تاريخ النشر: 2018-11-18 | 15:19
تاريخ النشر: 2018-11-18 | 15:19
أمد / القاهرة - ناصر حجازي: لقد عرفت د. أحمد يوسف، المستشار السياسي لرئيس الوزراء السابق إسماعيل هنية، ورئيس مجلس أمناء مؤسسة بيت الحكمة للدراسات والاستشارات، من خلال تصريحاته ومقالاته، والتي يتفق معها البعض أو يختلف، ولكنها تعبر عن شخصية لها مواقف ووجهات نظر تحظى بالتقدير والاحترام.
وفي سياق البحث عن إجابات للكثير من التساؤلات التي يطرحها الشارع الفلسطيني، كان لنا هذا الحوار.
* ما رؤيتك للخروج من "الدائرة المغلقة"، وأعني بها أزمة المصالحة الفلسطينية؟
- أعتقد أن المشكلة اليوم ليست في الرؤية والمبادرات؛ لأن هناك الكثير منها، وفيها الكثير من التوازن الذي يرضي الطرفين، الإشكالية هي في إصرار الرئيس (أبو مازن) على موقف واحد، وترديد مصطلح "التمكين" للحكومة فيما الحالة الفلسطينية بمجملها هي تحت الاحتلال، ولا أحد يتمتع إلا بهامش محدود من الحريات.
إن عقلية الفرد التي تتحكم في القرار الفلسطيني هي أُس المشكلة، فالرئيس لا يريد إلا حلاً وفق رؤيته، ولا اعتبار للآخر، الذي من المفترض أنه شريك في السلطة والحكم.. ملخص القضية أن الرئيس لا يريد قطاع غزة، ولكنه يتمحك للهروب من المسئولية بهذه السقوف العالية من الشروط، التي لن تقبل بها حركة حماس، ولا حتى الفصائل الفلسطينية الأخرى.
إن هناك غياب ثقة في السلطة، والعلاقة مع حركة فتح هي الأخرى ليست بالدرجة التي تسمح بالاطمئنان لمواقفها السياسية فيما يتعلق بالشراكة والتوافق حول الحكومة وإدارة المشروع الوطني.
إن مغادرة مربع الأزمة مع حركة فتح ورئيس السلطة الفلسطينية ليس بالصعب إذا ما توفرت الإرادة السياسية وعناصر الثقة ولو في أدنى حدودها، وذلك من خلال الاحتكام للإطار القيادي المؤقت أو لطرف الوساطة المصرية، ليكون أحدهما هو المرجعية للحكم على شرط التزام طرفي الأزمة (فتح وحماس) بما يتم التوصل إليه من قرارات أو توافقات وطنية، وأن يكون الأخ (أبو مازن) في موقعه كرئيس للشعب الفلسطيني وليس كرئيس لحركة فتح.
إذا جنَّب الرئيس وضعيته باعتباره الخصم والحكم، فأنا اعتقد أن الخلاف سيجد طريقه إلى الحل وبأسرع مما يتوقع الكثير من المشككين؛ الظانين به ظنَّ السوء.
بصراحة؛ كانت "الورقة المصرية" تشكل مفتاحاً للحل، وهي حقيقة بمثابة الضوء في نهاية النفق لو تمَّ الأخذ بها، ولكن - للأسف- الرئيس (أبو مازن) ما زال هو "العقبة كأداء" في إنجاز الاتفاق، كما أننا - ومن باب الإنصاف – لا يمكننا إعفاء حركة حماس هي الأخرى من تحمل جزءٍ من المسئولية.
ومن الجدير ذكره، أن هناك الكثير من المبادرات على المستوى الوطني، ولعل من أبرزها الرؤية التي شاركت في صياغتها الكثير من النخب الفلسطينية في مؤتمر مركز مسارات الأخير بعنوان: مبادرة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وقد تضمنت العديد من النقاط، مثل: رفع الإجراءات العقابية عن قطاع غزة فورًا، والشروع في حوار وطني شامل يُفضي إلى التوافق على برنامج وطني يجسد القواسم المشتركة، والاتفاق على أسس الشراكة الحقيقية المتناسبة مع قواعد العمل لمرحلة التحرر الوطني، ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية، تقوم بالتحضير للانتخابات خلال مدة أقصاها عام.
