تاريخ النشر: 2025-09-27 | 12:48
تاريخ النشر: 2025-09-27 | 12:48
نحن الفلسطينيين نعيش اليوم مرحلة دقيقة من تاريخ قضيتنا، إذ تتوالى المبادرات الدولية الهادفة إلى تشكيل ترتيبات انتقالية لإدارة قطاع غزة بعد توقف حرب الإبادة الجماعية التي تعرض لها شعبنا، وما خلّفته من دمار واسع وأزمة إنسانية خانقة. ومن بين المقترحات التي طُرحت، برز اسم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير لرئاسة لجنة دولية تشرف على إدارة القطاع. لقد مثّل هذا الطرح بالنسبة إلينا تجاوزًا لحقنا الطبيعي في تقرير مصيرنا، ومحاولة لإعادة إنتاج وصاية أجنبية نرفضها تمامًا، كما أثار استياءً واسعًا لما يحمله اسم بلير من إرث سياسي ثقيل ومثير للجدل في منطقتنا.
توني بلير، في وعينا الجمعي كفلسطينيين وكعرب، ليس شخصية محايدة أو جديرة بالثقة في قضايا منطقتنا. فقد ارتبط اسمه بغزو العراق عام 2003، وهي الحرب التي اعتبرتها غالبية القانونيين والسياسيين حربًا غير شرعية، وأدت إلى تدمير بلد عربي وتشريد الملايين. وقد أكد تقرير لجنة تشيلكوت البريطانية الصادر عام 2016 أن حكومة بلير استندت إلى معلومات استخباراتية غير دقيقة ومبالغ فيها، وأقدمت على الحرب دون استنفاد الوسائل الدبلوماسية. إن هذا الإرث يجعل من الصعب علينا تقبّل أن يتولى بلير دورًا في إدارة قطاعنا الذي يعاني أصلاً من الاحتلال والحصار والعدوان. فكيف نأتمن من كان شريكًا في إشعال حرب كارثية على أن يقود لجنة يُفترض أن تكون مهمتها إنسانية وحيادية؟
إن رفضنا لتولي بلير أو أي شخصية غربية مشابهة هذه المهمة ليس موقفًا شخصيًا، بل هو موقف مبدئي ينبع من تجربة طويلة مع أشكال الوصاية والتدخل الخارجي. فقد أثبتت العقود الماضية أن الكثير من المبادرات التي تُطرَح باسم "المساعدة الدولية" كانت في جوهرها أدوات لتحقيق أجندات سياسية، بل وسعت أحيانًا إلى فرض وقائع على الأرض ما عجزت عنه آلة الحرب والتهجير القسري. نحن نرفض أن تتحول أي إدارة مفروضة إلى غطاء لإعادة هندسة واقعنا الديموغرافي أو السياسي بما يتوافق مع أهداف الاحتلال، أو إلى وسيلة لتكريس الانقسام بدلًا من إنهائه.
إننا، نحن الفلسطينيين، نؤمن بأننا الأقدر على إدارة شؤون أرضنا بأنفسنا. فرغم كل التحديات والانقسامات الداخلية والقيود الاحتلالية، أثبتت مؤسساتنا منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية قدرتها على تقديم الخدمات وإدارة الملفات المدنية والأمنية ضمن إمكانيات محدودة للغاية.
ولدينا الكفاءات والخبرات الوطنية القادرة على إدارة القطاع على أسس سليمة وقانونية، إذا توفرت الإرادة السياسية والدعم اللازم. إننا ملتزمون بالسير في طريق الإصلاح الاستراتيجي لمؤسسات الدولة الفلسطينية وفق المعايير الدولية المتعارف عليها في الحكم الرشيد، بما يشمل الشفافية والمساءلة، واحترام سيادة القانون، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان الحقوق والحريات الأساسية.
ندرك أن الواقع الراهن قد لا يتيح فورًا استعادة الإدارة الفلسطينية الخالصة للقطاع بسبب الظروف الميدانية والسياسية المعقدة، لكننا نرى أن البديل المقبول الوحيد في هذه المرحلة الانتقالية يجب أن يكون عربيًا.
إن تشكيل إدارة مؤقتة بقرار من مجلس جامعة الدول العربية هو خيار أكثر انسجامًا مع إرادتنا الوطنية، ويمنح العملية غطاءً شرعيًا إقليميًا ويقطع الطريق أمام مشاريع الوصاية الغربية التي فشلت تاريخيًا في تحقيق الاستقرار أو إنصاف شعبنا. ونؤكد أن هذه الإدارة العربية، إن أُقرّت، يجب أن تكون مؤقتة ومهمتها الأساسية تمهيد الطريق لعودة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى أداء مسؤولياتها الكاملة، بما يعيد القرار إلى أيدينا ويستعيد السيادة الوطنية تدريجيًا.
إن تمكيننا من إدارة شؤوننا بأنفسنا ليس مطلبًا سياسيًا فحسب، بل هو شرط لبناء سلام عادل ودائم، ولوقف دوامة الاحتلال والحصار والإبادة الجماعية.
فلا يمكن لأي إدارة مفروضة من الخارج أن تحظى بشرعية شعبية، ولا أن تنجح في إعادة الإعمار أو إعادة الاستقرار.
الحل الحقيقي يكمن في دعم حقنا في تقرير مصيرنا، وتمكين مؤسساتنا الوطنية من القيام بدورها على نحو يتفق مع القانون الدولي ومعايير الحكم الرشيد، مع توفير الدعم العربي والدولي المطلوب بعيدًا عن أي وصاية أو تدخل يهدف إلى الالتفاف على حقوقنا.
إن رفض تولي توني بلير رئاسة اللجنة المقترحة ليس اعتراضًا على فرد بعينه بقدر ما هو رفض لنهج كامل يسعى لإدارة الصراع بدلًا من إنهائه.
المطلوب هو سماع صوت شعبنا وأن يُعترف بقدرتنا على إدارة أرضنا، و أن يكون أي دور خارجي داعمًا لحقوقنا الوطنية، لا بديلاً عنها.
إننا، بعد توقف حرب الإبادة الجماعية التي مورست ضد شعبنا، نؤمن أن الوقت قد حان لاستعادة سيادتنا على أرضنا وإدارة شؤوننا بأنفسنا، بمساندة عربية ودعم دولي يحترم إرادتنا وحقوقنا غير القابلة للتصرف.