بطولات الشعب الفلسطيني المجاهد تستعصي على الحصر والتسجيل ، فجبهات المقاومة مفتوحة على مصراعيها في جميع الأراضي الفلسطينية ، وتلاحم الشعب الفلسطيني في وجه الهجمة الصهيونية الشرسة لم يحجب بطولات فرسان انتفاضة الأقصى من القادة الذين سطروا بدمائهم الطاهرة أروع الملاحم والتضحيات ، ذلك لأن بطولاتهم وتضحياتهم تفوق الوصف والتخيل ، فهم يعرفون أن طريقهم طريق مليء بالدماء والأشلاء إذ لابد فيه من الصبر والتضحية وتقديم النفس والمال ، ولكنهم أصروا على مواصلة الطريق لأن هدفهم الأسمى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين .
" يجب أن نرتقي إلى المحاربة بالدماء ، وسنواصل المقاومة مهما كلفَتْنا ، وإن فقدنا السلاح فسنقاتلهم بأيدينا، علينا أن ندرك أن الشعوب المضللَة لا تستيقظ إلا بدفع الضريبة من دماء المسلمين ".
كلماتٌ مضيئةٌ قالها القائد المؤسس المجاهد البطل الشيخ صلاح الدين مصطفي محمد علي شحادة " أبو مصطفى "القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام ( الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس) الذي ترجل بعد حياة عسكرية وجهادية استمرت قرابة عشرين عامـًا مساء يوم الاثنين 22/7/2002م بقصف طائرة " إف 16" صهيونية مجمع سكني في حي الدرج في مدينة غزة مستهدفة الأطفال والنساء والشيوخ بقنبلة زنتها طن فاستشهد جراء هذا العدوان القائد المجاهد البطل الشيخ صلاح شحادة مع 17 شخصـًا آخر بينهم مساعده المجاهد القائد البطل زاهر صالح نصار" أبو حماس " و11 طفلا وزوجته وابنته وجرح 150 آخرين .
الشيخ القائد المجاهد صلاح شحادة . . إنه الرجل الذي أسس كتائب الشهيد عز الدين القسام ، وابتكر اقتحام المستوطنات الصهيونية ، وطور السلاح بدءًا من الهاون والمضادات للدبابات، ثم القذائف والصواريخ حتى أصبح المطارَد رقم "1" لجيش الاحتلال الصهيوني ، وكان قد أشرف على اغتياله رئيس وزراء الكيان الصهيوني الإرهابي أرييل شارون ليكون بحق " رجل تحاربه دولة "، فيلقى ربه شهيدًا في أبشع جرائم جيش الاحتلال الصهيوني .
ليست المرة الأولى التي يسقط فيها شهيد فلسطيني ، وليست المرة الأولى التي تفقد فيها حركة " حماس " واحداً من أبرز قياداتها ، وليست المرة الأولى التي تغتال فيها يد الإجرام الصهيونية قائداً فلسطينياً مقاوماً ، ولكنها من المرات النادرة جداً التي ينجح فيها الاحتلال الصهيوني في اغتيال أبرز القادة العسكريين وأهم المقاومين .
فالقائد المجاهد صلاح شحادة احترف مقاومة الاحتلال ، وامتهن الدفاع عن شعبه ، وتخصص في اكتشاف ضعف الأجهزة الأمنية والعسكرية والإسرائيلية ، وتفرغ لتطوير وسائل المقاومة .
فهو من أوائل الذين أسسوا وقادوا مجموعات المقاومة الفلسطينية في أوائل الثمانينات ، و أول من أنشأ الخلايا الأمنية المنظمة ، وأول من راكم العمل العسكري ونظمه وبنى هياكله ومجموعاته وأدوات اتصاله ، وعرف بسهره الدؤوب على بناء مجموعات عسكرية وإطلاقها للعمل ضد الاحتلال ، كما أنه برع في تطوير الأساليب القتالية ، خصوصا في انتفاضة الأقصى .
ويمكن باختصار وصف القائد صلاح شحادة أنه المخطط العسكري الأبرز والقائد الميداني الأشد، وهو مجدد المقاومة الفلسطينية منذ الثمانينات من القرن الماضي .
يخشاه العدو الصهيوني كثيرا ، وهذه الخشية نشأت بسبب عاملين :
1 ــ القدرة العسكرية النوعية التي يتمتع بها .
2 ــ الصلابة النفسية والجسدية التي لمسها الاحتلال أثناء اعتقاله .