* في المواجهات العسكرية الأخيرة كان أداء المقاومة الفلسطينية مميزاً ومتعقلاً، وكان الايقاع ينم عن وعي ميداني حكيم، ما هو السر وراء ذلك؟
- في الحقيقة، إن أحداً لم يكن يرغب في التصعيد، وكنا على وشك التوصل إلى تهدئة مع الاحتلال، إلا أن العملية العسكرية للقوات الخاصة الإسرائيلية أحبطت ما كان يجري من اتصالات لتهدئة الأجواء، وقطعت الطريق أمام التوصل إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار.
إن الشيء الذي تشكر عليه الجهود المصرية وغرفة العليمات المشتركة هو سرعة التحرك لقطع الطريق أمام تطور المواجهات إلى حرب مفتوحة.
لقد نجحت المقاومة في علمية الضبط الميداني وإحكام علميات الرد على العدوان الإسرائيلي، فكان كل شيء يجري بمقدار وعن سياسة الرد المتدرج، وإيصال الرسائل التي يفهم الاحتلال مدلولاتها ومغازيها بسهولة.
وهذا نُضج تشكر عليه المقاومة، كما أن الجهود المصرية كانت حريصة على تطويق حالة الرد من جهة حماس حتى لا تصل الأمور إلى ما لا يحمد عقباه.
* بوصفك حمساوي، وأحد الأصوات الناقدة في كثير من القضايا السياسية، ما هي أخطاء حركة حماس في عملية المصالحة؟
- إن خطأ حركة حماس في ملف المصالحة أنها كانت متشددة في البداية، وأن مرونتها جاءت متأخرة، حيث كانت هناك فرص يمكن أن تشكل كسباً للطرفين، ولكن القراءات لواقع المنطقة والاحتلال والربيع العربي كانت قاصرة، فأضاعت الفرص؛ لأن رهانات كل طرف كانت بأن الزمن يعمل لصالحه، فيما الزمن فاجأ الجميع أنه لا يعمل إلا لصالح دولة الاحتلال.
في اتفاق مايو 2011، الذي جرى التوقيع عليه في القاهرة، كان بالإمكان أن يكون طوق النجاة لإخراج الحالة الفلسطينية من ورطتها، ولكننا أضعناه، واتفاق أكتوبر عام 2017 كان هو الآخر مدخلاً للحل، لكن - للأسف -كانت آلية التطبيق ضعيفة، وأفسحت المجال للتفسيرات الخاطئة، وتهرب كل طرف من الالتزامات بالشكل الذي قتل الاتفاق عملياً.
لا يمكن تحميل طرف واحد ما وقع من فشل للاتفاق، لأن الطرفين حقيقة ساهما عن قصد أو بغير قصد لتلك المآلات من الإخفاق والفشل.
* ألا تعتقد أن حماس ارتكبت "خطيئة وطنية" بقرارها الحسم العسكري للوضع في غزة في 2007؟
- من خلال مشاهداتي لوقائع الأحداث بعد تشكيل الحكومة العاشرة في مارس 2006، كانت الأمور تشي بأننا قادمون على مواجهة داخلية؛ لأن حركة فتح لم تكن لتُسلم السلطة بسهولة، واستمرت قبضتها على الأجهزة الأمنية والإعلامية في محاولة لتعطيل أي فرصة لتمكين حركة حماس في الحكم.
كانت حركة حماس هي الأخرى تفتقد إلى الخبرة السياسية والحنكة الكافية في إدارة شئون الحكم، التي تجنبها الوقوع في شرك المواجهة الداخلية.
