في قطاع غزة، حيث لم تعد مشاهد الدمار والنزوح وفقدان الأحبة أحداثًا عابرة في حياة الناس، بل واقعًا يوميًا ثقيلًا، تصبح مهمة الصحفي أكثر تعقيدًا من مجرد نقل الخبر. فخلف كل صورة قصة إنسان، وخلف كل مقابلة جرح، وخلف كل كلمة مسؤولية قد تترك أثرًا في نفس من يرويها.
من هنا، انطلقت في مدينة دير البلح فعاليات التدريب المتخصص بعنوان "إرشادات حول التغطية الإعلامية المراعية للصدمات النفسية"، الذي تنظمه مجموعة العمل التقنية للصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي (TWG)، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وبرنامج غزة للصحة النفسية، بمشاركة عدد من الصحفيين والصحفيات والإعلاميين والإعلاميات من مؤسسات إعلامية مختلفة.
ويستمر التدريب على مدار يومين، الأربعاء والخميس الموافقين 29 و30 يوليو/تموز 2026، في قاعة التدريب بمركز دير البلح المجتمعي التابع لبرنامج غزة للصحة النفسية، بهدف تعزيز قدرات الإعلاميين في التعامل المهني والأخلاقي مع ضحايا الحروب والكوارث، وفق معايير تراعي الصحة النفسية وتحفظ كرامة الإنسان وخصوصيته.
صحافة تحمي الإنسان قبل الخبر
وفي هذا السياق أكدت الأستاذة علا كساب، رئيس لجنة التدريب في نقابة الصحفيين، أهمية تنظيم مثل هذه البرامج النوعية، مشيرة إلى أن تطوير مهارات الصحفيين في مجال التغطية الإعلامية المراعية للصدمات النفسية أصبح ضرورة مهنية، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة.
وأوضحت أن امتلاك الصحفي لهذه المهارات يسهم في تعزيز الأداء الإعلامي المسؤول، ويحمي كرامة الضحايا أثناء نقل قصصهم، ويمنح الصحافة قدرة أكبر على التعامل مع القضايا الإنسانية بعيدًا عن الإثارة أو الاستغلال.
ففي بيئة مليئة بالصدمة والفقدان، لا تكفي معرفة الصحفي بكيفية الحصول على المعلومة، بل يصبح السؤال الأهم: كيف نحصل عليها دون أن نؤذي صاحبها؟
الكلمة قد تكون جزءًا من التعافي
وركز البرنامج التدريبي على تزويد المشاركين بالمهارات اللازمة لإجراء المقابلات مع الناجين والمتضررين، واستخدام لغة إعلامية مسؤولة، وتجنب الممارسات التي يمكن أن تسهم في إعادة استحضار الصدمة النفسية لدى الضحايا.
كما تناول التدريب الآثار النفسية التي قد يتعرض لها الصحفيون أنفسهم نتيجة العمل المتواصل وسط مشاهد الحرب والموت والدمار، بما يعزز الوعي بأهمية حماية الصحفي نفسيًا ومهنيًا.
وقال الأستاذ محمد عبد الجواد، منسق الصحة النفسية في منظمة الصحة العالمية (WHO)، إن الصحافة في أوقات الأزمات تتحمل مسؤولية مضاعفة، موضحًا أن المهنية لا تقتصر على سرعة نقل الخبر ودقة المعلومة، وإنما تمتد إلى حماية كرامة الإنسان واحترام خصوصية الضحايا.
وأشار إلى أن التغطية الإعلامية المراعية للصدمات النفسية يمكن أن تسهم في نقل الحقيقة بمسؤولية، والحد من الأذى الذي قد تسببه بعض الأساليب الإعلامية غير المدروسة للناجين والمتضررين.
وأكد أن الصحفي يمتلك دورًا مؤثرًا في دعم التعافي المجتمعي من خلال طريقة صياغة الخبر، واختيار الكلمات، وإدارة المقابلات، والتعامل مع الأشخاص الذين عاشوا تجارب قاسية.
