تاريخ النشر: 2017-12-25 | 09:44
تاريخ النشر: 2017-12-25 | 09:44
يصعب على المرء الكتابة عن معاناة الطفلة الأسيرة عهد التميمي من قرية النبي صالح، ويعاين الدقائق والثواني داخل زنزانتها، فالأوقات الصعبة ليست سريعة كما هي في الخارج؛ بل متوقفة، أو بطيئة، وثقيلة، وحملها على النفس أثقل من حمل الأحجار الثقيلة.
البرد في زنزانة الطفلة عهد التميمي له وقع آخر كونها طفلة ولم تسجن من قبل، حيث يتم تعذيبها بالبرد لأول مرة في حياتها، وهو ما دفعها لتشكي البرد من داخل محكمة الاحتلال، لعل هناك من يسمع ويعطف على طفولتها، ولكن هيهات.
في الخارج كانت تلوذ الطفلة الأسيرة عهد إن شعرت بالبرد لمواقد النار، لتعويض نقص الدفء لديها؛ ولكنها في الزنزانة، ليس له إلا الله، والتضرع إليه، ومحاولة بسيطة منها أن تنكمش على نفسها لأجل الشعور ولو للحظات بحرارة جسمها المتناقصة، ووقف "صق" أسنانها ببعضها البعض، مرة تلو أخرى.
ما أوجع الطفلة الأسيرة عهد هو برد الزنزانة الذي يتعرض له أيضا الأسرى الأطفال والنساء والفتيات الأسيرات بشكل متواصل خاصة في فصل الشتاء؛ وهذا ليس بالأمر الجديد فكل أسيرة تتحرر، أو كل طفل يتحرر يتحدث عنه وبإسهاب .
خارج السجن كان الزمن يمر سريعا، بالنسبة للطفلة الأسيرة عهد، وكانت لا تشعر بمروره أصلا في ظل صراع الحياة وكثرة طلباتها في الخارج، ولكن عهد وهي في الأسر، وخاصة في الزنزانة؛ فالزمن يكاد يتوقف، ولا ليل ولا نهار، ولا ساعة، ولا صوت آذان، ولا صباح ولا مساء؛ بل ضوء خافت في سقف الزنزانة، وأصوات السلاسل وطرق أبواب الزنازين، وصراخ التعذيب؛ وهذا كله (كوم)، والبرد القارس(كوم) كما يقولون في المثل العامي.
لو أن طفلة من دولة الاحتلال تعرضت لانتهاك في أي حق من حقوقها، ولأقل من زنزانة وبرد قارس، أو أن المقاومة الفلسطينية تعرضت لطفلة صغيرة وما هي بفاعلة – ولو بالخطأ- لان أخلاق المقاومة تمنعها المس بالأطفال، لرأينا صورها تجوب العالم، ولصورت الفلسطينيين كوحوش ضارية.
ينهش البرد أجساد قرابة 400 طفل في سجون الاحتلال، وفي معتقل "هشارون" ينهش البرد القارص أجساد أسيراتنا من الفتيات والنساء؛ فالسقف يدلف فوق أسرتهن الحديديه وكل ما يحيط بالزنازين، فالحديد بارد جدا، والتدفئة معدومه، والأسيرات يغرقن بالمطر والبرد القارس، وحياة كلها معاناة وعذاب لا يتوقف.
صور التعذيب الأخرى للطفلة الأسيرة عهد التميمي – لها ولغيرها - لا تقل همجية ووحشية عن برد الشتاء، فهناك أيضا تقييد الأيدي للخلف، ووضع الكيس النتن في الرأس، والضرب والشبح، وسب الذات الإلهية، والأم والأخت والبنت، ومنع النوم والأكل والشرب...
ليس بإنسان ولا حر ولا شريف، من يرى الطفلة عهد التميمي وبقية الأسرى، ومن يرى أخيه الإنسان يهان ويعذب ولا يحرك ساكنا، وليس بإنسان من يرى أخيه في الإنسانية يتألم ولا ينصره أو يحاول رفع الظلم عنه.
كل إنسان لا يتألم لألم الطفلة الأسيرة عهد التميمي، ولألم أخيه الإنسان من أي جنس أو لون أو دين آخر، بغض النظر عن وصفه، فهو بذلك يتجرد من معاني الإنسانية، وينزل للحضيض؛ ولاحقا يخسر دنياه وآخرته، فالمشاعر الإنسانية النبيلة ترفض تعذيب أي كائن حي، فكيف إن كان هذا الكائن هو الإنسان الذي كرمه الله من فوق السماء السابعة، وفضله على المخلوقات كافة! وكيف إن كان مجرد طفلة صغيرة السن، بعمر الزهر والورد!