم الملعب طواعية كما أنه يستطيع أن يورطهم مهما حاولوا أو تلونت تحالفاتهم عندما أشار بأنه لا مانع لديه من عقد الانتخابات ولكن الأخرين هم من يرفضونها!، فبرأ نفسه من ذلك ووضعهم في قفص الاتهام حيث جاء ذلك متزامناً مع يقينه بأنهم سيرفضون مبادرة فتح المعابر الفصائلية أو سيتهربون من الموافقة عليها وكان له ما أراد فجعلهم في موقع الدفاع والاتهام بدلا من الهجوم!.
ثامناً : أكد بأنه ثعلب ماكر ولا زال يتمتع بالحنكة والقدرة على المناورة فضرب جميع الأطراف في بعضها من خلال إعلانه عن الموافقة على المبادرة الفصائلية لفتح معبر رفح وأربك حسابات خصومه فجعلهم ينشغلون في تفسير ما أراد قوله في خطابه وهم يبحثون عن مخارج للالتفاف على نتائجه الذي حرف التركيز على ضرورة الخروج من الحالة الجامدة التي تعصف بالحالة الفلسطينية كما خلق حالة من خيبة الأمل والسخط العام لدى الجميع ليشغلهم فيها في سياق حسابات دقيقة يدرك قيمتها جيدا وخاصة فيما يتعلق بجهوده المتعلقة بالذهاب لمجلس الأمن مع إدراكه لحجم ارتداداتها الضعيفة كون أنه أتقن الظهور وتوقيته واستخدام الكلمات المناسبة للتعاطي مع الموقف ومتطلباته ضمن رؤيته التي لا يجد أحد تفسير لها سوى رغبته الجامحة بتمسكه بالسلطة.
مما سبق ، واضح أن الرئيس عباس يدرك جيداً حجم الخصومات والتحديات وواضح أنه عنيد لدرجة أنه لا يعير أي اهتمام لأي شيء بعيداً عما يفكر به وأن الشعب الفلسطيني لا في الضفة ولا في غزة ولا ألامه وأوجاعه تمثل شيء في اهتماماته بل هي أخرها ولا تمثل سوى وسيلة لاستكمال المشوار في منصب رئاسة يزعم الرئيس الفلسطيني بأنها ليت غايته ولكن كل أفعاله تنم وتؤكد بأن هذا المنصب بالنسبة له ليس غاية فقط بل هو يمثل حالة وجود ويمثل حياة أو موت!، ولا يهمه إن كان ذلك سيؤدي إلى المزيد من الصراعات والانشقاقات ولربما الانشطارات في الضفة بدلاً من الرجاء بالتئام جراح الانقسام ، لذلك لم يكن هناك ضرورة لتوقع أي شيء مما سبق أن فكر فيه الجميع لأن ذلك يعني تكرار خيبات الأمل ولن يكون هذا هو الخطاب الوحيد أو الأخير الذي يحمل اسم الخطاب الخيبة !، لذلك سيكون هناك معضلة مستديمة وحلها الوحيد هو التعالي على الجراح والخلافات وتوحيد الجهود لكي تنطلق حالة جديدة بثقافة جديدة تحمل عنوان بأنه ليس من حق أحد أن يقول ليس له بديل أو يستفرد بالقرار الوطني ويلتف على ذلك بين الحين والحين باللعب على التناقضات الوطنية التي يخلقها هو وذلك بخطابات يطلق عليها طاقمه الإعلامي مسميات براقة بين الحين والأخر منها الخطاب المهم تارة والقنبلة تارة أخرى وفي النهاية لا يجد أحد مسمى يليق بهذا الخطاب أو ذاك كما هو خطاب الخيبة ليكون فارغاً كما سابقه في كل مرة بين الرغبة والرجاء!!!.