أمد/ رفح - هشام أبو عساكر: نظم صالون غزة الثقافي ندوة عن التحولات الثقافية في فترات ما قبل وبعد أوسلو، وافتتح اللقاء الشاعر عثمان حسين مقدّما ضيف الندوة الأستاذ والباحث توفيق أبو شومر وبعد أن عرّف الجمهور بدوره ومنجزه الثقافي، قال أن عنوان الندوة يحمل الكثير من التفاصيل المتعلقة بالواقع فمنذ أن وُقِّعت اتفاقية أوسلو إلى الآن جرت مياه وفاضت عن نهرنا وتفجرت عشرات الأسئلة عما يحدث على كافة المستويات الثقافية والاجتماعية والأخلاقية في بنيتنا المعرفية وعن إذا ما ساهمت هذه المتغيرات في إعادة صياغة بنانا العقلية أم أن المرحلة ما زالت تُعطي أُكلها.
بدوره أتاح المجال للأستاذ أبو شومر والذي تحدث قائلا: لا أزعم أني سأضيف الكثير، أحب المحاورة أكثر من المحاضرة، وأضاف: النخبة (العِلية) أو ما يعرف ب "الانتلجنسيا" كانت تشير بمفاهيمها إلى مجموع النخب الاجتماعية المؤثرة في المجتمع والذين يمتهنون العمل الذهني المعقّد والإبداعي في معظمه ويشتغلون بتطوير الثقافة واعادة انتاجها، لكن ثمة فهم خاطئ لدينا بأن هذا المفهوم ينطبق على فئة الأدباء والفنّانين ونخرج الباقين من أكاديميين وباحثين ومخترعين من الدائرة.
وأردف بتساؤلٍ: هل النخبة الفلسطينية اُستُنبِتت من الانتلجنسيا العربية؟ أقول نعم، فلدينا إرث وأرشيف معرفي وثقافي جيد، وجيل التواصل ما قبل أوسلو اكتسب الثقافات عبر العالم، معين بسيسو نموذجا فقد تُرجِم إلى أكثر من أربع لغات ودرويش جاب المنافي جميعها وزيّاد والقاسم وكنفاني وغيرهم الكثير، لم تكتسب تلك الابداعات تفرّدها لأنها نضالية بل لتقنياتها وذياع عالميتها، ولكن يبقي السؤال الأبرز: هل كثّفنا تلك الابداعات بعدما حملتنا قوارب أوسلو إلى يابسة الوطن مجددا؟ أعتقد جازما بأن الجواب لا، لأن فيروس السياسة والسلطة قد انتشر حينها وبدل أن نثقف السياسة، سيّستنا الثقافة، لكن ثمة ناجيا من المؤامرة السياسة هنا أستذكر به مثلا فحينما زار درويش وزارة الاعلام في غزة كنت قد سألته وقتها، لماذا رفضت منصب وزير الثقافة حينما عُرِض عليك، قال بالحرف الواحد: لن أخطئ كما أخطأ غيري.
أما عن الجيل الشاب الذي أتى بعد أوسلو فلم ننجح بتوريثه ثقافتنا وتركناه على وجهه هائما، لم نكن آباءً صالحين بخلاف دول العالم، فتركيا التي زرتها يوما في قصر التوب كابي، شاهدت بنفسي أكاديميات متخصصة في الأدب والفن لا تدع ناشئا إلا وتحتضنه.
وبعد أن قام الشاعر حسين بفتح باب المداخلات، وأورِدُ بعضا منها:
فالأستاذ محمد أبو قريبة رأى أن الثقافة ليست امتلاكا كمّيا للمعرفة فحسب بل وعيا له، فما قيمة المكتبة المؤثّثة في منزل المثقف اذا لم يؤثّر بنيويّا في مجتمعه؟ يجب جاهدين أن نسعى كمثقفين لتأسيس مرحلة نضالية تقف خلفها الثقافة قبل السلاح، فالسلاح الذي لا تقف ثقافة خلفه يقتل.
أما الأستاذ محمد النجار فأضاف: ثمة خلط بين المتعلم والمثقف، المثقف العضوي الغرامشي هو من يهتم ببيئته لا أن يتجاهلها تماما ويكتفي بالركون إلى قصره العاجي ، الراهن محزن وتتحمل مسؤوليته أولا المؤسسة الثقافية للسلطة، من العار أن تتوقف مجلة الكرمل التي أسست في 1908 على يد نجيب نصار لأن ليست ثمة مؤسسة ثقافية جادة استطاعت استكمال مسيرتها، ولم يكن الحال أفضل فيما يخص المسرح والسينما فهنالك الكثير من السينمات التي توقفت مثل سينما الحمرا في يافا وسينما النصر والسامر في غزة بسبب تفجيرها من قِبَل جماعات دينية متطرفة.
وتابع: في سبعينات القرن الماضي كانت الحركة الثقافية رائدة إلى حد مثري، فلم نتوانى في بناء جيل قادر على التواصل والعطاء، الكثير من الأدباء الكبار الآن كانوا تلامذة ذلك الوقت مثل زكي العيلة وغريب عسقلاني وسحر خليفة ومحمد البطراوي وكامل المغني وغيرهم.
أرجع القاص محمد أبو ضاحي انحطاط الثقافة في مرحلة ما بعد أوسلو إلى عوامل، أولها دخول السلطة التي كانت سببا في إماتة مشروع الحلم الفلسطيني وما ترافق معها من تسلّل التيارات الدينية إلى داخل الجسد والعقل المجتمعي بل وتثبيت وجودها، علاوة على ثورة التكنولوجيا الهائلة التي بدورها عملت على رشوة ضمائرنا ظنّا منا بأننا أصبحنا نقرأ إلكترونيا بشكل أسرع ولم تعد هنالك تلك العلاقة الحميمية مع الكتب والصحف والجرائد والصحف.
كما وألمح الاعلامي نادر القصير إلى مسألة ذوبان الطبقة المثقفة في زمن أوسلو حين أعطت تلك الطبقة الفرصة لصناعة الغباء السياسي وبسط سيطرته، ولم يعد المثقف يمتلك زمام الأمور والأنكى أنه نأى بنفسه ولم يعد باستطاعته أن يعيد صفة المجتمعية إلى المجتمع.
الاعلامي الآخر حسن دوحان نوّه إلى أنه صار من الصعب على المثقف الشامل في وقتنا أن يتابع كل الموضوعات ويشتغل عليه في ظل التدفق المعرفي والثقافي الهائل من خلال وسائل الاتصال، واذا أردنا أن نعيد انتاج المعرفة فمن اللازم أن نذهب إلى مفهوم التخصيص، وعلى كل مثقف معرفة دوره بعناية كي يتسنّى له خدمة جيله في تخصّصه
وأشار في نهاية اللقاء الأستاذ والباحث والمختص في الشأن الاسرائيلي توفيق أبو شومر بوجوب الاستفادة من ماضينا بدلا من التغنّي به ودعا إلى الوقوف طويلا على تجربة منظمة التحرير في لبنان، فالعدوّ الأكبر في المنطقة اسرائيل لم تحاول اغتيال وهدم المنظمة على رؤوس أفرادها فحسب بل كانت تسعى جاهدةً إلى هدم مراكز الدراسات البحثية والثقافية آنذاك وهذا ما تحاول فعله الآن، خلق حالة من التفيهق والهلهلة والتردّي الثقافي في الجيل الجديد.