للأسف، كانت العقلية "الأمنية والعسكرية" تتحكم في قيادات طرفيِّ الأزمة؛ فتح وحماس.. ولذلك، لم تتوقف عمليات القتل والاستهداف التي كانت تغذي رغبات الانتقام، وتعمل على تعميق الجُرح والكراهية بين الطرفين.
في الحقيقة، كان السياسيون في الطرفين أسرى لتقييمات الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهؤلاء – للأسف - لا يفقهون بالقدر الكافي عالم السياسة والحكم.. ومع ضعف القيادة السياسية لدى الطرفين، كانت المواجهة الضروس لحسم ما ارتأته حركة حماس أنه حق لها في الحكم اكتسبته بفوزها في الانتخابات التشريعية في يناير 2006، وأن خصمها السياسي؛ أي حركة فتح بما تمثله من قيادة للسلطة الوطنية، لا ترغب أن تمنحها التمكين في مشهد الحكم والسياسة، وأنها هي الأحق - بعد الفوز في الانتخابات - بتمثيل "الشرعية"، والتي يجب على الآخرين التسليم لها.
كانت رؤية السلطة ممثلة بالرئيس (أبو مازن) وحركة فتح وبعض قوى اليسار هو تعطيل شرعية حركة حماس، وتعمد إفشالها سياسياً وسلب حقها في إدارة شأن السلطة، وإبقاء كل الأوراق والمفاتيح في يد الرئيس (أبو مازن)؛ إي أن تبقى حركة حماس مجرد" خيال مآته"، فيما تقود حركة فتح بالباطن العلاقات الإقليمية والدولية والمصارف المالية والدعم الخارجي.
بصراحة؛ كان لضعف المستوى السياسي وغياب الحكمة عمن هم في مشهد الحكم لدى الطرفين، وحجم ما كان من تآمر دولي (أمريكي) وتواطؤ إقليمي، ومناكفات إعلامية عبر الفضائيات الحزبية، كانت هي الأخرى من العوامل التي ساقت إلى كارثة "الحسم العسكري"، والتي لا يمكن أن يُعفى طرف فلسطيني من أخطائها وخطاياها.
* في ملف المصالحة، ما هي ملاحظات حركة حماس على الورقة المصرية؟ وما ملاحظاتك أنت عليها؟
- بصراحة، أنا ليس لي ملاحظات على الورقة المصرية، ففيها ما يحفظ للطرفين ماء الوجه، وما يساعد على إخراجنا جميعاً من ورطة الانقسام.. لذا، أعطت حركة حماس موافقتها، ولكن فتح والرئيس (أبو مازن) هما من سجَّلوا الاعتراض، وقدموا ملاحظات لم تُسلِّم بها حركة حماس؛ لأنها تكرس مفهوم الهيمنة والاستحواذ على كل مقاليد الأمور، فيما حركة حماس وفصائل العمل الوطني معها تطالب بالشراكة السياسية، وأن تكون انطلاقة الجميع تحت مظلة منظمة التحرير، التي تريدها أن تكون مرجعية القرار الوطني الفلسطيني وليس سلطة الفرد، الذي لا يرى أحداً غيره في مشهد الحكم والسياسة.
إن تقديرات النخب والفصائل الفلسطينية أن المصالحة لن تتحقق طالما بقيت السلطة تحت حكم الفرد، وظلت منظمة التحرير هي مجرد واجهة وهمية، يتحكم بها تنظيم واحد هو حركة فتح أو بتعبير أدق جناح الرئيس في هذه الحركة.
* كيف يمكن إعادة السلطة إلى حكم غزة بينما تتحكم غزة في كل شيء، ولها السيطرة الشاملة على الأرض بل وتحت الأرض أيضاً؟! وكيف يمكن تجاوز عقبتي "موظفي حماس"، وتشكيل الأجهزة الأمنية؟
- في الحقيقة، إن اتفاق أكتوبر 2017 وكذلك اتفاق مايو 2011، يمكن أن يكونا المنطلق لعودة الشرعية، واحقاق الحقوق لساحتنا الفلسطينية.