فمنذ أن اعتقل في أواسط الثمانينات بتهمة تشكيل مجموعات لمقاومة الاحتلال ، تجمعت للعدو معلومات عن طبيعة هذه التشكيلات ودورها أهميتها ، وبات العدو يستشعر حجم الضرر الذي تشكله هذه القوى على تواجده ، خصوصا وأن وظيفة هذه المجموعات وتسليحها أعطى دليلا على الهدف الذي ستصل إليه ، وهذا ما ظهر سريعا واكتشفه العدو مع انطلاق الانتفاضة الأولى عام 1987 م .
في المقابل وجد العدو بعد اعتقاله أن أمامه شخصا صلبا لا يعترف بسجانيه ، ولا يخضع للتحقيق ، ولا يعترف بأي من التهم الموجهة إليه .
وتؤكد الروايات المنقولة من داخل سجون الاحتلال أن الشهيد صمد طويلا أمام المحققين الصهاينة ، وتجاوز كل أساليب التعذيب ورفض الانصياع لمحاولات الابتزاز ، وقد رفض الاعتراف باسمه للمحققين الصهاينة كما رفض دفع فدية لإدارة السجون .
الرعب الإسرائيلي من القائد صلاح شحادة دفع الاحتلال إلى إبقائه في السجن لفترات تزيد عن 14 عاما ، وذلك بعد أن جدد العدو احتجازه عدة مرات .
تزامن الإفراج عن القائد صلاح شحادة مع انتفاضة الأقصى إعطاء زخما قويا للعمل العسكري حيث عمل على إعادة تنظيم الخلايا ، واهتم بموضوع التسليح ، وعزز من عمليات مقاومة الاحتلال داخل قطاع غزة ، حيث كان الأداء العسكري لحماس في القطاع مميزا ، مما يشير إلى البصمات التي خلفها تخطيط الشهيد القائد المجاهد البطل صلاح شحادة .
ومنذ أشهر طويلة صار القائد صلاح شحادة هو المطلوب رقم واحد للإسرائيليين الذين جهزوا عمليات الرصد والمتابعة ، وقاموا بعمليات إستخبارية متطورة لمعرفة الأماكن التي يلجأ إليها ، وبات كل شخص في قطاع غزة يدرك أن المروحيات وطائرات التجسس التي تحلق فوق القطاع تحاول معرفة أية معلومة عن تحرك القائد " أبو مصطفى" أو تحاول الوصول إلى خيط يرشدها إلى الأماكن التي يقود منها عمليات المقاومة .
وأخضعت قوات الاحتلال قرى ومدن قطاع غزة للمراقبة ، وبينت للجيش الكبير من العملاء أن وظيفتهم الرئيسة هي اكتشاف مكان صلاح شحادة .
ورغم أن كل المحاولات السابقة فشلت في تقديم معطيات جدية ، وفشلت أيضاً عدة محاولات لاغتياله ، إلا أن الاحتلال نجح مؤخراً في اكتشاف مرحلة من مراحل تنقل وتحرك الشهيد القائد .
ولد القائد الشيخ صلاح الدين مصطفي محمد علي شحادة " أبو مصطفى " في 24/2/ 1952 م في بيت حانون شمالي قطاع غزة لعائلة هاجرت من " مدينة يافا " بعد احتلالها عام 1948 م إلى قطاع غزة حيث أقامت في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين .
كان صلاح الدين الابن الأول الذي رزق به والده الحاج مصطفى محمد علي شحادة بعد 8 بنات، ستة منهن توفاهن الله، ونشأ بين والديه يغدقان عليه حنانهما ، ويخافان أن تجرح نسمة الهواء خديه ، إلا أنهما غرسا الرجولة فيه منذ نعومه أظافره .
في عام 1958 م دخل صلاح المدرسة الابتدائية التابعة لوكالة الغوث وهو في سن الخامسة، درس في بيت حانون المرحلة الإعدادية، ونال شهادة الثانوية العامة بتفوق من مدرسة فلسطين في غزة .
وما كاد صلاح يتجاوز 15 عامـًا حتى بدأ يؤوي المطاردين في بيارات القرية، ويزودهم بالأكل والشراب خفية عن والده الذي كان يخشى أن يخوض ابنه غمار المقاومة، حتى لا يفقده، وهو الذي انتظر قدومه 15 عامـًا تقريبـًا، ففضل والده أن ينجو بطفله صلاح بأن ينتقل بأسرته إلى مخيم الشاطئ، الذي وجد فيه الشبل صلاح ضالته، فالتحق بالمسجد ليستمع إلى دروس الشيخ المجاهد أحمد ياسين، ويترعرع على يديه، وليتعانق في قلبه حب الوطن بالإسلام .
