استطاعت السلطة الوطنية الفلسطينية أن تحقق انتصارات سياسية تُحسب نتائجها بالتراكم لحنكة القيادة الفلسطينية وطواقمها الدبلوماسية, بعدما تقدمت بالقضية الفلسطينية ونقلتها للحلبة السياسية الدولية بعد توقف مسار التسوية السلمية منذ 4 سنوات, بسبب تعنت الجانب الاسرائيلي وتنكره لاستحقاقات ارساء سلام عادل وشامل, واستمراره بمصادرة الاراضي الفلسطينية لصالح التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية بما فيها القدس التي تتعرض بشكل متواصل لحملة تهويد منظمة , واتباع الاحتلال اجراءات الخنق و التضيق واعاقة التنقل بين المحافظات و البلدات و القري الشمالية ,وفى الجنوب يُحاصر قطاع غزة منذ 9 سنوات على التوالي تعرض خلالها لاعتداءات وحشية طالت كل مناحي الحياة, حيث يرسم الواقع المرير مشهداً قاتماً وبالمجمل تعيش الأراضي الفلسطينية اوضاعاً مأساوية بفعل سياسات الاحتلال الهمجية الفاشية كان اخرها حجز دولة الاحتلال الاسرائيلي عائدات الضرائب المجباه لصالح خزينة السلطة الوطنية الفلسطينية لشهرين متتاليين دون وجود مؤشر لانتهاء الازمة قريباً , حيث اقدمت دولة الاحتلال على هذه الخطوة العنصرية بهدف الضغط على القيادة الفلسطينية بعد توجه الاخيرة نهاية ديسمبر من العام المنصرم 2014م الى مجلس الامن الدولي لاستصدار قرار دولي ينهي احتلال الاراضي الفلسطينية وفق جدول زمني يُحدد نهاية 2017م موعداً لذلك وهو ما لم يحدث بفعل الضغط الامريكي الاسرائيلي على الدول الاعضاء وبالتالي فشل مشروع القرار بالحصول على التصويت المطلوب , ولاحقاً وكَرَد أولي وقعت القيادة الفلسطينية علي اتفاقية روما 1998م توطئة للانضمام لمحكمة الجنايات الدولية ومع بداية نيسان من العام الحالي 2015م ستصبح فلسطين عضواً في المحكمة الدولية وهذا بحد ذاته مثل صعقة كهربائية عالية الفولتات لدولة الاحتلال اصابها بالهستيريا والتخبط فاقت تصريحات قادتها وعلي رأسها رئيس الحكومة "نتنياهو" مساعيه لإلغاء محكمة الجنايات الدولية ..!!في اشارة الي عجزه.
دولة الاحتلال الاسرائيلي تعي تماماً تداعيات انضمام فلسطين لمحكمة "لاهاي" وهذا من شأنه أن يضع قادة الاحتلال وضباطه وجنوده تحت طائلة المسؤولية القانونية والاستجواب في حال تقدمت فلسطين بطلب التحقيق في جرائم الحرب و الابادة الجماعية بحق المدنيين الابرياء في الأراضي الفلسطينية خلال حروبها و اعتداءاتها على الارض و الانسان الفلسطيني وتوجيه اصابع الاتهام للاحتلال عن جرائم وفظائع ارتكبت لازالت الشواهد الحية عليها حاضرة وتنتشر في كل مناطق قطاع غزة , وتشهد اجراءات الاحتلال و اعتداء مستوطنيه على ما يحدث في اراضي الضفة الغربية بما فيها المدينة المقدسة .