إن عودة الشرعية لا تعني تفرد الرئيس (أبو مازن) وحركة فتح برقاب أهل غزة، ولكنها تعني العمل المشترك وفق مفهوم الشراكة السياسية، فهذا الوطن نحميه معاً ونبنيه معا،ً ونجتهد على تحريره معاً، وإذا ما صدق عزم إخواننا في السلطة وحركة فتح فسنجد الطريق القويم للتمكين وتعزيز قدرات مشروعنا الوطني.
إن الشراكة السياسية كروح تجمعنا تبدو غائبة في تصريحات وخُطب الرئيس (أبو مازن) والإخوة في حركة فتح.
لنفترض جدلاً أن حركة حماس قد أخطأت في تقديرها لموضوع الحسم العسكري، ألا تستدعي الحكمة في سياق تراجع مشروعنا الوطني والتغول الإسرائيلي ومؤامرة ما يُسمي بـ"صفقة القرن" أن نعزز من مساعي التقارب بيننا، وأن نقدم التنازلات لبعضنا البعض، قبل أن نخسر جميعاً كل شيء وتنهدم جدران المعبد الفلسطيني، لترث إسرائيل على أنقاض هذا الانقسام الأرض وما عليها.
لقد قلنا في أكثر من مرة أن الرئيس (أبو مازن) باعتبار مكانته الرمزية كرئيس للكل الفلسطيني هو من عليه أن يبادر لتذليل العقبات، وليس بتبني سياسة الاشتراطات ووضع العصا في الدواليب كلما جاءت مبادرة من هذا الطرف أو ذاك.
أنا متأكد أنه في ظل التفاهمات الوطنية لن يكون سلاح المقاومة عقبة في وجه أحد، وهذه القضية سبق وأن تمَّ التفاهم عليها في اتفاق القاهرة عام 2011، وأيضاَ في اتفاق أكتوبر2017، فلماذا يعاود البعض في بطانة الرئيس طرح الموضوع من حين لآخر.
إن قضية السلاح هي مسألة متعلقة بحقنا في الدفاع عن أنفسنا، وأن مصير هذا السلاح هو قرار وطني للكل الفلسطيني، وليس للرئيس (أبو مازن) أو حركة فتح.
لقد برهنت المواجهات العسكرية الأخيرة مع الاحتلال في قطاع غزة بأن السلاح هو من يحمي حدودنا وكرامتنا، وبدونه فإننا سنجد أنفسنا كما الضفة الغربية تحت "بساطير" جيش الاحتلال.
إذا سلَّمنا بهذا البديهية، وهي أن مستقبل السلاح هو قرار للكل الفلسطيني، فلا أظن أننا سنختلف، لكن إذا ما استمر البعض في الإصرار على مقولة التمكين "من الباب للمحراب"، وفوق الأرض وتحت الأرض، بدون تفاهمات واجماع وطني، فسيبقي الموقف لدى حركة حماس والفصائل التي تقف إلى جانبها هو "هيهات منَّا الذِلة".
القضية الأخرى المتعلقة بالموظفين، فهذه مسألة طُرحت لها مخارج وحلول، وجرى حولها بعض التفاهمات، واعتقد إذا ما سادت أجواء التصافي والإنصاف، فإنها لا يمكن أن تشكل عقبة كأداء. المهم أن نجلس، وأن نضع همومنا وأوجاعنا وكل ما يحاصرنا أمامنا النقاش، وما نتفق عليه وطنياً يُلزمنا جميعاً. ومع العمل بروح الشراكة السياسية والتوافق الوطني، فسنحدد اتجاهات البوصلة، والتمكن من تجاوز كل العقبات.
اتذكر عندما طُرحت المبادرة السويسرية عام 2015 كان فيها حلولٌ لحوالي 80% من إشكالية الموظفين، ولكن للأسف، تمَّ التحريض على المبادرة لرفضها، وتتحمل كل من فتح وحماس المسئولية عن ذلك.