وعندما لم يجد الأب من سبيل لصد ابنه عن طريق الجهاد أعاده إلى قرية بيت حانون ثانية، فأكمل دراسته ونال شهادة الثانوية العامة بتفوق من مدرسة فلسطين في غزة ، ومن ثم أصر والده على أن يلحقه بجامعة الإسكندرية ليبعده عن هذا الطريق، ولكن صلاح تعرف في الإسكندرية على مجموعة كبيرة من الشبان الفلسطينيين من حركة " الإخوان المسلمين "، وخاصة الدكتور " أحمد الملح " لتبدأ الحياة الجهادية للقائد المجاهد صلاح شحادة .
حصل صلاح على المؤهل الجامعي بكالوريوس في الخدمة الاجتماعية من جمهورية مصر العربية ، و لم تسمح له ظروفه المادية بالسفر إلى الخارج لإكمال دراسته العليا وكان حصل على قبول لدراسة الطب والهندسة في جامعات تركيا وروسيا .
بدأ العمل في الدعوة إلى الإسلام فور عودته من مصر إلى قطاع غزة .
عمل باحثاً اجتماعياً في مدينة العريش في صحراء سيناء ، وعيّن لاحقاً مفتشاً للشؤون الاجتماعية في العريش ، تزوج في العام 1976 م من زوجته التي استشهدت معه وهو حالياً أب لستة بنات ولدت الأخيرة أثناء اعتقاله .
بعد أن استعادت مصر مدينة العريش من العدو الصهيوني الغاصب في العام 1979 م انتقل " أبو مصطفي " للإقامة في بيت حانون ، واستلم في غزة منصب مفتش الشؤون الاجتماعية لقطاع غزة .
في بداية العام 1982م استقال من عمله في الشؤون الاجتماعية وانتقل للعمل في دائرة شؤون الطلاب في الجامعة الإسلامية في مدينة غزة .
حاز على الحزام البني في المصارعة اليابانية أثناء دراسته في الإسكندرية، ومارس رياضة رفع الأثقال في فترة ما قبل الجامعة .
يعتبر القائد " أبو مصطفى "مؤسس الجهاز العسكري الأول لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" والذي عرف باسم "المجاهدون الفلسطينيون"، اعتقلته سلطات الاحتلال الصهيوني في العام 1984م للاشتباه بنشاطه المقاوم للاحتلال الصهيوني بعد اكتشاف الصهاينة لمخزن السلاح ، واكتشاف تنظيم عسكري يرأسه الشيخ المجاهد أحمد ياسين ، ووجهت له تهم تشكيل خلايا عسكرية وتدريب أفرادها على استعمال السلاح، وإصدار أوامر بشن هجمات ضد أهداف عسكرية صهيونية ، غير أنه لم يعترف بشيء ولم يستطع الصهاينة إثبات أية تهمة ضده رغم بشاعة التحقيق الصهيوني ، لكنهم أصدروا بحقه لائحة اتهام حسب قانون الطوارئ الصهيوني لسنة 1949م، وهكذا قضى في المعتقل عامين خرج بعدها أشد مراساً وأقوى شكيمة ، وأحرص على الجهاد والعمل العسكري لمقاومة الاحتلال .
بعد خروجه من المعتقل عام 1986م شغل القائد المجاهد الشيخ صلاح شحادة منصب مدير شؤون الطلبة في الجامعة الإسلامية في مدينة غزة إلى أن قررت سلطات الاحتلال إغلاق الجامعة في محاولة لوقف الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في العام 1987م ، غير أن صلاح شحادة واصل العمل في الجامعة حتى اعتقل في آب " أغسطس " 1988م .
أبقي القائد صلاح شحادة طوال عامين في سجن السرايا في مدينة غزة ، ثم نقل من زنازين التحقيق إلى غرف الأسرى، وفي 14/5/1989م أعيد إلى زنازين التحقيق بعد أن تم الاعتراف عليه بمسؤولية الجهاز العسكري لحركة حماس، واستمر التحقيق لمدة 200 يوم، وبذلك بلغ مجمل التحقيق معه حوالي عام كامل، وكانت التهم الموجهة إليه المسؤولية عن الجهاز العسكري لحماس، وإصدار أوامر باختطاف الجنديين الصهيونيين " آفي سبورتس و إيلون سعدون" عام 1989 م ، ومسؤولية حماس والجهاز الإعلامي في المنطقة الشمالية، وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات على تهمة مسؤولية حماس والجهاز الإعلامي في المنطقة الشمالية، أضيفت إليها ستة أشهر بدل غرامة رفض الشيخ صلاح شحادة أن يدفعها للاحتلال الصهيوني .
