عندما نُمعن النظر في تسارع الأحداث الإقليمية ونقرأ ما بين سطور التطورات الميدانية والسياسية، تتكشف حقيقة استراتيجية جليَّة:
"يخوض بنيامين نتنياهو سباقاً مع الزمن لدفع المنطقة نحو مواجهة شاملة مع إيران، مراهناً على توظيف التصعيد الإقليمي كأداة لإنقاذ مستقبله السياسي."
وهنا، تتجاوز التلميحات التي تنفثها الآلة الإعلامية المقربة من نتنياهو بشأن «هجوم وشيك» مجرد الحرب النفسية؛ بل تبدو وكأنها استراتيجية استدراج مدروسة، لإيهام طهران بوجود ضوء أخضر أمريكي يُشرعن ضربة إسرائيلية.
والهدف الضمني من هذا الإيحاء هو استفزاز إيران للمبادرة بالهجوم، بما يمنح تل أبيب الذريعة الأخلاقية والدولية لإطلاق رد شامل، متدثرة برواية "الدفاع عن النفس" والرمزيات التوراتية.
ويمكن تفكيك خيارات التصعيد لدى القيادة الإسرائيلية عبر ثلاثة أبعاد رئيسية:
•تكتيك «صناعة الذريعة» والإغراء بالتصعيد:
يمارس مستشاروا نتنياهو في الآونة الأخيرة، رؤية ذكية باستخدام الإعلام الموجه؛ فبث الشائعات عن وجود "ضوء أخضر" أمريكي ليس مجرد استعراض قوة، بل هو تكتيك حربي يُعرف بـ «صناعة الذريعة» لدفع الطرف الآخر للبداءة بالهجوم، مما يعطي إسرائيل الغطاء الأخلاقي والدولي للرد الشامل..
ويضمن هذا التكتيك تلخيص الرواية الدولية في مظلومية إسرائيلية تتيح تحريك الرد العسكري دون قيود..
•توظيف "الخطر الوجودي" لتأطير الهوية:
في مجتمع كالمجتمع الاسرائيلي، تكمن طبيعة التركيبة المجتمعية المعقدة في التنوُّع الإجتماعي (أكثر من 80 جنسية وثقافة).
ومن ذلك نستنتج أن "صناعة العدو الخارجي" هي الأداة الأساسية لإذابة التناقضات الداخلية وإعادة تجميع الشارع حول غاية مشتركة للبقاء.
وبذلك يُعيد نتنياهو صياغة المشهد السياسي الداخلي عبر حالة التهديد هذه، والتي تفرض التلاحم المجتمعي وتُعطل أي حراك معارض..
•البعد الشخصي وسياسة "الهروب إلى الأمام":
تُظهر التطورات الأخيرة حقيقة راسخة مفادها أن الحسابات الحزبية والشخصية (مثل التهرب من انتخابات الليكود التمهيدية وصداع القوائم) تشكل محركاً رئيسياً للقرار السياسي والعسكري، حيث تُستغل حالة الحرب المستمرة كغطاء لتأجيل الاستحقاقات السياسية والمحاسبة الداخلية، وتجميد التعديلات القضائية والسياسية..
🔴 ملاحظة مركزية:
كشف نتنياهو في بداية الأسبوع عن بعض حساباته ومخططاته: "إذا استؤنفت الحرب، فسيدرس إلغاء الانتخابات التمهيدية في حزب الليكود، وبذلك يعفي نفسه من الصداع المرتبط بقائمة انتخابية ليست جذابة بما يكفي لتحقيق أغراضه ومصالحه.."
🟩🔚 الخاتمـــة
بعد التعمق في تركيبة الكيان الإسرائيلي، نجد أن القرار السياسي والعسكري في إسرائيل لا يُبنى فقط على تقديرات أمنية موضوعية، بل يتأثر بشدة ببراغماتية القيادة وحاجتها لتأمين بقائها السياسي.
إن تقاطع أزمة الهوية الداخلية مع الحسابات الانتخابية الحزبية تجعل من خيار التصعيد الإقليمي وسيلة وظيفية لترحيل الأزمات بدلاً من حلها، مما يدفع المنطقة نحو حالة استنزاف مفتوحة تُدار وفق أهداف شخصية وسياسية ضيقة.
وهنا لا بد من طرح سؤال يبحث مآلات الموقف:
هل سيؤدي هذا التصعيد المُفتعل «تكتيك الهروب إلى الأمام» إلى نجاح نتنياهو في إعادة هيكلة مشهده الداخلي وضمان بقائه السياسي، أم أن استراتيجية "الهروب إلى الأمام" ستصطدم بحدود القدرة الإسرائيلية على تحمل حرب إقليمية واسعة متعددة الجبهات؟!
وإلى أي مدى ستسمح الإدارة الأمريكية والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية بتجاوز الخطوط الحمراء لخدمة الأجندة الشخصية لنتنياهو، أم أن حدود الكلفة الإقليمية والضغط الداخلي ستفرض كبحاً متأخراً لهذه الاستراتيجية؟!