تاريخ النشر: 2014-11-07 | 08:06
تاريخ النشر: 2014-11-07 | 08:06
أذهلني المفكّرُ دوما، كلما أسهب في شرح علاقةِ النتيجةِ بالسبب، وكلما رمقني بعينٍ، وزمّ أخرى، أذهلني، بغليونِه الثقيل، وبمنكشه الرفيع، وهو يحركُ التبغَ كلما انطفأ، ويقدحُ نار ولاعته، ليرشقني بسحابةٍ جديدةٍ من دخان التوباكا الكثيف، لستُ أدري إذا ما كان المفكّر تقصّد إذهالي، لكنّه كان علي أي حالٍ مذهلا، يقلبني أمامه، وهو يُمطرُ عينيّ بالكلام، ويحكي في أيّ مسألة، كان كأنّه يأتي بالكلام من مخلاةِ عقله المخبأة، أيّ مسألة، من تحرير البلاد، إلى مشكلة قمامة حينا المتناثرة، وأنا أروحُ، أحلّق في فضاءاتٍ بلا منتهى، أرى قبح الآخرين، وخراب العقول كلّها .. وكيف أنَّ الحلول تضيع، مادامتِ الناسُ لم تسجدْ بعدُ على مصطبة المفكّر المقدسة!
وعندما لبس المفكّرُ بذلته الأولى؛ رأيتُه يتنقلُ على الطريق، فهرولتُ مباركا، قلت: مباركةٌ البذلة يا رفيق ... فمنحني بسمةً، وهزّ صلعته، ووقفتُ أتتبع خطوه الرشيق، وأنا المنذهلُ بجمالِه، الذاهلُ عمّا سواه .. حتى جاء ذاك اليوم، حينما صحوتً في ذاك القبوِّ، وأنا أُسحبُ مقيدا، يومها صفعني ذاك الضابطُ بكفِه الثقيلة، وفي الدهليزِ رأيتُ المفكّر كان قد شحب، بكى المفكّر لي، وقهقه الضابط لدهشتي، أدلى المفكّرُ يشهادةٍ تدينني .. ودهشتي زادت وأنا أحاكمُ بتهمةِ الذهول والكسل!