لشهر إبريل / نيسان قصة حياة وموت مع الولد الفلسطيني احمد دحبور. ففي ال20 من إبريل 1946 أبصرت عيناه النور في عروس مدن المتوسط وعلى بعد خطوات من شاطىء حيفا في حي وداي النسناس، الذي عاش ومات أبو يسار، وهو يلهج بالعودة للحي وللمدينة العظيمة حيفا، وغادرنا امس في ال8 من إبريل بعد رحلة طويلة ومريرة مع مرض الفشل الكلوي. فبدا كان إبريل قدر احمد في الحضور والغياب، ومواسم الهجرات المتتالية.
حط الشاعر الفلسطيني الكبير، احمد دحبور رحاله بعد ظهر أمس في المستشفى الإستشاري في ضاحية الريحان بمدينة رام الله، بعد ان إنهكه المرض، وإستنزف قواه وقدراته على المقاومة. غادرنا ابو يسار بعد صراع آخر مع الزمن والهجرات المتتالية. فبعد عام النكبة هاجرت عائلته إلى لبنان 1948، لكنها سرعان ما هاجرت إلى سوريا وتحديديا إلى مخيم اللاجئين في حمص، حيث ترعرع الشاعر المبدع احمد هناك، ونهل المعارف الأولى من معاناة عائلته، وشظف العيش في المخيم وفي مدارس الوكالة. كما تعلم من اساتذته السوريين والفلسطينيين بحور الشعر، التي سكنت روحه وموهبته، التي أطلقها باكرا. ورغم ان القامة الوطنية دحبور، لم يتح له تحصيل تعليم عالي، إلآ انه فرض حضوره عبر إبداعه وتألقه المبكر في اوساط الشعراء الفلسطينيين والسوريين في سوريا وبين أقرانه من الشعراء العرب، وبعد ان التحق بصفوف الثورة الفلسطينية من خلال حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، وغنى لها، وجال في فضائها، اصدر ما يزيد على عشر دواوين خلال سني عمره ال71، وكتب كلمات العديد من الأغاني، منها: "إشهد يا عالم علينا وعلى بيروت" و"يا شعبي يا عود الند" و"ويابنت قولي لأمك" و"عوفر والمسكوبية" و"صبرا وشاتيلا" ... إلخ، ويعتبر احمد دحبور من الرواد المؤسسين لفرقة "العاشقين"، التي إرتبط معها روحيا. كما ان ابو يسار رافق الثورة ودروبها في عمان وبيروت وتونس وعاد معها للجزء المتاح له من الوطن، كما كان يحب وصف عودتنا للضفة الفلسطينية وقطاع غزة.
تميز احمد دحبور بنهم كبير في القراءة، وبقدر ما أصدر ونظم الشعر، بقدر ما قرأ مئات والآف الكتب، وكتب عنها، وكانت زاويته في جريدة الحياة الجديدة " عيد الأربعاء"، من أغنى الزوايا الثقافية. حيث كان يعرض فيها إسبوعيا كتاب او رواية. وإختياره عنوان زاويته "عيد الأربعاء" لم يكن وليد الصدفة، انما وفاءا للمدينة السورية، التي تربى في أحضانها، وشارك ابناءها افراحها واتراحها، مدينة حمص البطلة، حيث كان يوم الأربعاء بمثابة عيد لها ولابنائها.
هذا وتقلد الشاعر الكبير احمد دحبور عددا من المواقع الأدبية والإدارية منها: مدير تحرير مجلة "اللوتس" 1988؛ مدير دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية حتى العودة للوطن في 1994؛ وكان عضو الأمانة العامة لإتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وعضو اتحاد الأدباء والكتاب العرب، وبعد العودة للوطن تسلم موقع وكيل وزارة الثقافة الفلسطينية حتى تقاعده. وحاز ابو يسار على جائزة توفيق زياد للشعر عام 1998. ومنحه الرئيس محمود عباس، وسام "الإستحقاق والتميز" في 23 آذار/مارس 2012.
في حقل الثقافة والمعرفة والإبداع حلق احمد دحبور عاليا، وأشهر إسمه في سماء فلسطين والعالم العربي وفي اوساط الثقافة العالمية. حيث تربع على موقع متقدم جدا مع مجايليه من الشعراء والأدباء، فهو من الرواد، وممن اسهموا بتعميق الهوية والشخصية الوطنية. وبخسارته، خسرت الثقافة وفرقة الشعر المتقدمة فارسا مميزا، ومبدعا فحلا. غير ان احمد دحبور الشاعر والاديب والمناضل سيبقى ما بقيت دواوين شعره ونتاجاته المعرفية تضيء صفحات المعرفة الوطنية والقومية والإنسانية. رحم الله ابو يسار، والعزاء لنا جميعا وللثقافة الوطنية بفقدانه.