* ما هو أفق التعاون بين حماس وتيار دحلان وهل من الممكن أن يعود دحلان إلى غزة شريكاً لحماس في حكم غزة؟
- من المعروف أن هناك خلافاً تاريخياً كان قائماً بين حركة حماس والنائب محمد دحلان، ولكن هذا الخلاف قد طويت صفحاته، وقد تجاوزته حركة حماس عندما التقت النائب دحلان في القاهرة في يونيو 2017، وجرى بين الطرفين أكثر من حوار أخوي تمخض عن القيام بمشاريع لاستنقاذ الحالة المعيشية الصعبة في قطاع غزة، حيث إن "لجنة التكافل" تعمل بحرية، وتقوم بجهود مشكورة للتخفيف من معاناة أهلنا في قطاع غزة.
لا شك أن هذا التنسيق والتعاون الذي يجري من خلال "لجنة التكافل" واللقاءات التشاورية المتكررة قد عزز أجواء الثقة والعمل المشترك بين الطرفين، واعتقد أن دحلان اليوم هو أحد اللاعبين الأساسيين الذي يحظى عمله بالشرعية في قطاع غزة، وله تيار شبابي واسع داخل حركة فتح، وقدَّم مشاهد في السياق الوطني لها احترامها وتقديرها.
لقد طوينا كلانا خلافات الأمس، وما يجمعنا اليوم وطنياً هو أكبر من تلك الخلافات، وهذه مسألة يلاحظها الجميع، دحلان اليوم - من وجهة نظر حماس - هو شريك وطني وليس إشكالية وطنية.
نعم، هناك خلافات شخصية بين الرئيس (أبو مازن) ودحلان، ولكنها بالتأكيد شخصية، وليست حول منطلقات المشروع الوطني.
خلاف الرئيس مع دحلان ليس ملزماَ لنا، وسنكون جهة وساطة بين الطرفين إذا جرت مياه الوطن في مجاريها نحو الاتفاق والوحدة.
* ما هي قراءتك لتيار فتح الإصلاحي، وهل تعتقد أن التيار قادر على أن يجمع الكل الفتحاوي حوله في حال غياب الرئيس (أبو مازن)؟
- من الواضح اليوم أن مركز ثقل التيار هو في قطاع غزة، وكذلك محطة تنامي قدراته، من حيث الحشد والتعبئة والإدارة والتنظيم، أما كوادره القيادية في الضفة الغربية فهي في دائرة الملاحقة والاستهداف والحصار، ولكن هذا لا يمنع التيار من كسب الكثير من العناصر لما يمتلكه من حيوية باتجاه استنهاض حركة فتح على فكر وروح الشهيد ياسر عرفات (رحمه الله).
نعم؛ التيار في قطاع غزة ما زال يفتقر إلى رموز قيادية تمتلك الفكر والكريزما الثورية، والأدبيات التي تتربى عليها كوادره في سياق الثقافة الوطنية الجامعة، ولكن هذه النقطة سيتم تجاوزها بالتأكيد في قادم الأيام، حيث إن التيار ما زال عمره التنظيمي بضع سنين، ومساحات حراكه وتحالفاته هي في طور التوسع والانتشار.
في اعتقادي، إن التيار في مرحلة ما بعد الرئيس (أبو مازن) سوف يتمكن من امتلاك زمام المبادرة لاستعادة توحيد حركة فتح، والعمل مع الآخرين لجمع الصف الفلسطيني في إطار الشراكة الوطنية؛ السياسية والنضالية، التي نتطلع إليها.
* يتوقع الكثيرون أنك لن تستمر في حماس لاختلاف طريقة تفكيرك عن الفكر السائد داخل الحركة، فهل يمكن أن يصدق توقعهم قريباً؟
- إن الحركة التي التزمت بها منذ شبابي وعلى مدار أكثر من نصف قرن لا يمكن أن أفكر في مغادرتها وأنا على محطة الرحيل للدار الآخرة، سأظل بقلمي ولساني، ومن خلال ما أقوم به من أنشطة وفعاليات وطنية وحركية أقدم الرأي والنصيحة لإخواني في الحركة، حيث إن القرع على جدار الخزان من داخله أبلغ في إيصال النصيحة والتأثير في أسماع القيادة.
