إلى كل من استغل معاناة الناس، واتخذ من ألمهم طريقًا لتحقيق مكاسب شخصية، وإلى كل من ظن أن الأزمات تمنح فرصة للثراء على حساب الفقراء والمحتاجين.
اعلموا أن الفقر ليس بابًا للغنى، وأن الجوع ليس سوقًا للتجارة، وأن دموع الأمهات وأنين المرضى وخوف الأطفال ليست أوراقًا تُستخدم لتحقيق النفوذ أو المصالح. إن من يمد يده إلى حقوق الضعفاء لا يأخذ مالًا فقط، بل يأخذ معه شيئًا أكبر وأخطر: ثقة الناس، وكرامتهم، وإيمانهم بأن هناك من يشعر بوجعهم.
في غزة، حيث يواجه الناس ظروفًا قاسية لم يعرفها جيل كامل، وحيث فقدت آلاف الأسر بيوتها وأرزاقها وأحلامها، تصبح المسؤولية أمانة عظيمة، ويصبح كل من يتولى دورًا أو منصبًا أو مسؤولية أمام اختبار حقيقي أمام الله والتاريخ والناس.
فالمساعدة التي تصل إلى المحتاج ليست ملكًا لأحد، والدواء الذي ينتظره المريض ليس فرصة للابتزاز، والخبز الذي يبحث عنه الجائع ليس سلعة لتحقيق الأرباح غير المشروعة. إنها حقوق لأناس أنهكتهم الحرب، وحقوق لأطفال لا ذنب لهم إلا أنهم وُلدوا في زمن الألم.
يا من تستغلون حاجة الناس، تذكروا أن الضعيف الذي لا يملك قوة الرد، يملك دعوة لا تُرد، وأن المظلوم قد يصمت أمام البشر، لكنه يرفع شكواه إلى الله. وتذكروا أن المناصب لا تدوم، وأن الأموال التي تُجمع من وجع الآخرين لا تمنح صاحبها راحة ولا احترامًا، فبعض المكاسب تحمل في داخلها خسارة أكبر من أي ربح.
إن غزة لا تحتاج إلى تجار أزمات، ولا إلى من يحولون الكوارث إلى فرص شخصية، بل تحتاج إلى رجال ونساء يحملون ضميرًا حيًا، ويعرفون أن المسؤولية ليست تشريفًا بل تكليف، وأن خدمة الناس في أصعب لحظاتهم هي أعظم اختبار للإنسانية.
التاريخ لا يحفظ أسماء من استغلوا آلام الشعوب، بل يذكرهم كعبرٍ تحذر الأجيال من تكرار أخطائهم. أما الذين وقفوا إلى جانب الناس، وحفظوا الأمانة، وخففوا عن المحتاجين، فهؤلاء هم من يبقون في ذاكرة الوطن.
إن أصعب ما يمكن أن يحدث لشعبٍ منكوب ليس فقط أن يفقد بيته أو مصدر رزقه، بل أن يشعر بأن من يفترض بهم حمايته يستغل ضعفه. فالظلم في زمن المحن أشد قسوة، لأن الإنسان لا ينتظر من الآخرين إلا الرحمة حين يكون مكسورًا.
يا من بأيديكم مسؤولية أو نفوذ أو قدرة على التأثير، اجعلوا هذه المرحلة فرصة لخدمة الناس لا لاستغلالهم، ولترميم ما تحطم لا لتعميق الجراح. فغزة ستتجاوز محنتها يومًا، وستبقى الذاكرة شاهدة على من وقف معها ومن استغل نزفها.
احفظوا حقوق الناس، واتقوا الله في الأرامل والأيتام والمرضى والفقراء، ولا تجعلوا من معاناة شعبٍ كامل طريقًا لمصالحكم الخاصة.
فالأموال تذهب، والمناصب تزول، لكن أثر الإنسان يبقى… إما دعاءً من قلوبٍ أنهكها الألم، أو لعنةً من مظلومٍ لم يجد إلا الله ينصفه.