كان لخطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في السادس والعشرين من أيلول الماضي صدى على المستويين السياسي والإعلامي، وردود أفعال صدرت عن الأطراف المعنية دولياً وإقليمياً وهي بالدرجة الأولى إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية، وجاء الموقف الإسرائيلي على لسان رئيس وزرائها (بنيامين نتنياهو) ووزير خارجيتها (أفيغدور ليبرمان) بأن الخطاب تضليلي وتحريضي ولا يصدر عن شريك يرغب بالسلام، و وضعته في خانة واحدة مع خطاب الرئيس الإيراني حسن روحاني، و علقت الناطقة باسم الخارجية الأمريكية (جنيفر بساكي) على الخطاب بقولها أنه حمل توصيفات مهينة ومخيبة للآمال، ومرفوضة واستفزازية، وأنها تؤدي إلى إجهاض الجهود الهادفة إلى إعادة بناء الثقة بين الجانبين.
فما الذي دفع الولايات المتحدة التي طالما تباكت ادارتها الحالية على عملية التسوية السياسية، وحملت إسرائيل صراحةً المسئولية عن تعثرها أحياناً، فلم يطالب الرئيس أبو مازن سوى بإنهاء الاحتلال، و حل الدولتين على أساس قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، وعن حل عادل ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين وفق القرار 194 الذي تضمنته مبادرة السلام العربية، وهي المبادئ المعلنة للقيادة الفلسطينية منذ انطلاق عملية السلام قبل 25 عاماً، إذن ما الجديد الذي حمله خطاب الرئيس عباس بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية حتى ترد بلهجة قاسية في نفس اليوم؟
يعلم المتابع لمسيرة التسوية السياسية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، أنه ومنذ انطلاقتها في مؤتمر مدريد عام 1991، كانت الولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة للاتحاد الروسي، هما الداعيان والراعيان لهذا المؤتمر، وقد حضر هذا المؤتمر إسرائيل والفلسطينيون بتمثيلهم ضمن الوفد الأردني، وبعض الدول العربية التي تعد الأطراف المباشرة وغير المباشرة بالصراع، هذا و نود التذكير بأن الأمم المتحدة كانت حاضرة لهذا المؤتمر كمدعوة وليست راعية له، و لم يكن بمقدور الفلسطينيين أو الدول العربية أن ترفض أو تمانع تلك المقاربة التي أتت بعد نهاية الحرب الباردة واستفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة النظام الدولي والحديث عن النظام العالمي الجديد، و استقرار هيكل النظام الدولي وشكله من ثنائي القطبية إلى أحادي القطبية، زد على ذلك أن تلك الفترة كانت الأسوأ في العلاقات العربية البينية، حيث تداعيات الاحتلال العراقي لاتزال مستمرة والانقسام الذي سببته تلك الحرب ظل مستمراً، و كان الفلسطينيون الخاسر الأكبر وذلك لتأييدهم نظام صدام حسين.
وبعد انطلاق المفاوضات الثنائية والمباشرة التي أعقبت مؤتمر مدريد و هي الصيغة التي أصرت عليها إسرائيل لعقود مضت كسبيل لحل الصراع العربي- الإسرائيلي، استضافت واشنطن المفاوضات المباشرة بين الوفد الإسرائيلي والوفد الأردني- الفلسطيني، و كانت هذه المفاوضات برعاية الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، و بعد ذلك بعامين تم التوصل من خلال الاتصالات المباشرة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية لما عرف باتفاق إعلان المبادئ (أوسلو)، الذي سبقته بأيام فقط رسائل الاعتراف المتبادل بين دولة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وتم التوقيع على اعلان المبادئ في البيت الأبيض في مراسم احتفالية بحضور دولي، وهنا اكتملت المقاربة التي ظلت تحكم عملية السلام ليومنا هذا بين طرفي النزاع الاسرائيلي والفلسطيني والطرف الثالث هو الولايات المتحدة الأمريكية، وليس الأمم المتحدة التي أصدرت كل القرارات الخاصة بالصراع العربي- الإسرائيلي، و التي من المفترض أن تكون هي المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين.
