تاريخ النشر: 2018-04-03 | 12:06
تاريخ النشر: 2018-04-03 | 12:06
أمد/ غزة - ترنيم خاطر: في خاطره أمنية لم تتحقق، وحلم لم يكتمل، رحل قبل أن يزور القدس وعكا وحيفا ويافا والجليل، لكنه حاول بالرسم على رمل بحر غزة المحاصرة أن يرسم كل فلسطين التي لم يتمكن من زيارتها، لكن رصاصة الاحتلال اغتالت كل تلك الأحلام.. محمد أبو عمرو هو واحد من خمسة عشر شهيداً رحلوا في يوم الأرض الذي نُظمت فيه مسيرة العودة الكبرى.
نعيم أبو عمرو(58عاماً)، والد الشهيد يقول وعلامات الألم والحزن تبدو واضحة على وجهه:" عشق محمد هواء وتراب غزة، إلا أنه ومن ذلك كان يتمنى أن يذهب للقدس وحيفا وكل المدن والقرى الفلسطينية، وهو ما دفعه إلى أن ينحت قبل يوم واحد من استشهاده على رمل بحر غزة كلمة أنا راجع".
"أنـا راجع" حلم يراود اللاجئين الفلسطينيين منذ 70 عاماً، لكن رصاصات القتل والغدر الإسرائيلية؛ أنهت أمنيات محمد وأحلامه قبل أن تبدأ..
ويتابع:" ولد محمد عام 1991، وكان مثالاً للأدب والأخلاق، ويغلب على شخصيته الهدوء، ومع ذلك كان دائم الابتسامة والمزاح مع باقي إخوانه، على الرغم من فقدان والدته وهو في عمر صغير، كان يلجأ لي في كل شؤون حياته، ويخبرني بكل صغيرة وكبيرة عنه، وما يحدث معه، وقبل خروجه من البيت كان يخبرني، إلا أنه في ذلك اليوم خرج دون ابلاغي".
يتحدث وقد امتلأت عيناه بالدموع اتصل بي أحد أصدقاءه ليخبرني أن محمد قد أصيب أثناء تواجده في مسيرة العودة الكبرى في منطقة ناحل عوز، ارتديت ملابسي وتوجهت بسرعة إلى مستشفى الشفاء، وطوال الطريق شريط الذكريات يمر في مخيلتي منذ أن أخبرتني زوجتي بأنها حامل به، وحين أنجبته وبعد أن بدأ يحبو ويمشي ويتكلم وطفولته وحتى اليوم السابق لاستشهاده، شعرت حينها بإحساس قوي بأن محمد قد استشهد، وسرعان ما تذكرت أخر ما كتبه على رمل البحر أنا راجع، فقد كان راجع إلى الله".
استكمل حديثه وكل كلمات العالم لا تصف جزء من المعاناة التي عاشها بفقدان ابنه الأول الذي استشهد عام 2008، وفقدان زوجته التي أصيبت بمرض السرطان، ومن ثم زوج أبنته في العدوان الأخير على غزة عام 2014، وأخيراً استشهاد محمد".
بلغة الصبر والاصرار يقول والد الشهيد فلسطين عروس ومهرها غالي، فقدت من أجلها اثنين من أبنائي، وتهدم بيتي بشكل كلي في عدوان عام 2014، وسنضحي بأولادنا وأموالنا، في سبيل وصولنا للحرية والتحرير".
وأضاف والد الشهيد :"كان محمد يمتلك خطاً جميلاً منذ طفولته، وهو ما دفعه إلى توظيف هذه الموهبة التي أكرمه الله بها ليرسم على رمل البحر كلماته التي أبهرت ووصلت إلى الجميع، ليزرع من خلالها الوحدة الوطنية، والأمل بمستقبل أفضل، وحياة أجمل، والفرح والسعادة".
"رسم محمد العديد من الشخصيات الفلسطينية أبرزها الراحل ياسر عرفات، وأحمد ياسين، والطفلة عهد التميمي، وبعض الشهداء والأسرى، وعبر عن الكثير من الأزمات التي يعيشها قطاع غزة كأزمة الماء والكهرباء والحصار وإغلاق المعابر"، منوهاً إلى أن أول ما قام برسمه وكتابته على رمل البحر كلمة أمي بعد وفاة والدته.
ومن ضمن ما خطّه على الشاطئ في وقت سابق: "كن إنساناً متفائلًا وضع هدفًا وخطة لحياتك واجعل شخصيتك منفتحة على الآخرين تعش سعيداً"، لكن محمد لن يكون قادرًا بعد اليوم على مخاطبة أقرانه من الشبان ونقل ما يجول في خاطره من خلال منحوتاته، بل ستبقى مجرد كلمات موجودة على صفحته في فيسبوك ليزورها مُحبّو الشهيد.
ويضيف والد الشهيد:" كان يخطط وينوي أن يقوم برسم خريطة فلسطين بقراها ومدنها، ومفتاح العودة بطول 100متر على شاطئ بحر غزة، إلا أنه لم يتمكن من ذلك لتكلفتها المادية العالية".
وتقول شقيقة الشهيد محمد التي كانت تعتبره بمثابة أبنها الذي لم تلده والذي تكفلت بكل شؤونه منذ وفاته والدتها:" محمد هو ابني فانا من كان يعد له كل ما يحتاجه، وأنا من اهتم بدراسته، وملابسه وطعامه وشرابه، وأنا من كان يسهر بجواره أثناء مرضه وألمه".
تتابع شقيقته المفجوعة بخبر استشهاد أخيها :"في يوم استشهاده استيقظ باكراً وجاء إلى غرفتي وقام بإيقاظي وطلب مني تحضير الفطور لنتناوله سوياً، إلا أنه ومن باب اراحتي احضره جاهزاً، وقام بمداعبتي وممازحتي كما يفعل دائماً".
"خرج مسرعاً للمشاركة بمسيرة العودة، طلبت منه عدم الذهاب إلا أنه أصر على التوجه إلى المنطقة، ودعني وركز نظره في عيناي، لأشعر حينها بمشاعر غريبه، وكأنني أودعه للمرة الأخيرة".
وتضيف شقيقته:" استقبلته بعد عصر الجمعة محملاً على الأكتاف، كان خبر فقدانه مثل الصاعقة بالنسبة لي، احتسبته عند الله، لكن فراقه صعب ولا أتخيل البيت ولا الحياة دونه، محمد فاكهة البيت".
رحل محمد جسداً لكن روحه وأعماله وأحلامه مازالت منقوشة على الرمال يحفظها الفلسطينيون في وجدانهم وعقولهم.