لقد شهدت تحولاً يطرأ في ذهنية الكثير من نخب الحركة وكوادرها المتقدمة، وغدا العديد من هؤلاء يرددون ما نطرحه على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا حراك سيكون له ما بعده في المستقبل القريب، حيث إن حركة حماس كغيرها من الحركات الإسلامية المؤدلجة لا تستجيب للتغيير بسرعة، ولكنها تأخذ بعض الوقت، وهذه التجربة السياسية التي مرت بها، ستحدث داخلها ثورة فكرية باتجاه الواقعية السياسية، ولعل الأجيال القادمة من هذه الحركة ستحمل عناصر رؤية أكثر مرونة تجاه الآخر؛ باعتباره شريكاً وطنياً، له ما لها وعليه ما عليها.
إن شخصاً بانتظار النعش الذي سيُحمل على أكتاف من عايشوه عمراً، ليس من الحكمة والمروءة والإخوة أن يقول لهم: اعتزلكم وما تعبدون!! حيث إن الأجدى هو الصبر والدعوة لهم "اللهم اهد قومي لما فيه الرشد والصلاح".
* فيما يتعلق بالتهدئة، ما شروط حماس للتهدئة طويلة الأمد (الهدنة)؟
- التهدئة هي خيار الضرورة، ولو كانت الأمة بخير والأوضاع الفلسطينية متماسكة ربما لم يجرؤ أحد على طرح هذا الموضوع، حيث إننا شعب تحت الاحتلال، ومن حقنا الذي كفلته القوانين الدولية أن نقاوم لنسترد حقوقنا المغتصبة، وأن ندافع عن مقدساتنا التي يدنسها الاحتلال صبح مساء.
إن التهدئة حالة تتطلبها ضرورات إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وتجديد الترابط مع العمق العربي الإسلامي، لقد نُكبت أمتنا بالتطرف والإرهاب، الذي أوغل صدور الأمم علينا، وجنح الكثير من الدول الغربية في دعم إسرائيل والوقوف إلى جانبها وشراء روايتها، بالرغم من المظلومية التي لحقت بنا نحن الفلسطينيين، إن التهدئة كما هو معروف في علم السياسة هي " استراحة محارب"، وليست حالة استسلام، هي محطة كي نراجع فيها أين أصبنا وأين أخطائنا؟ وربما نجد من خلالها فرصة لخيارات أقل دموية لتحقيق ما نتطلع له من حق في العودة والاستقلال.
* الم يكن من الأفضل حقن دماء عشرات الشهداء بعدم الدخول في مخاطرة مسيرات العودة؟
- في الحقيقة، كانت مسيرات العودة هي فكرة شبابية تمَّ تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد لقينا استجابة واسعة وتفاعلات كبيرة معها، الأمر الذي جعل الفصائل تدخل على خط المشاركة، والعمل على إنجاح تلك الفعاليات من خلال الدعم اللوجستي والحشد الشعبي، بتوفير هذا الحضور الذي فاق التوقعات.
لم يكن يراد لهذه الفعاليات أن تكون ساحة مواجهات دامية، ولكن بإيداعات سلمية في مجال التعريف بالقضية، وإرسال رسالة للعالم حول ما عليه الحالة الفلسطينية من حصار وتضييق، بهدف رفع هذا الحصار الظالم عن قطاع غزة.
للأسف، استغلت إسرائيل اقتراب مئات الشباب من السلك العازل على الحدود لتوقع هذه الأعداد الكبيرة من الشهداء والجرحى.. إن مسيرات العودة حرَّكت قضية الحصار واستدعت تدخلات دولية، وما زلنا بانتظار ما يمكن أن تفضي إليه تلك المسيرات.