ومع احتفاظ الولايات المتحدة الأمريكية لنفسها بقيادة النظام الدولي، وتفردها في حل الكثير من الأزمات الدولية وفي كثير من الأحيان من خلال استدعاء الأمم المتحدة واستصدار قرارات منها، إلا أن هذا النمط كان معكوساً تماماً بالنسبة للقضية الفلسطينية، حيث ظلت الولايات المتحدة محتفظة لنفسها بدور الطرف الثالث الراعي الوحيد لعملية التسوية السياسية بين طرفي النزاع الفلسطيني و الإسرائيلي، حتى أنها كانت لا تسمح بتدخل الأصدقاء من دول أوروبية أو حليفة، سوى الطلب منهم تقديم الدعم المالي للمساعدة في ترسيخ الحل السياسي، واستمرت على ذات النهج وقامت برعاية كل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية التي تلت اتفاق أوسلو ورعت التوصل لاتفاقات "القاهرة وطابا و واي بلانتيشن"، وصولا إلى قمة كامب ديفيد التي دعت لها الولايات المتحدة الأمريكية بغرض التوصل لاتفاق نهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي والتوصل لمعاهدة سلام دائمة على غرار معاهدة السلام الأردنية والمصرية التي وقعتها كل منهما مع إسرائيل وبرعاية أمريكية، لكن النتيجة التي آلت اليها أعمال القمة بسبب التعنت الاسرائيلي وعدم تقديمهم أي عرض يلبي الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، والأهم من ذلك الانحياز الأمريكي السافر أثناء انعقاد القمة للمواقف الإسرائيلية، وتبنيها لها ومحاولة فرضها على الجانب الفلسطيني بثوب أمريكي، وهذا ما لا يتوافق مع دور الطرف الثالث في المفاوضات وهو أن يكون وسيطاً نزيهاً(The Honest Broker)، ومع بداية انتفاضة الأقصى وتوقف المفاوضات السياسية بين الجانبين، وما تبع ذلك من أحداث الحادي عشر من سبتمبر وإعلان الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب، بوجود إدارة أمريكية بقيادة الرئيس بوش الابن ومعظم رجالاتها من المحافظين الجدد الذين يدينون بالولاء لإسرائيل ولو على حساب الولايات المتحدة الأمريكية، وشهدت تلك الفترة وفاة غير معلنة لمفاوضات السلام التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع قدوم الرئيس الأمريكي باراك أوباما واستبشار بعض العرب به خيراً، بناء على ما كانت تتضمنه خطاباته الرسمية وزيارته لمصر وتوجيهه من جامعة القاهرة خطاباً للعالم العربي تحدث فيه عن ضرورة حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وطالب اسرائيل علناً بضرورة تجميد الاستيطان، وهو الأمر الذي دفع القيادة الفلسطينية للتمسك بهذا الموقف كشرط مسبق لاستئناف مباحثات السلام، مع تراجع الادارة الأمريكية ذاتها عنه، و في النهاية تمت الموافقة على أن تستأنف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية لمدة 9 أشهر وبرعاية أمريكية كاملة وحصرية، والتي انتهت بتاريخ 29 نيسان 2014، دون تحقيق أي إنجاز يذكر وذلك بسبب عدم جاهزية إسرائيل وحكومتها اليمينية لتقديم أية تنازلات يمكن البناء عليها للتوصل لاتفاق إطار لإنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بل عمدت وبشكل استفزازي إلى مضاعفة أنشطتها الاستيطانية في الضفة الغربية وخاصة في مدينة القدس في سبيل فرض الأمر الواقع الذي لن يكون بمقدور أي عملية تفاوض تجاهله، و لم يكن دور الولايات المتحدة أكثر من الراعي بصفة المضيف و المنسق لهذه المفاوضات التي استضافتها في واشنطن، ولم تقم بدور الطرف الثالث الذي من المفترض أن يمارس الضغط على الجانب المعطل، أو على أقل تقدير طرحه لمبادرة بناء على رؤيته لحل الصراع، وهو ما أعلنت عنه الولايات المتحدة ثم سرعان ما تراجعت عنه.
بناء على ما تقدم هذا هو الموقف الأمريكي الذي تحكمه محددات خارجية وداخلية طالما حددت الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية لا مجال لتفصيلها هنا، لكن ما يؤخذ على الولايات المتحدة أنه بالرغم من عدم قدرتها أو رغبتها بالضغط على إسرائيل كونها تقوم بدور الطرف الثالث، و عدم انصياع اسرائيل لمناشداتها العلنية أحياناً، إلا أنها توفر الحماية الدبلوماسية الكاملة لإسرائيل من أية إدانة في كل المحافل الدولية، و بالرغم من فشل الولايات المتحدة أو عدم رغبتها في تحقيق عملية تسوية للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، إلا أنها ترفض التخلي عن دور الطرف الثالث في ادارة المفاوضات المتعلقة به،أو إحالة الموضوع الى الأمم المتحدة كي تكون هي وقراراتها المرجعية المناسبة لعملية التسوية السياسية، حيث تحرص الولايات المتحدة كل الحرص على استبعاد الأمم المتحدة من أن يكون لها أي دور في حل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وذلك وفقاً لرغبة إسرائيلية معلنة و خالصة.
من هنا جاءت دعوة الرئيس عباس بضرورة التوجه لمجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار أممي حول النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي للدفع بجهود تحقيق السلام، وهذا يعني استدعاء صريحاً ومعلناً طال انتظاره لتكون الأمم المتحدة هي الراعي لعملية التسوية السياسية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ولتكن قراراتها الصادرة عن مختلف فروعها هي المرجع لأي عملية تسوية، لأن الاستمرار في مفاوضات ثنائية دون طرف ثالث نزيه يعني إعطاء فرصة للطرف الأقوى ليفرض شروطه على الطرف الأضعف، حيث قال الرئيس محمود عباس في خطابه إن التفكير بأنه من الممكن وببساطة العودة إلى نمط عمل سابق تكرر فشله هو أمر ساذج في أحسن الأحوال، وخاطئ في جميع الأحوال، أو مواصلة اعتماد مقاربات أخفقت مرارا وتحتاج مراجعة شاملة وتصويبا جذريا.
إذن هو النداء الذي طال انتظاره للعودة بالقضية الفلسطينية للمنظمة الدولية لتمارس دورها في حفظ السلم والأمن الدوليين، ودعوة صريحة لتدويل الصراع، وعودة للمقاربة المناسبة لحل الصراع بالطرق الدبلوماسية، وقطعاً صريحاً لمقاربة التسوية الحالية التي لم ولن تؤدي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وبدون ذلك سيكون الخطاب عبارة عن حث أو استحثاث للطرف الثالث (الولايات المتحدة الأمريكية) على القيام بدور لا يمكنها القيام به ولا تريد القيام به، طالما لا يوجد ما يهدد مصالحها في المنطقة.
– متخصص في الشؤون الامريكية