فالكلمة ليست مجرد أداة لنقل الحقيقة؛ قد تكون أيضًا جزءًا من التعافي، أو سببًا في إعادة فتح الجرح.
بناء الثقة.. أساس المقابلات الإنسانية
بدورها، تناولت الأستاذة مروة الصيرفي، رئيسة وحدة التدريب وبناء القدرات بدائرة التدريب والبحث العلمي في برنامج غزة للصحة النفسية (GCMHP)، الجوانب العملية للتواصل مع الضحايا والناجين.
وأكدت أهمية بناء علاقة قائمة على الاحترام والثقة، والابتعاد عن الأسئلة أو الأساليب التي قد تعيد إنتاج الألم النفسي أو تدفع الضحية إلى استحضار تفاصيل مؤلمة بصورة قسرية.
وأشارت إلى أن الصحفي الناجح هو الذي يستطيع تحقيق التوازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الضحية في الخصوصية والكرامة، بما يعكس جوهر الرسالة الإنسانية للإعلام ويعزز ثقة المجتمع بوسائل الإعلام.
من الميدان: تجربة تعزز الأداء المهني
وأعرب عدد من المشاركين عن تقديرهم لمحتوى التدريب، مؤكدين أنه يلامس احتياجات الصحفيين العاملين في الميدان، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي يشهدها قطاع غزة.
وقال مشاركون إن التدريب منحهم أدوات عملية للتعامل مع القصص الإنسانية بحساسية ومهنية أكبر، وساعدهم على تطوير أساليب إجراء المقابلات، واختيار المصطلحات الإعلامية المناسبة، ونقل معاناة الضحايا دون التسبب في تعميق آلامهم.
كما أكدوا أن التعامل مع القصص الإنسانية يحتاج إلى أكثر من المهارة الصحفية التقليدية؛ فهو يتطلب وعيًا نفسيًا وأخلاقيًا يجعل الإنسان محور العملية الإعلامية.
صحفيون يعملون وسط الصدمة
يواجه الصحفيون في قطاع غزة تحديات غير مسبوقة أثناء تغطية تداعيات الحرب، في ظل ظروف أمنية وإنسانية بالغة التعقيد، والعمل وسط مشاهد يومية من الدمار والنزوح وفقدان الأحبة.
وفي مثل هذه البيئة، لا يكون الصحفي مجرد ناقل لما يحدث، بل يصبح شاهدًا على واحدة من أكثر التجارب الإنسانية قسوة، وهو ما يجعل امتلاك أدوات التغطية المراعية للصدمات النفسية ضرورة لحماية الضحايا والصحفيين على حد سواء.
ويرى مختصون أن تطوير قدرات الإعلاميين في هذا المجال يمكن أن يسهم في إنتاج محتوى أكثر توازنًا وإنسانية، وتعزيز ثقة الجمهور بوسائل الإعلام، ودعم الجهود الرامية إلى رفع الوعي بالصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي داخل المجتمع الفلسطيني.
خطوة نحو إعلام أكثر مسؤولية
يمثل التدريب خطوة مهمة في مسار بناء قدرات الصحفيين الفلسطينيين وترسيخ معايير الصحافة الإنسانية في بيئات النزاعات والأزمات، بما يضمن نقل الحقيقة بمهنية، ويضع الإنسان وكرامته في صدارة الأولويات.
ففي غزة، حيث أصبحت المأساة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، تزداد الحاجة إلى صحافة لا تكتفي بتوثيق الألم، بل تعرف كيف تقترب منه دون أن تؤذي أصحابه.
إن الاستثمار في تدريب الصحفيين على مبادئ التغطية الإعلامية المراعية للصدمات النفسية ليس ترفًا مهنيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.
فالصحافة المسؤولة لا تقيس نجاحها بعدد المشاهدات أو العناوين الصادمة، وإنما بقدرتها على نقل الحقيقة كاملة، واحترام الإنسان كاملًا.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم:
أن نوثق المأساة دون أن نزيد من معاناة ضحاياها، وأن نجعل من الكلمة جسرًا للحقيقة والكرامة، لا أداة لإعادة إنتاج الألم.