تاريخ النشر: 2025-05-18 | 10:29
تاريخ النشر: 2025-05-18 | 10:29
في كتابه الشهير سيكولوجية الجماهير، يقدم غوستاف لوبون تحليلاً دقيقًا لسلوك الكتل البشرية حين تتحول من أفراد ذوي وعي إلى جماعة تذوب فيها العقول، وتتصرف بدوافع عاطفية غريزية، لا عقلانية نقدية. وعلى ضوء هذا التحليل النفسي، لا يمكن النظر إلى واقعنا الفلسطيني الراهن دون التوقف مطولاً أمام الطريقة التي تُدار بها العقول، وتُصاغ بها المواقف، وتُوجَّه بها الجماهير.
في ظل الحرب المستعرة، ودماء الأبرياء، ودمار البيوت، لا تزال قطاعات من شعبنا تعيش تحت تأثير حالة من الانبهار الخطابي، والانفعال الجماهيري الذي يحجب الأسئلة الصعبة، ويحول الألم إلى طقوس شعاراتية لا تراجع فيها ولا تصحيح للمسار.
وفقًا للوبون، فإن الجماهير لا تستجيب للمنطق، بل للرموز والشعارات والتكرار والعدوى النفسية. وهذا ما نراه يتكرر في خطاب واقعنا القيادي، حيث تُقدَّم الهزائم بوصفها صمودًا، ويتم تسويق المعاناة وكأنها انتصار معنوي، بينما لا تتغير قواعد اللعبة على الأرض.
في واقعنا الحالي، لا يوجد وضوح في القرار، ولا مراجعة للتجربة، ولا تجديد في أدوات المقاومة السياسية أو العقلانية التفاوضية. بل إننا نشهد، وللأسف، تكرارًا عبثيًا للجلوس إلى طاولات تفاوض مع وفود لا تملك صلاحيات. ومع أن العالم كله، منذ الفرس والروم وصلاح الدين حتى الفيتناميين والهنود في تفاوضهم مع الإمبراطوريات، أدرك أن التفاوض بلا تفويض هو عبث، فإننا نظل نعيد ذات الحلقة، وكأن الجماهير لا يُراد لها أن تصحو من حلم الشعار.
إن ما نعيشه اليوم ليس فقط أزمة سياسية أو حصارًا عسكريًا، بل هو أيضًا، وربما أساسًا، أزمة في كيفية فهم الجماهير وتوجيهها. فبدلاً من أن تُبنى السياسات على قاعدة الوعي الشعبي المتنامي، يُراد للجماهير أن تبقى في حالة تعبئة عاطفية دائمة، لا تسمح لها بالتفكير النقدي، ولا بمحاسبة من يخطئ، ولا بالتفرقة بين التضحيات المجانية والعمل المنظم المنتج.
إن استمرار هذه الحالة يعني أن سيكولوجيا الجماهير كما وصفها لوبون، لا تزال تحكمنا، وأن القادة الذين يفهمون أدوات التأثير، يستخدمونها لا لبناء الوعي، بل لضمان البقاء. والخطر في ذلك، أن الجماهير المأسورة بالشعارات لن تسأل: لماذا نحاور بلا صلاحيات؟ لماذا لا تتغير النتيجة رغم مرور السنوات؟ ولماذا يُطلب منها الصبر، بينما لا يُطلب من القيادات مراجعة أنفسها؟
إن أخطر ما في الأمر، أن صمتنا عن هذا الانحدار لا يعني فقط القبول بالخطأ، بل هو مشاركة غير مباشرة في تضليل جماهيرنا. ولذا، فإن الواجب الآن هو استنهاض العقل، وتجديد أدوات الوعي، واستعادة المعنى الحقيقي للمقاومة: مقاومة الهزيمة أولاً، ومقاومة تجهيل الناس ثانيًا، ومقاومة تكرار الفشل ثالثًا.
فالجماهير قادرة على التمييز حين تُمنح الفرصة، لكنها لن تُبصر الطريق ما دام هناك من يصرّ على قيادة القطيع لا نهضته.