نحن كشعب تحت حكم الاحتلال الذي أطبق حصاره علينا من كل جانب، والواجب يفرض علينا أن نتحرك وألا نستكين.. ففكرة المسيرات السلمية مهمة، ولكن علينا أن نسد باب الذرائع أمام جيش الاحتلال، حتى لا تضيع دماء الشهداء والجرحى هدراً، وهذا ما تحاول أن تقوم به اللجنة العليا لمسيرة العودة وكسر الحصار.
* دفعنا عشرات الشهداء مقابل العودة، ثم هبط سقف المطالب إلى رفع الحصار، ثم أصبح مطلب حماس الآن تهدئة مقابل تهدئة، ألا ترى أن تلك إدارة غير مسئولة من حماس لهذه الأزمة؟
- كما ذكرنا، سقط هذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى؛ لأن إسرائيل لا تحترم القانون الدولي، ولا تخشى عواقب الجرائم التي ترتكبها كجرائم حرب أو جرائم بحق الإنسانية، فهي -للأسف- تجد غطاءً دولياً توفره لها الولايات المتحدة وتمنع المجتمع الدولي من اتخاذ إجراءات رادعة بحق إسرائيل؛ الجولة المارقة، الأمر الذي يدفعها للتمادي في العدوان وقتل أرواح الأبرياء.
إن من أبجديات النضال الفلسطيني ألا نجعل إسرائيل تهدأ بالعيش فيما شعبنا يعاني في مخيمات اللجوء والشتات، فالعملية النضالية مطلوبة، ولكن علينا أن نتحرك بحكمة كي نحافظ على حقوقنا واستمرار قضيتنا ضمن أولويات الاهتمام الدولي.
وطالما أن هناك احتلالاً فإن هناك شعباً يقاوم، وسيكون هناك شهداء وجرحى ومعتقلين وأسرى، تلك هي معادلة الصراع مع الاحتلال منذ أكثر من سبعين عاماً.
* ألا تعرضون وحدة الأرض الفلسطينية للخطر بقبول هدنة طويلة الأمد مع العدو في قطاع غزة فقط ما يفتح الطريق أمام "دويلة غزة"؟
- لقد أوضحت الحركة على لسان كل قياداتها أنه "لا دولة في قطاع غزة، ولا دولة بدون قطاع غزة"، وقد قدَّمت الحركة تنازلات كثيرة من أجل استعادة الوضع الفلسطيني لوضعية الوحدة، من حيث حكومة واحدة بتوافق وطني لتجنب حالة تأبيد الانقسام، وسعت للمصالحة مع السلطة والإخوة في حركة فتح، ولكن يبدو أن الطرف الآخر لمشهد الصراع غير راغب بالعودة إلى قطاع غزة، ولكنه يمتهن لغة الاتهام والتحريض لحركة حماس، ومواصلة الادعاء بأنها تدفع الأمور باتجاه الانفصال وإقامة دولة في قطاع غزة!!
نحن نعلم أن هذا هو ما يريده الاحتلال، لإنهاء قضية فلسطين بابتلاع الضفة الغربية؛ أرضها ومقدساتها، ولذلك نجتهد ألا يتحقق شيء من هذا لدولة الاحتلال.
إننا كفلسطينيين نرتكب أخطاءً وحماقات سياسية باستمرار هذا الانقسام والخلاف بيننا، ونبدو وكأننا جميعاً (فتح وحماس) نتحرك من حيث لا ندري وفق مخططات الاحتلال الإسرائيلي، وتساوقاً مع رؤيته الاستراتيجية لشطب القضية الفلسطينية.
أن التهدئة إذا نجحت ستعطينا الفرصة كفلسطينيين وقوى وطنية وإسلامية لإجراء مراجعات وإعادة ترتيب أولوياتنا فيما يتعلق بمشروعنا الوطني ورؤيتنا السياسية وعلاقاتنا الإقليمية والدولية، فالتهدئة أو الهدنة ليست مفتوحة بدون سقف أو التزامات، ولكنها مرحلة لالتقاط الأنفاس وترميم البيت الفلسطيني الذي تصدعت معظم أركانه وأصبح آيلاً للسقوط.
