لا اعرف من أين أبدا ..إنها المرة الأولي التي اكتب فيها رثاء ..واى رثاء هذا الذي يليق بك ..
أنا لست بشاعر أو أديب أو فنان ..ولكن إنسان .
هو يوم التاسع من مايو ذكري يوم ميلادي ..ككل سنة ولكن هذه المرة جاء بشكل مختلف ..جاء يحمل خبرا مفجعا ..خبر رحيلك عن هذه الدنيا التي كافحت فيها كثيرا ...شقيت وأتعبتك الغربة ولكنها لم تغيرك أبدا ...أربع وأربعين عاما خارج الوطن بعيدا في منفاك في الشام التي أحببتها وحضنتك ..ومصر العروبة أيضا التي عشقتها مثل فلسطين ..كنت مصري الهوى وشامي المكان وفلسطيني الزمان ..
في 1970 انتقلت للأردن وانخرطت في صفوف حركة فتح فدائيا ثائرا يحمل هم قضيته وقاتلت في أيلول الأسود ثم خرجت من الأردن متوجها إلي مصر التي احتضنت شبابك وأتممت فيها دراستك فحصلت علي درجتي البكالوريوس والماجستير في الرياضة التي برعت فيها وأبدعت فكنت الرياضي الخلوق الذي مثل فلسطين في العاب القوى وتنس الطاولة وحصدت الميداليات والأوسمة..
وفي 1976 سافرت إلي لبنان وانخرطت في صفوف الجبهة الشعبية ،شاركت في حرب بيروت 1982 ثم عدت إلي سوريا لتعيش فيها حتى 1994 فكنت ضمن كشف قوات منظمة التحرير الفلسطينية لدخول غزة مع الرئيس الراحل الشهيد أبو عمار ولكن منعك الاحتلال من الدخول .
وفي عام 1999 قدمت استقالتك من الجبهة الشعبية ولكنك بقيت علي العهد ضابطا في قوات منظمة التحرير ..
عشت في مخيم اليرموك مخيم الصمود والتحدي حتى أذن الله لك ونزلت مصر واستطعت بعد جهود مضنية مع أصدقائك المصريين لتدخل غزة في 2010 وكان اللقاء الأول لك بعد اثنين وأربعين عاما من الغربة عدت أخيرا إلي مسقط راسك مثقلا بالحب والحنين إلي ملاعب الصبا وأزقة المخيم الذي احتضنك مراهقا وفتيا.. فرح بك الجميع وهللت الأزقة وبكت الشوارع وأنت تدب عليها بعد سنوات الغربة وكأنك تراجع شريط الذكريات يمر سريعا من أمامك وتهمس لي فرحا هنا لعبت،وهنا ركضت ،وسبقت رفاقي وفي هذا النادي العريق( نادي الخدمات )مارست هواياتي في الملاكمة وتنس الطاولة والسباحة .
بالأمس في بيت العزاء الذي ضج بالمعزين من كل حدب وصوب ..كنت هناك ! نعم رايتك جالسا تناقش من بجوارك ..وتتفق مع هذا وتثنى علي كلامه وتختلف مع أخر موضحا وشارحا له وجهه نظرك ببساطة وهدوء كعادتك أو تشرح وتكمل معلومة احدهم بمهنية الصحفي وخبرة السياسي وحنكة الدبلوماسي ..
سيد الغياب الذي لن يغيب ..
شاء القدر أن تقضى أيامك الأخيرة في مصر الكنانة التي أحببتها وكانت دائما في وجدانك وعقلك وقلبك .
والحمد لله حقق الله أمنيتك بان تموت وتدفن في مصر العروبة ..مصر التي لم تفارقك لحظة سواء كنت في الشام هناك في منفاك أو عندما كنت هنا في غزة اعتقد جازما انه لو خيرت أو تركت وصية لطالبت أن تدفن فيها ..
تبا للمعبر الذي منع أن تكون بيننا ..رحلت دون أن نلقى عليك نظرة الوادع الأخيرة ودون أن نطبع علي جبينك قبلتنا الأخيرة هكذا هو الفلسطيني دائما متشردا في بلاد الغربة حتى في الموت هو غريب وممنوع
رحلت وغيبك الموت ولكن ذكراك لن ترحل وفكرك لن يغيب ...
زياد أبو شاويش سلام لروحك و سلام لقلمك وطوبى لك يا سيد الغياب .