قرار حكومة "نتنياهو" العنصري بمنع تحويل عائدات الضرائب لصالح خزينة السلطة الوطنية الفلسطينية يأتي ضمن الخطوات العقابية المقصود منها تفاقم الاوضاع الحياتية و المعيشية للمواطن الفلسطيني حيث تدخل عائدات الضرائب ضمن الموارد التشغيلية و الخدماتية وفاتورة رواتب موظفي السلطة الوطنية , ونتج عنه عدم تمكن وزارة المالية بالإيفاء بالتزاماتها الحيوية وتضرر قطاعات خدماتية بشكل مباشر ,وهذا الاجراء يعتبر قرصنة واضحة واعتداء على اموال للغير ومصادرتها دون وجه حق يوجه سهماً قاتلاً لاتفاقية باريس الاقتصادية التي جاء ضمن بنودها قيام دولة الاحتلال بجباية الضرائب على السلع و البضائع المستوردة وتحويلها للسلطة الوطنية وباتت دولة الاحتلال تَستخدم هذه الاموال للضغط على الجانب الفلسطيني, وسبق ان اتبعت دولة الاحتلال الاجراء ذاته ومنعت تحويل العائدات الا انها في نهاية الامر استأنفت تحويلها , وهذا يَستدعي اعادة النظر باتفاقية باريس الاقتصادية جملة و تفصيلا و الوقوف على كل بنودها وخاصة المُجحفة بحق الفلسطيني التي تُمكن الجانب الاسرائيلي من التحكم بمصادر التمويل الخاصة بالسلطة الوطنية من عائدات ضريبية هي اموال من حق الشعب الفلسطيني وله التصرف بها و جبايتها بعيداً عن الهيمنة الاحتلالية , ويُمثل هذا الاجراء رافداُ مهماً لاستدراك سياسات احتلالية واجراءات مستقبلية , وما قامت به الفعاليات الشعبية و الرسمية في الضفة الغربية من منع توريد منتجات 6 من الشركات الاسرائيلية يأتي في ذات الاطار , ورداً طبيعياً علي اجراء الاحتلال منع تحويل الاموال , ويمكن ان تتسع دائرة الاجراءات المتخذة بحق حكومة الاحتلال في حال استمرت بتعنتها الى رفع دعاوي قضائية في محكمة الجنايات الدولية بحق دولة الاحتلال و اتهامها بالأدلة الدامغة بمصادرة وسرقة اموال عليها تحويلها للغير وفق اتفاقية دولية تم توقيعها في 24سبتمبر من العام 1994م .
التوجه للمؤسسات الحقوقية و القانونية الدولية وتدويل ما قامت به دولة الاحتلال من تجميد تحويل أموال الشعب الفلسطيني ,و التنويه الى تداعياتها المباشرة على استقرار المنطقة وهذا ما لا تحتمله دولة الاحتلال ان استمرت اجراءاتها الاستفزازية في الاراضي الفلسطينية ورد الفعل الغير معلوم النتائج حيث تعيش الاراضي الفلسطينية اوضاعاً صعبة و مأساوية وهذا من شأنه إشعالها بسبب ظروف وعوامل و إجراءات لا حصر لها يعاني منها الشعب الفلسطيني ما يزيد وتيرة انطلاقة شرارة موجة من عمليات مقاومة الاحتلال الاسرائيلي ومستوطنيه حينها سَتدخل المنطقة لدوامة الفعل ورد الفعل ما يُنذر بمواجهة شاملة اكثر دموية وعنفاً وسيمثل هذا الوضع المتردي في اختبارا لقدرة دولة الاحتلال على الصمود امام انتفاضة ثالثة ودخول المنطقة في دائرة العنف ,و في غزة الامر لا يختلف كثيرا وهي تعاني أوضاعاً صعبة تتفاقم يوماً بعد يوم وتعيش هواجس اعتداء احتلالي جديد تمهد له تصريحات قادة الاحتلال بالتزامن مع السياق العموم المواكب
للانتخابات الكنيست القادمة و محاولة كسب اصوات الناخب الاسرائيلي و قد تحمل التهديدات بحق غزة بين مفرداتها حقائق تعكس اوضاعاً امنية متردية يمكنها ان تُوجد مبرر لاستئناف القتال من جديد دون وجود ضوابط لمنعه فعلياً .
على العالم الجائر الذي يتغنى بالديمقراطية وحقوق الانسان الوقوف امام مسؤولياته ووقف الهمجية الاحتلالية بحق الارض والشعب , والمال الفلسطيني واتخاذ اجراءات فعلية ضد دولة الاحتلال والا ينتظر تَفجر الاوضاع الميدانية وانحدارها السريع نحو خط اللارجعه , والامر ذاته يحتاج لمواقف عربية واسلامية تتحرر من التبعية و الانبطاحية ومسار الخنوع والرضوخ والصمت المحدد لها وتكون على قدر كبير من المسؤولية تمليها روابط العقيدة , والاخوة والقومية العربية والايفاء بكل ما تلتزم به امام وسائل الاعلام من دعم مادي وسياسي تجاه القضية الفلسطينية بقي بمجمله اسيراً للتصريحات السياسية واتقان فن الخطابة المكتوبة دون ان يترجم لدعم فعلي واقعي يشعر معه الفلسطيني انه لا يعمل منفرداً وحيداً , وامام التحديات الجِسام تبقي القيادة الفلسطينية من تتمتع بقدرة ادارة دفة الصراع مع عدو ماكر بما تمتلكه من خيارات متعددة واوراق قوة لا يستهان بها امتلكتها بإتقانها لعبة السياسة و الساسة