تاريخ النشر: 2014-09-07 | 20:02
تاريخ النشر: 2014-09-07 | 20:02
يمشي على غير هدى.
عباءته المتجعّدة فضفاضة شفيفة. يندفع نحو البيوت المقصوفه، فيردّ الأكمام على كنفيه، ويرفع الركام، ويسحب المخبوزين تحت البنايات المترنّحة.
يحمل ساطوراً هائلاً، ويقف على مداخل المدينة، كأنه حارسها.
يذرع المخيمات والبلدات، ويُلقي السلام على الناس.
لقد رأوه، لكنّهم لا يعرفون اسمه، على وجه التحديد!
بعد القصف، يقف متكئاً على عمارة، لم تصلها القذائف بعد، ويعدّ على أصابعه القنابل التي سقطت والشهداء.. فيتلعثم، ويعاود الكرّة، لكنه يتوقّف، فقد تجاوز الشهداء الألفين!
يقطع الشمال إلى الجنوب، كأنه يتفقّد الأحوال .. ولطالما رأوه يسحّ من عينيه دموعاً، يجمعها في كفيه، ويدلحها على الحقول الظمأى.
فمه مالح، وعيناه زرقاوان داكنتان، وشعره يضفضف بالفضّة، ويكاد طوله يغطّي الآفاق.
قال له صاحب دكان: أنا أعرفك يا شيخ!
فابتسم، وقال أنا أعرف جدّ جدّ جدّك، كان يلعب معي على الشاطيء، وقد شهدتُ عرس أبيه..
يحمل الجرحى، وإن كانوا مئة، على ساعديه، ويسارع بهم إلى المشفى.
يزيج أنقاض الأحياء، ويعيد فتح الطريق، ويرشّ الماء على التراب.
امتلأ ثوبه ببقع الدم التي دبّغته، لكثرة الشظايا والقنابل التي أصابت جسده، حتى لا تصيب البيوت.
يرونه جالساً عند رؤوس الأطفال المقتولين ، يبكي، وهو يمسّد رؤوسهم المفغورة.
يخطً بإصبعه الأرض، فينشقُّ أخدود كبير طويل، لدفن الموتى. ويبقى عند شواهدهم يتمتمُ بالرذاذ.
هو شيخ من الماء، يسكن قرب البيوت على شاطىء غزة.
هو الذي ينسرب من تحت الأبواب، ليعود امرأه فقدت كلّ أبنائها.. يربط على قلبها بالنعناع، ويقبّل قدميها.
وهو الذي يُلقي بالركام بعيداً حتى يصل إلى لعبة القُطن، يحملها ليعيدها إلى تلك الطفلة المُثخنة الباكية.
ينتقي بإصبعيه قطع الحيطان المهدّمة، وما تقصّف من سقوف وجدران وشجر، وينعفها في السماء.. بعيداً، فتشهق بنثار الضوء.
وهو الذي أعاد المئذنه، التي شطروها، إلى حالها، ولبّدها بريقة لتظلّ واقفة.. كالمسلّة والنداء.
يعتلي حصانه الرّاعد، ويعرج به إلى السماوات، ليبكي على أبواب العَرْش لترحم غزّة.
وهو الذي حتَّ بإظفره جدولاً لتجري المياه العادمة المتفجّرة.. إلى المَصَبّ البعيد، حتى لا تغرق الحقول والأحياء.
وهو الذي يتراكض كالشبح في الليالي، يحمل الأكياس على كتفه.. يوزّعها على الصائمين والمتحلّقين في العتمات.
يفتح شريانه ليتدفّق النعمان، لترتوي البيارات العطشى، وتنفجر أراضيها بالشقائق وأزرار العندم.
ويغسل، بعد كل هدنه، الطرقات، فيبدو ما تبقى من البنايات والشوارع مصقولاً بالماء الشاحذ.
وأراه، بعد الحرب، يجلس القرفصاء، وجهه إلى الشرق، وقد غرز كفيه، مثل معوليْن في قاع الحدّ الجنوبي والحدّ الشمالي، ويحاول أن يحمل غزة من جذورها، ويحملها إلى شرفة في بيته العالي، ويضعها هناك، ويحيطها بذراعيه.
إنه البحر.
*********************
كتيبة موتى الدم
قرّر دمُ الشهداء، الذي ترنّق في التراب، ودم الجرحى، وما رنَخَ في أقمطة الأطفال، وانسفح على المصاطب ونتوءات ما تقصّف وانهدم من العمارات والطرقات.. أن يتجمّع، في باطن الأرض، فيصبح نهراً فتياً لن يتخثّر، لكثرة ما يتغذّى به من سيول تأتيه من القتلى والمشروخين وسحجات الجرحى الوسيعة.
وقرّر أن يتجّه شرق غزة، ليشكّل خندقاً عريضاً رجراجاً، يمنع الدبابات من اختراق الحدود وعبور المدينة.
فصادف أن اخترق النهرُ مقبرةً كبيرة، فاستيقظ الموتى، الذين شهقوا تحت موجات الدم، وانفزعوا، ونهضوا، وتداعوا إلى اجتماع، في حفرة هائلة أحدثتها قنبلة قصفت المقبرة، فحرقت وجهها وما عليها من شجر وأعشاب هائشة.. ترمّدت، وبدت أرضاً بلقعاً، لا ينبز فيها سوى الشواهد القديمة.
وبدا الموتى جالسين متحلّقين في الحفرة، والدم يغطّي أرجلهم، وراحوا يتساءلون عن دورهم في هذه المعركة.. وسريعاً قرّروا أن يصطحبوا النهر، ليكون هوّة تحول دون رتل المركبات الثقيلة والقطاع ، وأن يكونوا بهياكلهم حاجزاً شرق النهر، لتعطيل العجلات الحديدية، بأن يدخلوا، بعظامهم، بين مفاصلها، أو يشحذوا أرجلهم رماحاً يغرزونها في عيون الجنود، وأن يعفروا الرمال على وجوههم، أو يصلّبوا سواعدهم قضباناً حول رقاب الجنود لخنقهم...
وقرّروا ألأّ يعودوا إلى نْومتهم في هذا البرزخ تحت التراب.
ومشوا، ومشى نهر الدم معهم..
وأعلنت الصحافة أن مجهولين قد أتوا على فرقة كاملة.. ووجدوا المقتولين غرقى وشظايا، مغموسين بدم آخر، وبمسنّات عامضة.
*****************************
الشهداء
كلُ شيء شهيد،
العمارةُ والغصنُ والمزهريّةُ والطير ُ
والرُّضَّعُ النائمون
واللّحدُ والجَدُّ والصورةُ البِكْرُ
والسُورُ والدارُ واللعبةُ القطنُ
والمرطبانُ والخلُّ والزيتُ والخابيات ُ
والفرشةُ الصُوف والعرباتُ
والشايُ والمصحفُ المطمئنُ والعتباتُ
والفحمُ والعظمُ واللحمُ والعجلات ُ
وأرجوحة ُ الحوشِ والثوبُ والحبلُ
والزّنك ُ والغسلُ والصائماتُ
والصحنُ والماءُ والنائحاتُ ..
وفي كل حربٍ لنا أن نصوم َ
وفي كلِ شهرٍ لنا ذكرياتٌ
.. وعيدٌ شهيدٌ إلى الأمّهات .