* ما هي العلاقة التي تربط حماس الآن بجماعة الإخوان المسلمين، وهل خرجت الحركة بالفعل من عباءة الجماعة الأم، أم أن ذلك سيحتاج لوقت طويل؟
- إن علاقة حركة حماس بالإخوان المسلمين تعود إلى تاريخ نشأة هذه الجماعة قبل تسعين عاماً، حيث رفعت الجماعة عند انطلاقتها نداءاتٍ لاستنهاض شعوب الأمة العربية، والدعوة لاجتماع الشمل الإسلامي، واعطت لفلسطين بعداً دينياً متميزاً يُلزم المسلمين حول العالم العمل من أجل تحريرها، وهذا يُحسب لمصر التي كانت دائماً تحمل الهمَّ الوطني والقومي والديني لأمة العرب والمسلمين.
في الخمسينيات، كانت مصر عبد الناصر قد عبَّأت العرب وحشدت جيوشهم للدفاع عن عروبة فلسطين.. وفي الستينيات وبعد هزيمة حزيران 67، صارت قضية فلسطين مسئولية قومية، إذ لم تبخل مصر عن المطالبة بتحريرها والعمل من أجل ذلك.
بالنسبة للحركة الإسلامية في فلسطين، فإنها مدينة لمصر في تحريك البعدين الإسلامي والعروبي للقضية الفلسطينية، وذلك بجعلها قضية الأمة المركزية، وتحميل الجميع أمانة دعمها وتحريرها.. إن هذا الارتباط التاريخي بين الحركة الإسلامية في فلسطين وجماعة الإخوان المسلمين هو في الحقيقة علاقة تقدير واحترام لمصر ودورها في احتضان فلسطين؛ الشعب والقضية.
إن حماس كحركة تحرر وطني بعباءة إسلامية ليس لها من علاقات تنظيمية خارج سياق علاقات الإخوَّة والتناصح وتبادل الرأي والمشورة مع العمق العربي والإسلامي، وما يعنيه ذلك من البحث عن النصرة والتأييد للقضية الفلسطينية.. ليس هناك أية ارتباطات إدارية أو تنظيمية مع أحد، كما أن حركة حماس لا تتدخل بشؤون الدول وتحترم خصوصيات أوضاعها السياسية، وتأمل من الجميع الحفاظ على دعمه للقضية الفلسطينية؛ باعتبارها قضية الأمة العربية والإسلامية.
* أخيراً.. في الذكرى الرابعة عشر لرحيل القائد الشهيد ياسر عرفات (رحمه الله)، ما الذي تمثله هذه المناسبة لك وللشعب الفلسطيني؟
- في الحقيقة، إن ياسر عرفات في المخيال الجمعي الفلسطيني هو الأب الروحي لحركية النضال والثورة، وهو الفدائي الاستثنائي الذي حبب إلينا الكفاح المسلح وأبقى فلسطين؛ القضية والهوية تعيش فينا، وهو الرجل الذي نفتقد شخصية الأبوية، وحضنه الذي اتسع للجميع، حيث كانت ابتسامته تمنحك الثقة والاطمئنان، لقد تعالى (رحمه الله) فوق ثقافة القبيلة أو تعامل مع الجميع كابناء وطن واحد، فكانت مشاهد لقاءاته الأخوية مع الشيخ أحمد ياسين والرفيق جورج حبش وغيرهم من قيادات العمل الفلسطيني يترهن بأن الرجل القائد كان متصالحاً مع نفسه، ومنفتحاً على الكل الفلسطيني، والذي رغم خلافه مع مواقف البعض منهم، إلا أنهم لم يكونوا جميعاً مختلفين عليه. لقد مضى شهيداً، صدق الله فصدقه.
سيظل ياسر عرفات "أيقونة وطن"، وذاكرة حيَّة للنضالية الفلسطينية تعيش فينا حاضرة لا تغيب.