وبعد انـتهاء المدة حول إلى الاعتقال الإداري لمدة عشرين شهرًا ليتم الإفراج عنه يوم الأحد 14/5/2000م ليرى بناته الست الصغيرات قد كبرن وتزوجت بعضهن وأنجبن له أحفاد يحمل بعضهم اسمه العزيز .
خرج القائد " أبو مصطفى " من السجن يحمل تهديدا من ضباط المخابرات الصهيونية بضرورة اغتياله في حال قيامه بأية نشاطات ضد الاحتلال ، و بعد عدة شهور قدم استقالته من عمله و تفرغ لمقاومة الاحتلال الصهيوني رافضا كل المغريات حتى لقي ربه شهيدا كما أراد .
ويذكر أن القائد المجاهد الشيخ صلاح شحادة عندما دخل السجن كان عمر أكبر بناته عشر سنوات وخرج وله ستة أحفاد . وأقسم شحادة فور خروجه أن يواصل العمل العسكري ، وفي الاعتقال الأول استطاع أن يحمل كبسولة العمل ( قصاصة ورق مكتوب عليها رسائل القادة في السجن ) إلى قيادة الحركة في الخارج ، وكذلك في معتقله الأخير .
مكث القائد المجاهد الشيخ صلاح شحادة خلف قضبان الاحتلال 14 عامـًا عرف خلالها أنه كان يخطط ليومه ليستفيد من كل دقيقة به ، وعلى عكس الجميع كان يقول : " يوم في الزنازين كساعة خارجه ".
فبعد صلاة الفجر يراجع ما حفظ من القرآن والأذكار ، ثم يرتدي ملابس الرياضة ، ويحث إخوانه على مشاركته في ألعاب الرياضة التي تستمر لمدة ساعة تقريبـًا باعتباره المسؤول عن طابور الصباح ، ويشترك معه العديد من الشبان المعتقلين من كافة التنظيمات .
لقد تميز القائد المجاهد " أبو مصطفى " بشخصية فذة تمثل حقاً شخصية القائد المسلم الذي لا يعرف النكوص ولا الملل ولا التراجع ، يضم الجميع ويجمع المجاهدين بإصرار وعمل دءوب ، لا يعرف المستحيل إلى قلبه سبيلا ، كان شعلة من النشاط وعقلا مدبراً مخططاً يلجأ إليه الجميع عند الكروب والشدائد ويلوذ به جنوده الأوفياء عند طلب النصح والمشورة والحكمة ، كما تميز بالشخصية العسكرية الحكيمة التي تستطيع التدبير والموازنة بين الخيارات واتخاذ القرارات المناسبة ، وهو ما أكده الشيخ المجاهد أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية " حماس " عندما وصفه بالقول : " نعم القائد والجندي " .
أما القائد المجاهد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي فيقول :
" لقد استطاع القائد المجاهد الشيخ صلاح شحادة أن يحقق من الإنجازات ما عجز الكثير عن فعله في سنوات عديدة ، نجح في تطوير الجهاز العسكري لحركة حماس كمـًا وكيفـًا ، مد الجهاز بأعداد كبيرة من الشبان ، وقام بتدربهم وتجهيزهم ، وتطوير الصناعة العسكرية المتواضعة خلال عامين .. بدءا بالهاون ثم الصواريخ مثل القاذفات ومضادات الدبابات ، كما يعود لصلاح شحادة فضل الإبداع في التخطيط لاقتحام المستوطنات، والانطلاق بالجهاز العسكري من قيود السرية التي تكبل الحركة ".
لقد كانت نفس القائد المجاهد الشيخ صلاح شحادة تتوق للشهادة ولقاء الله والجنة ، و ظهر ذلك جلياً عندما ودع ابن أخيه الشاب المجاهد البطل بلال فايز مصطفى شحادة ، بعد أن هيأه لعملية جهادية استشهادية في مغتصبة نتساريم الصهيونية وداعاً يعلم أنه لا لقاء بعده في الدنيا ، أوصاه بتقوى الله والثبات عند اللقاء وفاضت دموعه وهو يقول له :
" ادع الله لي بالشهادة لعلنا نلتقي قريبا في الجنة " .
ما أجملها من خاتمة ، حينما يرتقي الإنسان شهيدا في سبيل الله ، مقبلا غير مدبر ، يسعى إلى رضوان الله ، لا تهمه المواقف الصعاب ولا الشدائد ، ولا المعيقات ، فمن يسعى إلى هدف محدد لا يتراجع عنه أبدا مهما واجه من معوقات .